الحمد لله على توفيقه وتيسيره، والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد وآله وصحبه.
وبعد، فقد يسّر الله لي - بمنّه وكرمه - الإقبالَ - على وهنٍ - على تعلُّمِ كتابه الكريم، وأسأل الله التّوفيق للعلم بالقرآن والعمل به.
ومن عظيم إنعام الله عليّ في هذا أن وفّقني لإكمال مرحلة الإجازة العالية (ماجستير) في تخصُّص التّفسير وعلوم القرآن، وأسأل الله أن يوفّقني لدوام خدمة القرآن وأهله. وكان ذلك وفق ما يلي بيانه.

عنوان الرّسالة: تفسير القرآن بالقرآن في سنّة النّبيّ وآثار الصّحابة، جمعٌ ودراسةٌ من أوّل سورة الفاتحة حتى آخر سورة الأنعام.

نوع الرّسالة: الإجازة العالية (ماجستير).

اسم الباحث وترجمته: عصام بن الصّدّيق بن يعقوب، ليبيّ الجنسيّة، من مواليد عام 1403 بطرابلس، ومن سكّانها، ومعلّمٌ للقرآن الكريم بأحد كتاتيبها، ومتحصّل على الدّرجة الجامعيّة (ليسانس) من الجامعة المفتوحة بليبيا في تخصّص (الدراسات الإسلاميّة) سنة 1432، والحمد لله على توفيقه.

حجم الرّسالة ومعلومات المناقشة:
جاءت الرّسالة كاملة بصفحة الغلاف والمقدّمة والفهارس في ثلاثمائة وتسعة وتسعين (399) صفحة، ولم تُطبع الرّسالة بعد، رغم توصية لجنة المناقشة بطباعتها على نفقة الجامعة.
وكانت المناقشة يوم السّبت 25/ شوّال/ 1437، بجامعة طرابلس بليبيا - فرّج الله كربها -، والرّسالة مسجّلة بقسم الدّراسات الإسلاميّة بكليّة الآداب بالجامعة.
وتشكّلت لجنة المناقشة من الأساتذة الأفاضل:

  1. عبد الدّائم محمّد الباجقنيّ، مقرِّراً.
  2. محمّد حسين القذافيّ، مناقشاً داخليّاً.
  3. أحمد محمّد أبو حجر، مناقشاً خارجيّاً.

وكان المشرف فضيلة الشّيخ أ.د. مصطفى محمّد الباجقني، إلَّا أنّه تُوفّي بعد كتابة التّقرير الختاميّ وقبل المناقشة، وجعل عمله مَكْفَرةً له ورِفعة.

ملخّص الرّسالة:
تقوم فكرة البحث على أن تفسير القرآن بالقرآن إحدى أهمّ طرق التّفسير، ولا يكاد يخلو منها تفسيرُ مفسّر، على اختلاف مناهج المفسّرين ومذاهبهم. وخير من فسّر القرآن بالقرآن النّبيُّ ، ثمّ صحابته الكرام ؛ فجَمْعُ الآثار الواردة عنهم في هذا الباب ودراستُها يمكن أن يرسم المنهج السّويّ لتفسير القرآن بالقرآن، كما يمكن أن يُثمرَ فوائد تأصيليّة في تفسير القرآن الكريم عموماً.
وكان مصدرُ هذه الفكرة ابتداءً بعض الإشارات في كتابات أ.د. مساعد بن سليمان الطّيّار، أطال الله عمره وأدام عليه توفيقه.
وقد شرعتُ في جمع مادّة البحث – وهي الآثار الواردة عن النّبيّ والصّحابة مما تضمّن تفسيراً للقرآن بالقرآن (باعتبار المعني الموسّع لهذا المصطلح) في سور الرّبع الأول من القرآن الكريم – من أعظم مرجعين في التّفسير المسنَد: تفسير الطّبريّ، وتفسير ابن أبي حاتم، بالإضافة إلى كتاب التّفسير من الكتب السّتّة (مع ملاحظة أنّ سنن أبي داود وسننَ ابن ماجه لم يتضمَنا كتاباً للتّفسير)، وقد بلغ مجموع الآثار الدّاخلة في حدّ البحث مائة وسبعة وثمانون أثراً (187)، فقمتُ بتخريجِها، ودراستها، مع محاولة الاهتمام بالجانب التّأصيليّ فيها. والحمدُ لله على ما يسّر ووفّق، وأستغفره لقصوري وتقصيري.

