المعركة تحت راية البخاري 29

يريد الكاتب أن يصل إلى كل من له فضل على الإمام البخاري وكتابه الجامع الصحيح فيظهره في صورة الخصم الألد للإمام الهمام والمحدث السيد الماجد ذي الشأن والمقام، ولذلك اختار الحافظ ابن حجر هدفا لسهامه، وغاية لمواضع نَبله، محاولا إثبات أن ابن حجر عدو للبخاري في شرحه المنيف فتح الباري مُعتمَد الأولين والآخرين في شرح صحيح البخاري في الفصل الذي وسمه بــــ:" صحيح البخاري والحافظ ابن حجر العسقلاني" ص261، وإنما كانت الأضواء مسلطة من الكاتب على ابن حجر للأسباب التالية:

- إذا أفلح الكاتب في إثبات صحة مقصده فإن الثقة ستسقط بالبخاري وبكتابه.

- شهرة ابن حجر من بين شراَّح الجامع الصحيح بإقبال المتأخرين في فهم ما في الصحيح عليه، فإذا ثبت أن ابن حجر مناوئ للبخاري تزعزعت الثقة بالبخاري، وصار ما قد قيل فيه من قبل الحداثيين المناوئين في السنة ومصادرها صحيحا.

- شهرة ابن حجر في المتقدمين والمتأخرين بحلِّ مُقفلات الجامع الصحيح وفهم مقاصد صاحبه فيه، وانتشارِ ذكره بين الباحثين بكونه من أكبر المدافعين الذائدين عن حياض الصحيح وصاحبه، فإذا حاول الكاتب أن يظهر ابن حجر في صورة العدو الذي عانى الأمرين في الانفصال عن إشكالات الكتاب، فإن ابن حجر سيتحوَّل في نظر المتأخرين من مدافع منتصر إلى ناقد حاقد، وهو ما تدفعه أدلة العقول الصحيحة وبدائه الوقائع الصريحة.

ومن تفاصيل الصورة المظلمة التي أبرز بها الكاتبُ ابنَ حجر وشرحَه المسمَّى فتح الباري:

أولا: شرْح ابن حجر من أوله إلى آخره " تبرير مجموعة من المتناقضات " التي اشتمل عليها الجامع الصحيح ص261، ولعمر الله كيف يكون فتح الباري أشهر شرح للبخاري بهذه المنزلة وصاحبه تعرض لأرفع كتابٍ ألف في الصحيح الخالص الثابت عن رسول الله عليه وسلم، ودرس شرطه وعرف مداخله ومخارجه، وتمرس بقواعده وأصوله، ونخل كلماته وحروفه، وحفظ أحاديثه متونه، وتفقه في معاني ما اشتملت عليه من حكم وأسرار، ومقاصد وأفهام، واستحضر كل ذلك أثناء كتابة فقرات الشرح طيلة سنين عديدة قضاها في الشرح والتقريب، والتوضيح والبيان؟ ثم أين هذه المتناقضات وتلك المتعاكسات في الجامع الصحيح؟ إنها لا وجود لها سوى عند الكاتب الذي يرى في كل حديث يعاكس عقلَه، ويضادُّ فهمَه متناقِضا مع المنطق السَّليم والفهم الصَّحيح؟؟؟.

ثانيا: شرْح ابن حجر رد ٌّ" للانتقادات الموجَّهة إلى البخاري وكتابه" ص261 قلت: وماذا في ذلك، ويفهم منه أن ابن حجر معظم للصحيح وجامعه، عارف بمنزلة ذلك، ساعٍ في بيان أنْ لا صحة لهذه الانتقادات العلمية لا الأيديولوجية الموجَّهة إلى الصحيح، وهذا هو الفيصل بين نقد نقد، واعتراض واعتراضٍ، فاعتراض الدارقطني الذي فرح به الكاتب- والإسماعيلي والخطابي والداودي الشارح والمهلب بن أبي صفرة وابن بطال الشارحين، والكرماني ومغلطاي والنووي وغيرهم إنما كان كل ذلك علميا مبنيا على أن البخاري قد خالف الأولى في الترتيب والتنظيم، والتصنيف والتأليف، ولم يكن اعتراض هؤلاء العلماء مبنيا على مخالفة البخاري في أصل شرطه، ولا على منازعة البخاري في سوق حديث في الكتاب وادعاء أصحيته بينما يكون الحال أنه غير صحيح، هذا ما لم يكن ولن يكون..

