يخيل إليَّ أن الكاتب لا يمكن أن يدع فرصة إلا انتهزها لكي يثبت أن صحيح البخاري كتاب مزور على البخاري نفسه، وأنه لا صلة بينه وبين حديث النبي ، وأن الأمة الإسلامية جمعاء في مشرقها ومغربها وبرجالها ونسائها وبخاصها وعامها وبملوكها وسوقتها وأعلامها وعموم أفرادها قد ضلت السبيل ومالت عن جادة الصواب واجتمعت على ضلالة بعدِّها هذا الكتاب الجليل من ذلكم الجهبذ النبيل ديوان حديث نفيس صحيح بل أرفع ما ألف في الصحيح، بل أوثق كتاب تاريخي وصل إلينا بعد كتاب الله تعالى، ولذلك تراه في الفصل الذي عقده للحديث عن نسخة منجانا من الجامع الصحيح في ص244 ، يرى الحسنة سيئة والمحمدة مثلبة ونور النهار ظلمة في الليل، إذ يَعدُّ اكتشاف المستشرق منجانا لنسخة قديمة من الجامع الصحيح ضربا للصحيح نفسه، فهو عوْنٌ له على الفلَجِ فيما هو بسبيله من النقد للبخاري والثلب للحديث الصحيح الموجود فيه…ولذلك يتبجح بكونه يعرف حقا ما في نسخة المستشرق الإنجليزي منجانا من المثالب التي تنصر مذهبه، وتعزز رأيه السيء في البخاري وكتابه..وأن خصومه ممن وصفهم بتكلس العقول وتحجرها ( هكذا قال) ليسوا يعرفون نسخة منجانا ؟ وسبحان الله صار أصحاب التخصص الحديثي لا يعرفون كل ما يتعلق بأرفع كتاب جمع في تخصصهم، وحديث نبيهم، مما تقول فيه الأمة الإسلامية كلها قاطبة إنه الصحيح الخالص، والثابت الصرف، والمعول عليه الوثيق؟؟؟ بينما يعرف سر َّما يؤلَّف عن تخصص المتخصصين في الحديث النبوي مستشرق حاقد، وتابع حداثي هالك؟؟؟

ونحن هنا سنُساير الكاتبَ في ادعاءاته وسنُماشيه في مُفترياته، وسنَسرُد منها الفرية بعد الفرية حتى يتبين لكل ذي بصيرة راشدة، وعقل رادع، وضمير حيٍّ منصف أن الكاتب في غيه ظالم، ومتعد غاشم، فمن تلك المفتريات:

أولا: ادعاؤه أنه ليست توجد من الجامع الصحيح في العالم اليوم نسخة للإمام البخاري ولا للآخذ عنه المطلق الفربري ولا للآخذين عنه من التلاميذ الخالفين كأبي زيد المروزي والمستملي والسرخسي ولا للأصيلي ولا لغيره ممن هو دون السابقين كأبي الهيثم الكشميهني وكريمة المروزية وأبي ذر الهروي وأبي الوقت عبد الأول السجزي ولا لغيرهم ممن عُدَّ من الرواة الحاملين للكتاب ممن اشتهر بروايته والتوفر عليه، وهذا المدعى خطير ويكاد يردي صاحبه ويهلكه ويسقطه في الجهل المطبق والعمى التام عن الحق، إذ كيف يستسيغ عاقل أن يجزم بهذا الجزم القاطع ويحكم أنه لا توجد نسخة تنسب إلى من ذكر آنفا، وهل كتب للكاتب أن يطَّوَّف العالم كله باحثا عن البخاري ونسخه، ورواياته وصحائفها، ويقف عند كل مكتبة في العالم صغيرة أو كبيرة، وينخل زوايا الخبايا، ويستخرج منها العلم الذي توصل إليه والفهم الذي وقع عليه؟؟؟ وهل هو الباحث الخريت في علم المكتبات الذي أحصاها في العالم عدا، ونخلها نخلا ونفضها نفضا، فعرف كلَّ كتاب فيها مخطوط ومطبوع، وكبير وصغير، وكامل تام وناقص مبتور؟؟ ولو فرضنا جدلا أنه قد هُيَّء له ذلك ولن يُهيأ، فكيف جاز له القطع من غير حنث في القسم واليمين أن ما توصل إليه من استنتاج هو العلم الذي لا يأتيه باطل من بين يديه ولا من خلفه؟؟؟ ثم يبادر إلى تسفيه آراء من يرى صحة الأصول المتصلة إلى الإمام البخاري بالرواية والسماع؟؟