خطّة البحث مختصَرة:
جاء البحث في مقدّمة، وتمهيد، وثلاثة فصول، وخاتمة، وذلك على النحو الآتي:
المقدّمة: خصّصتُها للحديث عن أهميّة الموضوع وسببِ اختياره والخطَّةِ المتبعة في البحث.
التمهيد: تناولتُ فيه بعض المصطلحات والمفاهيم المتعلّقة بتفسير القرآن بالقرآن: تعريفه، وتاريخه، وأهميته، وحجيته، وأبرز وجوهه.
الفصل الأول: جمعتُ فيه تفسير القرآن بالقرآن الواردَ عن النّبيّ وصحابته في تفسير سورتي الفاتحة والبقرة.
الفصل الثّاني: جمعتُ فيه تفسير القرآن بالقرآن الواردَ عن النّبيّ وصحابته في تفسير سورتي آل عمران والنساء.
الفصل الثّالث: جمعتُ فيه تفسير القرآن بالقرآن الواردَ عن النّبيّ وصحابته في تفسير سورتي المائدة والأنعام.
الخاتمة: أوردتُ فيها أهمّ النّتائج التي توصّلتُ إليها من خلال الدّراسة، وأهمَّ التّوصيات التي ظهر لي أنها قد تثري موضوع البحث.
وألحقتُ بالبحث ثلاثة فهارس: فهرساً للآيات المفسَّرة، وفهرساً للأعلام المترجَمين في البحث، وفهرساً للموضوعات.

النّتائج والتّوصيات:
يسَّر لي الله من خلال هذا البحث الوصولَ إلى بعض النّتائج والتّوصيات، يمكن تلخيصُها فيما يلي:
أولاً: نظرة عامة:
  • تفسير القرآن بالقرآن من أهمّ طرق التفسير، وذلك أن أوْلَى مصادر التّفسير التي ينبغي للمجتهد في فهم القرآن الكريم أن يُعمل فيها فِكرَهُ- القرآنُ الكريم نفسه؛ فإنّ المعنى قد يأتي مجمَلاً في آية من القرآن ويأتي تفصيلُه في آية أخرى، وقد تأتي الآية عامَّةً فيأتي تخصيصُها في آية أخرى، أو تأتي مطلقَةً فيأتي تقييدُها في آية أخرى، إلى غير ذلك من أوجُهِ بيان القرآن بالقرآن التي جاء ذكرها في البحث.
  • جاء في حديث النّبيّ وآثار صحابته الكرام ما يدلُّ على أهمّيّة تفسير القرآن بالقرآن، وصحَّةِ الاحتجاج به، وضرورةِ ربط الآيات بعضها ببعض متى أمكن ذلك بوجهٍ صحيح؛ للوقوف على ما دلَّت عليه من معانٍ وأحكام.
  • الأصل صحّةُ الاحتجاج بتفسير القرآن بالقرآن؛ لدلالة القرآن والسنَّة وفِعْلِ الصّحابة على اعتبار الرّبط بين الآيات طريقةً من طرق التّفسير، ورغم هذا فقد وقع شيءٌ من الخطأ في مسائل ذُكرت على أنها تفسيرٌ للقرآن بالقرآن، ومردُّ ذلك إلى خطأ المفسِّر في الرّبط بين الآيات.
  • أكثر الصّحابةِ تفسيراً للقرآن بالقرآن هو عبدُ الله بن عبّاس ، ورغم أنه أكثرُ من رُوي عنه تفسيرُ القرآن عموماً من الصّحابة؛ إلّا أنّ استقلاله بأكثر من ثلثي الآثار الواردة في هذا البحث يُشعر بمزيد اهتمامٍ منه بتفسير القرآن بالقرآن. واهتمامُ ترجمان القرآن بهذه الطّريقة من طرق التّفسير يُكسِبُها أهمّيّة زائدة، ممّا يدفع المفسِّرين والباحثين إلى مزيد من الاهتمام بها.
  • رغم كثرة المرويّ عن ابن عبّاس في تفسير القرآن بالقرآن؛ إلَّا أنّ هذا لا يعني أنّه لم يرد تفسيرٌ للقرآن بالقرآن عن غيره من الصّحابة، بل جاءتْ روايات متنوِّعة عن جمع من الصّحابة، تضمَّنت صوراً مختلفة من تفسير القرآن بالقرآن.

