رتَّب الكاتب على محاولته البائسة اليائسة لإبراز ابن حجر في صورة من وجد عنتا شديدا في شرحه للجامع الصحيح ما يلي:

أولا: أن صحيح البخاري قد " لقي معارضة شديدة عبر التاريخ" ص263، وهذا ليس يفهم منه ما قد استنتجه الكاتبُ، ذلك أن الكتاب العادي الذي ليس فيه المعاني الشريفة والعلم الصحيح والشرط الرفيع ليس يثير زوبعة ولا ضجة وهو دليل على عدم احتفال الناس به وإقبالهم عليه، وجل هؤلاء المعارضون الذين اعترضوا على بعض صنيع الإمام البخاري ليس لأنهم رأوا أنه قد صحح أحاديث خالفوه هم في تصحيحها بل إنما قد يكون لأحد الوجوه التالية: إما لأنه ليس في هذه الأحاديث الشروط العليا في الصحة كأغلب اعتراضات الإمام الدارقطني، أو لأن البخاري قد خالف الأولى في ذكر حديث في باب دون باب، أو قدم حديثا على حديث، أو لأنه يفوته حديث هو على شرطه لكنه أعرض عن تخريجه خشية الطول كما قد صرح بذلك أو نحو هذه الأسباب الحاملة على الاعتراض والتعقب مما حكاه الحافظ ابن حجر في شرحه العظيم ورده ديانة وانتصارا لله ولرسوله ودفعا للباطل الذي قد يلتبس بالحق الذي اشتمل عليه هذا الديوان الجليل من دواوين السنة الفخيمة.

والحافظ ابن حجر كان في شرحه شديد الانتصار للبخاري لا يألو جهدا في الميل معه حيث مال، ولذلك تراه في كثير من المواضع يذكر اعتراضات الشراح على البخاري في التراجم والأبواب وما اشتملت عليه من أحاديث، ويكر عليها مبينا أن الحق مع البخاري فيها، وهذا مما لا يخلو منه كتاب، فصحيح البخاري لما كان شرط صاحبه فيه دقيقا لا يشرف له إلا المنتهون- كثر لذلك الاعتراض عليه من جهة ما ألزم به نفسه من الدقة في الشرط، والإحكام في التبويب، والإغراب في التنظيم، وهذا أمر طبيعي ووارد وليس يستغرب من كتاب يقول صاحبه إنه قد أفرده في الصحيح الخالص مما قد ثبت عن الصادق المصدوق .

ثانيا: أن صحيح البخاري " كتاب عادي جدا ولا قيمة له" ص264 وهذا حكم لو راجع فيه الكاتب نفسه لألفاه ظالما متجاوزا لحدود الأدب واللباقة العلمية، فليس من الإنصاف في شيء أن يصف كاتبٌ يدعي الحرية قيمة إنسانية يدافع عنها، والعدلَ قيمة إنسانية ينافح عنها- كتابا تقول الأمة قاطبة فيه إنه أرفع كتاب ألف في الصحيح وأنه يتلو كتاب الله في الصحة- بهذا الوصف، ويلمزه بهذا اللمز، ولو قلبنا الأمر فوصفنا كتاب الكاتب - وقد أوشك نقدنا له أن يتمَّ- بالذي وصف به هو صحيح البخاري- لكان وصفا مقبولا وحكما مستساغا ورأيا علميا معوَّلا عليه.

ثالثا: أن صحيح البخاري قد وقع تأليفه من قبل مؤلفين كثيرين، وهو غير صادر من البخاري في المائة الثالثة الهجرية ص266 ، وهذه التهمة لا مستند لها من نقل صحيح راجح ولا دليل عقلي صحيح، فمن هؤلاء المؤلفون؟ ومتى كانوا؟ ومن شهد عليهم أنهم قد تدخلوا في الصحيح كما يدعي الكاتب في ص266؟ ومن من الناس حضرهم ووقع على كذبهم وتزويرهم؟ إن العقل السليم في قلب المسلم الرشيد يقول إنه يستحيل في كتابٍ مشهورٍ مثلَ صحيح الإمام البخاري أن يتناوب على تأليفه رجالٌ كثيرون طيلة قرون مُتطاولة في أزمنة مختلفة ، ولا يفطن إلى ذلك - مع توفر الهمم على الكتاب ومعرفة الناس به شرقا وغربا ومن قبل الرجال والنساء والكبار والصغار- أحدٌ في العصر المتقدم حتى يجيء الكاتبُ في هذا الزمان الأغبر الكالح، وهو الذي لا يعرف صحيح البخاري حق المعرفة ولا ذاق هذا الفن بلسانه ولا شمَّ هذا الشأن بأنفه- فيدعي أنه قد كشف له البحثُ ما لم ينكشف لأحد قبله ولن ينكشف لأحد بعده؟؟؟ والله هذا من المحال الذي تأبى الفِطر السليمة تصديقه والتسليم به؟؟؟

