لقد بيَّت الكاتبُ النية لكي يطيح بصحيح الإمام البخاري، ويثبت أنه أسطورة قد تتابع أول هذه الأمة الإسلامية وآخرها على تقديسه والتنويه به ظلما وعدوانا، وجهلا بما فيه من الطامات، وعدم معرفة بما يعتري طريق نقله بواسطة التلاميذ من آفات وبليات..ولذلك عقد هذا الفصل الذي عنْونه بـــ:" صحيح البخاري والتلاميذ" ص 255 ولنا معه فيه عدة وقفات، فمن ذلك:

- بالغ الكاتب هنا من الطنز بالإمام البخاري والسخرية منه والتنقيص من قيمته وغَنائه في الإسلام، وهو سبيلٌ لا يسلكه واضح الحجة والبيان، ناصع الدليل والبرهان، قوي البنيان والأركان، فالبخاري عند الكاتب لا يستحق أن يكون" أشهر أستاذ حديث في التاريخ الإسلامي" ص255 لأنه درَّس تسعين ألف تلميذ، وهو عدد لم يتهيأ لأحد قبله ولن يكون لأحد بعده؟؟، وفي الحق فالبخاري يستحق هذا اللقب الذي دفعه عنه الكاتبُ، إذ كيف لا يكون أشهر أستاذ للسنة النبوية في تاريخنا الإسلامي وهو الذي ألف جامعا أنفس ديوان في الحديث وأغزره فوائد وأصحه شرطا، وأضبطه طريقة ومنهجا؟ وإذا كان الكاتب لا يعتقد صحة ما نقول ونثبت ومعنا في ذلك آلاف المعتقدين ممن يُسميهم هو المتغنون بتقديس البخاري وكتابه ص255- فهو حرٌّ في اعتقاد ما يشاء، مع أنه شخص واحدٌ شَذَّ عن جماعة المسلمين الذِّين جمعُهم هو الجمعُ، ورأيهُم هو الرأي، واعتقادُهم هو المعتقدُ؟؟
- دَفَع الكاتبُ عن الإمام البخاري أن يكون أشهر أستاذ للحديث في تاريخنا التعليمي الإسلامي، لأنه جادل في كونه قد كان يحضره تسعون أو سبعون ألف تلميذ، وزعم أن ذلك ليس يتهيأ لإنسان في العادة والمشاهد والتاريخ؟؟ ص255، قلت: والكاتب هنا يقيس شاهدنا بغائبنا، وحاضرنا بماضينا، وما يعرفه بما يجهله، ففي تاريخنا الغائب عن الكاتب وفي ماضينا الذي يجهله أعلام عظام كانت تجتمع إليهم المحابر بالعشرات، وتلتئم في مجالسهم الآلاف، فتشرئب دونهم الأعناق المتطلعات، وتهفو إليهم النفوس الزاكيات، وتلزم مجالس علمهم وتحديثهم الهمم العاليات في أعداد لا يعلم بها إلا ربُّ البريات..وهو أمرٌ معروف يعرف من كتب التواريخ والسير والأعلام التي تساق فيها أخبار من هذا الضرب مُدهِشات مُعجِبات، فالزمان الأول كان زمان علم بامتياز، وتحديث بامتياز، وإقبال على ما ينفع بامتياز، ونبذٍ لما يضرُّ بامتياز، ولو قُدِّر للكاتب أن يعيش في ذاك الزمان لرأى كيف تعقد المجالس، وقد تدار الموائد، ومن أين تؤتى المنابر، وكيف يكون الإملاء، وكم كان يحضر كلَّ ذلك من العشرات والآلاف من الآخذين ممن يكون في سن الآخذ والطلب، أو دون ذلك ممن تُكت
ب أسماؤهم في الطِّباق والأسمعة أو السَّماعات، حتى إنه لتُكتب أسماء الصِّبية الصِّغار ممن لم يبلغ الحلم، تبركا بالتشرف بحضور السَّماع، وشُهود الإملاء، والمشاركة في ذاك المحفل المشهود.. وكلُّ ذلك قد ألفت فيه كتب أدب الإملاء والاستملاء ، ومنه أشياء تذكر في كتب آداب الطالب والمطلوب، والشيخ والراوي، أو السامع والمسموع منه..

