لقد حاول الكاتب أن يدلس على القارئ عندما نقل عن الباحثة شفاء علي الفقيه الأردنية في بحثها المقدم إلى مؤتمر الانتصار للصحيحين :" الروايات المنتقدة بسبب اختلاف نسخ صحيح البخاري"، موهما أن البحث له سياق نقدي للبخاري وصحيحه، وكلا بل البحث كله من أوله إلى آخره دفاع عن سيد الصنعة الإمام البخاري وعن أصح كتاب بعد كتاب الله الجامع الصحيح، ولقد خلصت الباحثة في نتائج بحثها إلى ما يضرب الكاتب وكتابه الذي عده " القنبلة " القاضية على البخاري وصحيحه، مما ليس يكون في صالحه:

أولا: أن هذه الاختلافات ليست من البخاري في أصله الذي جمعه طوال سنين عديدة، كما أوهمت عبارة الكاتب مؤلف الأسطورة غير مرة.

ثانيا: مرد هذه الاختلافات الرواة الذين تحملوا عن الإمام البخاري مباشرة وهم ثلاثة رواة اشتهروا بالرواية للكتاب، وعنهم سوف يشتهر الكتاب وبهذا التحمل انتقلت هذه الاختلافات إلى من دونهم من الرواة، وهؤلاء الثلاثة الرواة هم : الفربري والنسفي وحماد بن شاكر.

ثالثا: طريقة البخاري في التأليف هيأت الظروف لوجود هذه الاختلافات فلقد كان البخاري يراجع وينقح كتابه في المدة الطويلة التي أمضاها في التأليف والجمع، وفي المدة التي عاشها بعد وقوع التأليف( 23 عاما)، يقول الفربري:" كنت عند محمد بن إسماعيل البخاري بمنزله ذات ليلة فأحصيت عليه أنه قام وأسرج يستذكر أشياء يعلقها في ليلة ثماني عشرة مرة".

رابعا: الراوي المشهور عن البخاري لكتابه هو الفربري ، وهو قد روى الكتابَ عن جامعه مرتين في وقتين مختلفين: مرة بفربر سنة 248ه، ومرة ببخارى سنة 252هـ، ولا شك أن بين الروايتين تباينا واختلافا مردهما إلى تجدد الاجتهاد للجامع بين التاريخيْن.

خامسا: أن ما حصل للجامع الصحيح للإمام البخاري حاصل في بقية السنة المشرفة كصحيح الإمام مسلم وبقية الأصول الستة كالسنن الأربعة وغيرها.

سادسا: الاختلافات التي وقعت بين رواة الجامع الصحيح استطاع العلماء حصرها وبيان وجه الحق فيها، وانتهوا إلى ضبطها وإقفال الباب عمن يريد إثارة زوبعة ضد صاحب الصحيح من أجلها، وكان من بين هؤلاء العلماء أبو علي الجياني الغساني وبعض شراَّح الجامع الصحيح كالحافظ ابن حجر.

وبعد فإن هذه هي النتائج التي خلصت إليها الباحثة الفاضلة لا شك أن الكاتب قد مرَّ نظره عليها، لكنه لما وجد أنها تنقض عليه ما بناه في كتابه، أعرض عن ذكرها والتعريج عليها وأخذ من بحث الباحثة ما ظنه يخدم غرضه السيء، ولقد خاب ظنه وخسر فما نقله من هذه الجداول التي فيها إحصاء للاختلافات بين الرواة تبعا للجياني فيه ردٌّ عليه، فمِنْ لازمه أن أهل العلم قد عنوا بذكر هذه الاختلافات بين الرواة وأحصوها واحدا واحدا وأحصوا ذلك عددا، وبرَّؤوا ساحة الصحيح، وأقفلوا هذا الباب على من لا يحسن، حتى جاء الكاتب وأمثاله من المعاصرين العقلانيين فتسوروا هذا الباب، وحاولوا التشغيب بما قد انتهى فيه الاجتهادُ وأُقفل فيه الكلامُ.

وما انتهت إليه الباحثة قد كنت انتهيت إليه قبلها بسنين عام 2000م لما نشرت بحثي الموسوم بـــــ: " الموازنة والترجيح بين رواة الجامع الصحيح" فلينظر فهو منشور في مجلة كلية الشريعة في جامعة قطر ومتاح للتحميل في عدة مواقع على الشبكة الدولية للمعلوميات والحمد لله.

ولقد رجع الكاتب إلى شنشنته في الفصل الأخير من كتابه فعنْون بقوله:" من ألف صحيح البخاري؟" ص279 ليخلص إلى أن كتاب البخاري كتاب لقيط ومؤلفه مجهول ص279 و280 وهذه النتيجة ظالمة جانية على الحس والعقل والشرع والتاريخ:

فمن حيث الحس فصحيح البخاري ليس لقيطا، بل كتاب له أسانيد عديدة متصلة إلى مؤلف معروف، وجامع معلوم، وأسانيد الكتب هي أنسابها فكيف يكون الكتاب بعدُ لقيطا؟ هذا مما ليس يقول به باحث عنده مسكة من عقل.