وحاول الكاتب عبثا أن يبرز أمام القراء في صورة الباحث الجادِّ الذي يبحث عن الحقيقة، فعقد فصلا في آخر كتابه وسمه بـــــ:" اختلاف نسخ صحيح البخاري" ص269، ولقد ادعى الكاتب في غضون هذا الفصل أن كتاب البخاري لا يمكن القطع بنسبته إلى البخاري وأن البخاري نفسه بريء منه ص269 ، واعتمد في ذلك على ما استنتجه محمود أبو رية في أضواء على السنة النبوية، ولقد علِم الناسمن هو محمود أبو رية الطاعن في السنة النبوية عموما وفي مشاهير رواتها خصوصا؟ لكن الحداثيين يؤيد بعضُهم بعضا ويؤازر بعضُهم بعضا، والأشرار ملة واحدة على الأبرار الذي هم أيضا ملة واحدة..وأنتَ فحسبك أن الكاتب قد استشهد بأبي رية لتعلم قدر علمه بالسنة وتقف على رأيه في الحديث الشريف...

وكأن الكاتب استشعر أننا سنتهمه بتهمة متابعة محمود أبي رية فانبرى ينقل في هذا الفصل عن بحث" الروايات المنتقدة بسبب اختلاف نسخ صحيح البخاري" في صفحات طويلة لا يكل في ذلك ولا يمل، وفي صنيعه هذا تعقبات:

أولا: ساق الكاتب من ذاك البحث ما قد أعجبه منه، وترك ما ينقض عليه ما قد بناه من أول كتابه إلى آخره، إذ هذا البحث تنتصر فيه صاحبته للبخاري في دعوى اختلاف نسخه ورواياته.

ثانيا : لم يسم الكاتب صاحبة البحث ولا الجهة التي قدمت الباحثة بحثها إليها، لأنه يعلم أن ذلك سيشوش عليه في قصده تحطيم أسطورة البخاري كما يزعم، إذ البحث للباحثة شفاء علي الفقيه وهي طالبة دكتوراه في كلية الشريعة في الجامعة الأردنية، وكانت قد قدمت هذا البحث للمشاركة به في مؤتمر الانتصار للصحيحين الذي أقيم بالأردن في 14ـ15/7/2010م ، فأنت ترى أيها القارئ الكريم أن البحث حقُّ أراد الكاتب له أن يكون باطلا، وهو في سياق الدفاع عن الصحيحين، لكن أراد الكاتب المدلِّس الخسَّاف المتهوِّر أن يكون في ضرْب الصحيح، والنيل من منزلته وقيمته؟؟ لكن يأبى الله إلا أن يفضحه.

ثالثا: لقد فضح الله الكاتبَ عندما صرح بالنقل عن بحث:" الروايات المنتقدة بسبب اختلاف نسخ صحيح البخاري"، إذ صوَّر للقارئ أن البحث ينتقد نسخ الجامع الصحيح وينال من البخاري صاحب هذا الديوان العظيم، بينما كشف البحث النزيه أن الباحثة صاحبة الدراسة إنما ساقت ما نقله عنها الكاتبُ في مساق الانتصار للبخاري، فما يراه الكاتب يخدم غايته الدنيئة الخسيسة، هو في نفسه الردُّ العلمي المصيب لكبده الذي يهدم عليه صرحه ويفُلُّ سيفه وموعد تفصيل ذلك في الجزء الثاني من هذه الحلقة الأخيرة من المعركة...

وتستمر المعركة وقد أوشكت أن تضع أوزارها...