ثانيا: كيف تسنى للكاتب أن يرى فيما كتبه المستشرق منجانا عن أقدم نسخة خطية للبخاري ثلبا في البخاري وكتابه وهو لم يقف عليها ولا رآها ولا باشر العمل عليها، وإنما يرجع في معرفة ما فيها إلى ما كتبه نقدا لها الدكتور أحمد فارس السلوم ؟؟ ويحتج بتصرفه إزاءها مما فَهِم منه الكاتب أن الدكتور المشار إليه آنفا من منتقدي صنيع المستشرق الإنجليزي منجانا فيها؟؟ ثم ينبري الكاتب للطعن في صنيع منْ عرف هذه النسخة المكتشفة من قبل المستشرق المذكور بأن هؤلاء منخدعون بهذه النسخة لا يعرفون قيمتها ولا منزلتها وأنها ليست تقوى على البحث العلمي المجرد، وأنها تسقط عند أول نظر فيها؟؟ ومن شأن الناقد لصنيع غيره في قراءة أمر علمي النظر فيه مباشرة من غير استعانة بتحليل ودراسة غيره له، ولا يُكتفى ههنا بالنظر فيما كُتب عنه دون النظر فيه هو نفسه؟؟؟ كيف والكاتبُ يزعم أنه مُسقطٌ أسطورة صحيح البخاري؟ متسائلٌ عمَّن ألف الكتاب الذي يُعد ُّ أصح كتاب بعد كتاب الله؟؟؟ كيف يثير كاتبٌ مغمورٌ ضجَّة ويوقظ فتنة ويُوري قدح النار ويُسِّبب معركة وهو لا يملك الأدوات ولا الآليات ؟ بل كيف ينتقد كاتبٌ دعيٌّ أقدم نسخة لصحيح البخاري ويفرح بذلك معتمدا على نقد غيره وهو لم يكحِّل نظره بها ولا أمسك بها ولا رآها رُؤيةَ عينٍ لا شكَّ فيها ولا ريب؟؟

ثالثا: يفرح الكاتب بكون النسخة التي قيل إنها أقدم نسخة موجودة من صحيح البخاري، ليس في إسنادها ما يثبت صحة نسبتها إلى أبي زيد المروزي فضلا عن أن تكون صحيحة النسبة إلى البخاري الإمام، ويستعلن بذلك ويطرب له وينادي به بأعلى صوته ويعده انتصارا كاسحا ولمفترياته مروِّجا، وما درى المسكينُ أنه يخوض فيما لا يُحسن، ويتكلَّم في علمٍ وقفَ على أبوابه حراسُه، إذ لقد دبج دارس ٌ متخصص معاصر بحثا علميا جديدا- في العدد الأول من مجلة لسان المحدث الصادرة عن الرابطة المحمدية للعلماء بالمملكة المغربية 1438هـ- تناول فيه نسخة منجانا بالدراسة والتحليل، والتدقيق والتفتيش فخلُص إلى ما يلي:

- اكتشاف قطعة متممة لما نشره منجانا من نسخة أبي زيد المروزي من الجامع الصحيح.

- توجد في المغرب من الأصول العتاق القديمة من صحيح البخاري نسخ منها:نسخة منتسخة من أصل الفقيه الحافظ أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي سنة 490ه محفوظة بخزانة الإمام علي بن أبي طالب بتارودانت برقم ك149 تشتمل على الجزء السابع من الجامع الصحيح.

رابعا: وهِم الكاتب وهما شنيعا عندما حسبَ أن د/ أحمد فارس السلوم شيخ كبير السن والدكتور المذكور من معارفي الذين لقيتهم وهو أصغر من الكاتب فهو في شباب من العمر في الثلاثين، وكأنه يغمزه لكونه كبير السن فيه غفلة وتقليد فيما يدافع به عن الإمام البخاري.