- جدال الكاتب في العدد الذي كان يحضر البخاريَّ في مجالس إملائه لكتابه، بكوننا لم تصل إلينا في عصرنا هذا نسخ هؤلاء التسعون ألف أو السبعون- ص256 فيه جهلٌ مركَّب وفهم غير موفَّق ولا مسدَّد، ودفعه من وجوه:

الأول: هل يستطيع الكاتب – ولن يستطيع- أن يثبت أن هؤلاء الآخذين كانوا من الكَتبة الأبرار، والنُّساخ الأعلام، بمعنى هل كل واحد من هؤلاء التسعين أو السبعين ألف كانت لهم نسخ شخصية من صحيح الإمام البخاري، أسمعهم فيها البخاريُّ وأجازهم بها؟

الثاني: إذا لم يستطع الكاتب إثبات ذلك فإن الذي يفهم من حضور هؤلاء التلاميذ لمجالس الإمام البخاري، أنه كان حضور سماع وأخذ ولم يكن حضور كتابة وإملاء، على أننا لا ندفع أن يكون في بعض هؤلاء الحاضرين من كان يكتب، لكن ذلك بالنسبة للسامعين قليل، بالنظر إلى أن الزمان حينئذ كان زمانَ روايةٍ وحفظٍ وتحديثٍ ولم يكن زمان كتابةٍ وإملاءٍ وصحفٍ وأوراقٍ وكُتبٍ..فأين نحن في القرن الثالث الهجري من عصر الطباعة والنشر، والكتابة والتدوين؟؟
الثالث: وإذا سايرنا الكاتب في معتقده بخصوص ثبوت كتابة الآخذين عن البخاري نسخا من كتابه، فإنه لا يصح من الكاتب أن يدعي أنه لم يصل إلينا في هذا العصر من نسخ هؤلاء الكاتبين شيءٌ، وهل أحصى الكاتب في العالم كل نسخة من البخاري؟ وهل راجع كل مكتبة فيها مخطوطات أوصلها وفروعها، كاملها وناقصها، فيما تمَّ منها وخُرومها، فيما فُهْرس منها وما لم يُفهرس، إن ذلك مما لا يقول به عاقلٌ ولا يدَّعيه عالم، ولا ينسبه إلى نفسه باحثٌ منصفٌ له مُسكة من ضمير حيٍّ، وقلب سليم؟؟

في ص256 يماري الكاتب جهلا في تواتر رواية صحيح الإمام البخاري، وهو مما لا ينقضي منه عجبي، إذ الكاتب خائض فيما لا يحسن، إذ الرواية بهذا الكتاب متصلة بالإمام البخاري أمير المؤمنين في الحديث ليسمه هو بغير ذلك وليصفه بما يحلو له، فإن ذلك ليس يغير من الحقيقة شيئا، فهناك شخص له وجود تاريخي توفي في سنة 256هـ قد ثبت بالدليل الذي لا يماري فيه اثنان أنه جمع في الحديث الصرف عن النبي ، وأن الكتاب الذي ألف وجمع قد رواه عنه من كل طبقة من الرواة جمعٌ شرقا وغربا رجالا ونساء رحالة ومقيمين أمراء ومسترعين، علماء وغير علماء، كلهم قد أسندوا الكتاب بالأسانيد الكثيرة الغزيرة المختلفة المتعددة التي يستحيل في العادة والعقل والشرع والمنطق أن يتفق أصحابها على الكذب والتزييف ونسج شخصية وهمية أسطورية تسمى البخاري قد عاشت في القرن الثالث الهجري وأنه قد ألف كتابا كبيرا في الصحيح؟؟ إن ذلك لو جاز لتهافتت علينا أنفسنا ومهجنا فلم نعد نميز بيننا وبين البهائم، ولشككنا في وجودنا ولكنا قلنا نحن والعدم شيء واحدا بينما نحن أناس مميزون لنا عقول وأرواح في أجساد؟؟
- أورد الكاتب قول المستملي غير مشير إليه باسمه الكامل إذ أومأ إليه بقوله قال أبو إسحاق ص257 وهي زلة في البحث العلمي اليوم- قائلا:"انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفربري فرأيت فيه أشياء لم تتم وأشياء مبيضة منها تراجم لم يثبت بعدها شيئا، ومنها أحاديث لم يترجم لها فأضفنا بعض ذلك إلى بعض" وفرح الكاتب بهذا النقل فرحا عظيما فكأنه سقط على الكنز الذي سيغنيه، وسينصر رأيه وسيكتب له ولكتابه الخلود في الأرض؟؟
وما درى الكاتب المسكين أن هذا النقل ينقض عليه كتابه ويسويه بالأرض ويجعله هباء منشورا وذلك من عدة وجوه:

الأول: في هذا النص إثبات أن البخاري قد ألف حديث النبي الصحيح وجعله في ديوان هو أصل كتابه الذي حدَّث به وأسمع منه، وهذا دليل على الوجود المادي للكتاب وصحة نسبته إلى البخاري الإمام الذي توفي سنة 256هــ.
الثاني: في هذا النص الذي أورده ابن حجر في هدي الساري 1/8 دليل على أن اتصال رواية كتاب البخاري من جامعه إلى مَن رواه من الرواة في الزمان المتأخر، إذ فيه أن الفربري وهو الراوي الأوحد المتخصص في الرواية قد روى الكتاب من مؤلفه، وآل إليه أصلُه ، فكلُّ رواية عن الفربري أعني كل طريق تفرع عن الرواية الفربرية فهي رواية أو طريق مؤصل يتصل رأسا بالإمام البخاري، وهي رواية موثقة قد توفرت لها كافة سباب الوثوقية والصدق والضبط، ولقد تأملنا كل الطرق التي تفرعت في رواية الجامع الصحيح فوجدناها على كثرتها وتنوعها وتعددها وتفرق أهلها في الأمصار تؤول إلى الفربري، فثبت بحمد الله بهذا الطريقُ الصحيح لهذا الكتاب مما ليس يثبت لكتاب آخر جمُع في الصحيح وغيره.. فكيف يجادل في هذا بعدُ الكاتبُ؟؟
الثالث: ما قد فهمه الكاتب من أن البخاري إنما لم يتمَّ كتابه وأنه توفي وهو في المسودة، وأنه لم يراجعه ودليل ذلك ما فيه من التراجم التي بلا أحاديث وأحاديث بلا تراجم، فكل ذلك ليس يقدح في تصحيح نسبة الكتاب إلى الجامع، بل إنه مما يزيد ثقتنا به، إذ من شأن كل جامع كتاب أو مؤلف له، أن يراجع ما وضعه فيه مراجعة تثبت وتنقيح وتهذيب، فالبخاري سلك هذا السبيل في الترتيب والتنظيم يعني في التراجم وسياق الأحاديث تحتها لا في أصل شرطه يعني أنه قد يبدو له أن ما صححه من حديث ليس يستحق التصحيح فيسقطه من كتابه، وهو الظن الذي ظنه الكاتب وأمثاله من العقلانيين بالبخاري، فقالوا في الأحاديث التي لم تفهمها عقولهم ولم تدركها معارفهم ولا علومهم أنها من الأحاديث التي أثبتها البخاري بادئ الرأي، فلم تمهله منيته حتى يراجعها فيسقطها لأنها بزعمهم تصادم العقل وتسيء إلى الإسلام ولا تتماشى مع العقلية المعاصرة، فالتهذيب والإلحاق كان – لو كان مُقدَّرا للبخاري- في أصل كتابه بخصوص التنظيم والترتيب والتقديم والتأخير، لا في أصل الصحيح مما هو شرطه المعروف ونهجه المعهود مما تبين أنه فيه نسيج وحده وابن بجدته ومبدع كينونته، فعليك بهذه القاعدة فاشُدْد عليها بيديك فإنه لا مِثْل لها في فهم هذه النصوص المنقولة في وصف منهج البخاري في كتابه.
الرابع: ما قد طار به الكاتب أيما مطار من قول المستملي في ختام النص السابق:"... فأضفنا بعض ذلك إلى بعض" من أن الرواة بعد البخاري قد زادوا في كتابه ما ليس منه، وأن الكتاب بذلك قد وقع تأليفه من عصر مؤلفه في القرن الثالث الهجري إلى القرن السادس، فهو كتاب مجموع في من الزمان في الزمان من أئمة الزمان، فذاك استنتاج ليس يقول به عاقل، لأن الذي يستفاد من نص المستملي أن الإضافة المتوقعة من الرواة الثقات العدول الضابطين الذين أفنوا أعمارهم في سبر أغوار الصحيح، فحفظوه ورووه وتفقهوا فيه ومنهم من انتسخه- إنما كانت في الترتيب والتنظيم لا في أصل الصحيح والشرط المعتبر عند الإمام البخاري..وتؤيد هذا المعنى الشريف، والمقصد النبيل عشرات الأمثلة من الصحيح التي وردت عند الشراح شرقا وغربا.
وتتوالى المعركة ولقد أوشكت أن تضع أوزارها