ومن حيث العقل فصحيح البخاري كتاب ليس مجهول المؤلف، إذ ما زال الناس يتداولون فيما بينهم من المائة الثالثة الهجرية أن الذي جمعه وضمَّ بعضَه إلى بعض هو الإمام المعروف الاسم والنسب والكنية والبلدة والهوية" محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردزبة الجعفي البخاري، أفيكون الناس الذين يعدون بالملايين من زمن الجامع إلى عصرنا هذا على ضلالة والكاتب وحده على الحق المبين؟؟؟

ومن حيث الشرع فإن الله تكفل بحفظ كتابه كما قد ورد في نص الآي، ومن الحفظ له الحفظ لسنة النبي الشارحة للكتاب والمبينة له، ومن الحفظ للسنة تيسير أعلام له حفظوا الحديث نقيا صحيحا. وأما من حيث التاريخ فلقد كان من هؤلاء الذين حفظوا الحديث الذي هو حفظه من حفظ الكتاب- في كل فترة جيل من المميزين، فكان في المائة الثالثة الهجرية منهم رجل نعرف اسمه واسم أبيه ونسبه وولاءه وبلدته ونعرف مشايخه وطلبه لهذا الشأن وجِدَّه فيه وتفرغه له ورحلته فيه، وكتابته له في الأمصار على يد العدول الضابطين الذين خبرهم غيرهم ممن هو أوثق منهم وأجلُّ فوجدوهم من الثقات الذين لا يمكن أن يكذبوا في مطلق الحديث فكيف في الحديث النبوي؟ ثم عرفنا مما جاءتنا به الأخبار التاريخية والأنباء المروية مما لا يكاد يدفعه إلا جاهل بما تثبت به وقائع التاريخ وأخبار الناس أن هذا البخاري قد جمع في الصحيح المفرد كتابا نعته بالجامع الصحيح أو نحو ذلك من النعوت والألقاب، وأن ذلك في مدة ست عشرة سنة أفنى أيامها ولياليها في التحرير والتدقيق والغربلة والتفتيش ووضع شروطا للتصحيح ارتضاها، وخلُص إلى أن ما في كتابه هو الصحيح الذي هداه اجتهاده إلى إثباته وأنه ترك من هذا الضرب الكثير َخشية الطُّول، وأنه ألف بعض ذلك في المدينة النبوية وأنه جلس بعد التأليف في عدة مواضع لسنين عديدة يملي كتابه، فربما حمله تنقيحه وتهذيبه كما قد أكدته الوقائع إلى التغيير والتبديل، وكان لهذا البخاري رواة كثيرون نزلوا على مراتب مختلفة في الأخذ والتحصيل فمنهم طبقة أولى أخذوا عن البخاري مباشرة ومنهم الآخذين عن الطبقة الأولى وهكذا، ولما تعددت من البخاري أزمنة وأوقات الأخذ، وتعدد عنده الآخذون، حصل اختلاف في بعض ما في كتابه، قد أحصاه العلماء إحصاءً، وعدُّوه عداًّ، فما تركوا منه حرفا ولا سطرا، وأجابوا عنه موضعا موضعا، فما غادروا منه موضعا موضعا، فكان بعدُ ماذا؟؟ لقد دلت وقائع التاريخ وأخبار الرواة التي كادت تتواتر على أن الأمة كلها من شرقها وغربها وفي رجالها ونسائها وعلمائها وعوامِّها قد أقبلت على هذا الكتاب رواية ودراية ورحلة وتحصيلا وحيازة ..وبقي الإقبال متسلسلا في الأمة من زمن البخاري إلى زماننا، لا تزداد الأمة على تقادم الزمان وتباعد الأوان إلا إقبالا وعناية بهذا الديوان الجليل والعلق الثمين حتى نبغ فينا من انسلخ من ثقافته وهويته، وضرب عرض الحائط ثوابته، وقال أنا سأوقفكم على نمط في التفكير غريب، ومذهب جديد، ونهج متبع طريف...فقلنا له وما الغرابة والجدة والطرافة؟؟ فقال في ترك القديم والتشكيك في الحديث والضرب للبخاري وكتابه الجليل؟؟ قلنا سبحان الله وهل هناك سبيل غير هذا السبيل؟ قال: لا ...فمن أراد إسلام القرآن كما يقول الكاتب في ص280 فعليه نبذ إسلام الحديث؟؟؟ قلنا سبحان الله وهل الإسلام " إسلامات "؟؟ إسلام قرآن وإسلام حديث وإسلام شرق وإسلام غرب؟؟ أم أن الإسلام واحد لأن الدين عند الإسلام وهو قرآن وسنة وفهم أعطيه رجل لهما ضمن منهج قويم وضابط سليم وهدي صحيح؟؟

وتنتهي المعركة مع كتاب:" صحيح البخاري...نهاية أسطورة" لتستمر مع غيره إلى يوم الدين..والحمد لله ربِّ العالمين وصلَّى الله وسلَّم وبارك على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليما كثيرا..