خامسا: تكلم الكاتب على قيمة نسخة منجانا وهل هي صحيحة النسبة إلى أبي زيد المروزي، ومن مرتكزاته في التشكيك فيها:

- أنها كتبت بعد وفاة الإمام البخاري بــــ114 عاما أو بـــ200 عام كما في ص244، قلت وهذا ليس يقدح في تصحيح النسخة إلى أبي زيد المروزي الراوي عن الفربري الآخذ عن الإمام البخاري، فالكتاب متصل الإسناد إلى البخاري اتصال سماع وتحديث وأخذ قبل أن يكون متصلا بالبخاري اتصال كتابة وإملاء ونسخ، والاتصال الأول أقوى من الثاني، وهو ميزة هذه الأمة الإسلامية في نقل كتاب ربها وسنة نبيها ، إذ تتفرد بنقل الصدور طبقة عن طبقة وجماعة عن جماعة في القرآن الكريم، وواحدا عن واحد أو مجموعة عن مجموعة لا يصلون إلى حد التواتر وقد يصلون في الحديث النبوي وفي كتب هذا الحديث الشريف وصحيح الإمام البخاري منها.

- أنها لا ناسخ لها قد ذكر في غضونها ص251 ولا تاريخ لنسخها ص251، قلت وكل ذلك ليس يضرُّ، إذا حصل اتصال الكتاب بالجامع وهو حاصل معروف قد اشتهر بذلك الخبر، وعلم به قدْر هذا الكتاب العظيم والديوان الشريف.

- أن هذه النسخة مختلف اسم الصحيح فيها عما ذكره الذاكرون ص253 ، وهذا ليس يهم أيضا فالكتاب جمعه البخاري ولم ينصَّ صراحة على الاسم فيه، فكلٌّ اجتهد بحسب رأيه واجتهاده في تسميته، فكانت هذه العناوين التي أومأ إليها علماء مصطلح الحديث، وذكرها نُسَّاخ الصحيح عبر العصور المختلفة، لكن التعبير عنه بلفظ الصحيح خارج قطعا من البخاري، لأنه هو مقصوده الأكبر من هذا الجمع وذاك التأليف.

- أن إسنادها غير كاف في عدِّها متصلة بالإمام البخاري ما لم يصرح البخاري بالإجازة بها ص247، ولعمر الله فإن هذا من منكر الأقوال وأبعدها عن الصواب، فإذا كان بين أبي زيد المروزي راو واحد وهو الفربري الآخذ عن الإمام البخاري، فإن ذلك يكفي في الدلالة على صحة النسخة، لأن المرجوع إليه في تصحيح النسخة التاريخ فوفاة المروزي تُصحِّح لقاء الفربري والأخذ عنه والسماع منه، ووفاة الفربري تُصحِّح لقاء الإمام البخاري والأخذ عنه والسماع منه، على أنه يقال إن الإجازة بالكتاب قد تكون ضمن السماعات المثبتة في الغلاف ولا تكون في العادة ضمن كل حديث يذكر في متن النسخة.

- أن هذه النسخة التي اكتشفها المستشرق الإنجليزي منجانا تختلف عن بقية النسخ المخطوطة للجامع الصحيح التي وصلتنا، قال الكاتب متنطعا متعنتا في ركاكة من التعبير وسماجة من عقل:" ...فأي المخطوطات نصدق على أساس أنها هي منْ ألف محمَّد بن إسماعيل البُخاري؟؟" ص248 قلتُ: اختلاف نسخ الصَّحيح واقعٌ له أسبابه التي سنلمُّ بها قريبا كما سيلمُّ بذلك الكاتبُ، والجواب هناك سيكون.

سادسا: ادعى الكاتب أن شراح صحيح البخاري لم يتيسر لواحدٍ منهم الوقوف على نسخ أصلية للبخاري، وهذه دعوى تسقط بالنظر في بعض أشهر شروح ونسخ هذا الديوان العظيم في الأزمنة المتأخرة، فالصاغاني المتوفى سنة 650هــ يصرح ابن حجر في فتح الباري 1/542 أنه قد وقف على نسخة الفربري المتصل بالبخاري لأنه هو تلميذه المباشر، قال ابن حجر:" ...وكذا ثبت في نسخة الصاغاني التي ذكر أنه قابلها على نسخة الفربري التي بخطه زيادة توضح المراد وتفصح..."، والكرماني الشارح المتوفى سنة 786ه يُظنُّ به أيضا الوقوف على نسخة الفربري فلقد قال ابنُ حجر في الفتح1/312:"...وأفاد الكرماني أن في نسخة الفربري التي بخطه تقديم حديث ميمونة هذا إلى الباب الذي قبله...".

وتستمر المعركة...ولقد قرب انفصالنا عنها وانتصارنا للحق وأهله..