ثالثا: ادعى الكاتب أن ابن حجر قد " وقع في ورطة" ص261 وهو يحاول الدفاع عن الإمام البخاري في بعض صنيعه في كتابه، وهذا غير صحيح فمن عرف الحافظ ابن حجر وصنيعه في فتح البياري جزم أن الرجل معظم للصحيح، عالم بقدر جامعه، قد توصل في فتحه بهداية ربه وحسن توفيق منه، إلى حل مشكلات ورفع أثقال، والانفصال عن غوامض لم يسبق إليها، وكثيرا ما كان الحافظ ابن حجر يذكر ذلك متحدثا بالنعمة، منوها بالهداية والفتح، فعن أي ورطة يتحدث الكاتب الذي يريد أن يوهم القارئ أن ابن حجر متورط في شرح كتاب ليس يفهم مقاصد صاحبه فيه؟؟؟ ومن ثمَّ أقبل على فتح الباري جماهير أهل العلم في العصور المتأخرة وتعددت أنظارهم عليه، كبارهم وصغارهم في المشرق والمغرب، وتهادته الملوك فيما بينها، وتنافس الفضلاء في تحصيله ونسخه في زمانه وبعد زمانه، ومدحه الشعراء، وكتبه النبلاء، وختمه الأتقياء، ودرسه مشاهير الباحثين في هذا العصر في رسائل علمية لا يعرفها الكاتب شرقا وغربا حتى إنه ليس يوجد على وجه الأرض اليوم من كتب البشر كتابٌ أكثر الناس من العناية به قراءة ودراسة وبيعا وشراء مثل فتح الباري..وإذا صحَّ ما ظنه الكاتب بابن حجر في كتابه من وقوعه في " ورطات" فلمَ حظي الكتاب بهذا القبول المنقطع النظير، وهذه الحظوة العظيمة؟ أفما للناس عقلٌ يميزون به بين المتورط من غيره؟ وبين ما ينفع الناس فيمكث في الأرض وبين ما يذهب جفاء؟؟؟ سبحانك ربي هذا بهتان عظيم..

رابعا: ادعى الكاتب أن ابن حجر قد وقف حائرا إزاء بعض المواضع من الصحيح، وتكلف الجواب عما فيه من إشكالات ص261 وهذا لعمر الله جهل بمنهج ابن حجر في كتابه العظيم، والله لو لم يكن من عظمة البخاري وكتابه إلا أن الله قد هيأ له مثل ابن حجر وفتحه ليبين للناس محاسن منهج ذالكم الإمام- لكان شيئا كافيا في الدلالة على قيمة الصحيح وجدواه...إن الحافظ ابن حجر في فتحه قد سار على طريقة غريبة في التصنيف قد اختلفت معالمها لطول المدة التي قضاها المؤلف في الجمع والتأليف، ولذلك قد يُظهر ابن حجر أحيانا توقفه في فهم أمر في موضع، ثم يفتح الله عليه بما يرفع الإشكال الأول في موضع آخر، وهو أمر قد حصل للحافظ غير مرة ونوه به هو فسقط ما ادعاه الكاتب من الحيرة التي قد تصيب ابن حجر في غضون الشرح لأعظم كتاب وضع في الحضارة العربية الإسلامية..وأما دعوى التكلف فساقطة أيضا إذ لا يمكن لكاتب مبتدئ حاقد على البخاري وكتابه، أن يصدر هذا الحكم على كتاب ابن حجر، وهؤلاء العلماء من فرق مختلفة ومذاهب شتى يقبلون على كتاب ابن حجر أخذا لفوائده، واقتباسا لعوائده من زمان المؤلف إلى هذا العصر، فيبعد في العادة أن يتمَّ النقل من كتاب فيه تكلف وتمحل، وهل هؤلاء الفضلاء الناقلون أقل معرفة بالتكلف من الكاتب؟؟ أم أنه أعرف منهم بالتمحل؟ سبحانك ربي هذا بهتان عظيم..

خامسا: ما ادعاه الكاتب من أن ابن حجر طاعنٌ في الروايات التي نقل بها الصحيح، ولذلك شرح الجامع الصحيح على رواية واحدة هي رواية أبي ذر الهروي وعدَّها من أتقن الروايات وأضبطها- غير صحيح، وذلك من وجوه:

الأول: اختيار ابن حجر لرواية أبي ذر الهروي يفهم منه أنه يختار رواية من أخذ عنه أبو ذر وهو المستملي الآخذ عن الفربري، فأبو ذر لم يحمل عن البخاري كما قد يوهم صنيع الكاتب، بل بينه وبينه رجلان وهما المستملي والفربري، فالذي يختار رواية أبي ذر الهروي شيخ الحرم يختار رواية من فوقه ممن هو في طبقة مشايخه وهما هنا الفربري والمستملي.

الثاني: بتأمل فتح الباري أدنى تأمل يستنتج القارئ أن ابن حجر قد رجع إلى بقية الروايات التي روي بها الجامع الصحيح كرواية كريمة المروزية وأبي الهيثم الكشميهني وأبي الوقت السجزي وأبي زيد المروزي والأصيلي، فالحافظ ابن حجر قد يرجح وقد يشرح على ضوء إحدى هذه الروايات، وليس معنى تصريحه بأنه شرح على رواية أبي ذر الهروي اقتصاره عليها حسبُ، بل معناه أنه في الغالب قد يكثر رجوعه إليها، واعتماده عليها..

الثالث: إن الناظر في صنيع ابن حجر في كتابه يجد أن المؤلف قد اعتنى بجميع روايات الجامع الصحيح، فهو معظم لها محب لرواتها، عارف بمقدار الجهد الذي بذلوه في تحصيل الجامع الصحيح عمن رووه عنه.

وبعد فإن الكاتب في صنيعه مع الحافظ ابن حجر كالمستجير بالنار من الرمضاء، ولو قدِّر لابن حجر أن يعيش إلى عصر الكاتب الناقد للبخاري ولكتابه لدفَع في صدْره ولردَّ كيده في نحره ولملأَ فتحه بالنكير عليه والتثريب .

وتستمر المعركة ولقد أوشكت أن تحط أوزارها...