ثانياً: أوجه تفسير القرآن بالقرآن:
  • أوجُهُ تفسير القرآن بالقرآن كثيرة، وقد جمع بعض الباحثين أظْهَرَ هذه الأوجُهِ، وذلك بتتّبُع مسائل تفسير القرآن بالقرآن في كتب التّفسير. وقد جاء في الآثار التّفسيرية الواردة عن النبِيِّ والصّحابة استعمالُ أغلب الأوجُهِ التي نصَّ عليها أهل الاختصاص. وأكثرُ الأوجه دوراناً في تفسير النّبيّ وصحابتِه: بيانُ المجمَل بالمفصَّل، وتخصيصُ العامِّ - ومنه الإنساء -، والنّسخُ، وتأكيدُ معنى آية بأخرى. ولا يعني هذا عدمَ ورود غير هذه الأوجه، فقد جاء عنهم تقييدُ المطلَق، ودرءُ التّعارض المتوهَّم، وترجيحُ أحد المعاني المحتملة للآية لقرينة من القرآن الكريم، ومسائلُ من مبحث (كليّات القرآن الكريم). وبعض هذه الأوجُهِ تدخل في (المعنى الموسَّع لتفسير القرآن بالقرآن) ولا تدخل في (المعنى المطابق لتفسير القرآن بالقرآن). ويمكن أن يُستأنس بتوسُّع الصحابة في الرّبطِ بين الآيات، وعدمِ اقتصارهم على ما كان تفسيراً ظاهراً للقرآن بالقرآن؛ يمكن أن يُستأنس بهذا لاعتبار كلِّ ربطٍ لمفسِّرٍ ما بين آيتين تفسيراً منه للقرآن بالقرآن، بغضِّ النظر عن صحَّة هذا التّفسير أو فساده.
  • ظهر لي وجهٌ يمكن عدُّه تفسيراً للقرآن بالقرآن، جاء استعماله في غير ما أثر ممّا ورد عن الصّحابة، ولم أجد من نصَّ على اعتباره وجهاً لتفسير القرآن بالقرآن، وهو ما كان من تفسير القرآن بالقرآن داخلاً في مبحث (أسباب النّـزول)، وذلك بأن تكون الآية - أو أمرٌ متعلِّقٌ بها - سبباً في نـزول آية أخرى، وقد وردت أمثلة لهذا الوجه من البيان في أثناء البحث.
  • لا يمكن الحكم على وجهٍ ذُكر على أنه أحد أوجُهِ تفسير القرآن بالقرآن؛ لا يمكن الحكم بأنّه لم يأت استعماله في تفسير النّبيّ وصحابته للقرآن بالقرآن إلَّا بعد إكمال الاستقراء إلى آخر القرآن الكريم، إلَّا أنّ بعض الأوجُه التي ذُكرتْ على أنها تفسير للقرآن بالقرآن لم أقف على استعمالٍ لها في حدود هذا البحث. وحتّى لو حُكم بعدمِ استعمالِ وجهٍ ما في الصدر الأول فإنّ هذا لا يعني القطعَ ببطلانه؛ فقد يكون ترْكُ استعمالِه إنّما كان لعدم قيام الدّاعي له، أو لاعتماد هذا الوجه على علمٍ تأخَّر ظهوره عن التّفسير، ومن ذلك مثلاً: قياس إعراب على إعراب، فإنه لا يُتصوَّرُ وروده عن الصحابة، ومع هذا فإنّه لا يُعاب استعمالُه على من بعدهم.

ثالثاً: ضوابط متعلِّقة بتفسير القرآن بالقرآن في سنّة النّبيّ وآثار الصّحابة:
  • ينبغي عند الاستدلال بتفسير القرآن بالقرآن الواردِ عن النّبيّ أو صحابته- ما يجب في كلِّ التفسير الوارد عنهم، أعني التحقُّقَ من صحَّة السّند وثبوتِ الرّواية، فهذا شرطٌ رئيس في التّفسير المنسوب إلى النّبيّ ليكتسب عصمته، وشرطٌ رئيس كذلك في التّفسير المنسوب إلى الصّحابة ليكتسب مكانته. وقد ظهر من خلال البحث تضمُّنُ كتبِ التّفسيرِ المعتبرة كثيراً من الرّوايات التّفسيرية المرفوعة والموقوفة مما لا يصحُّ سنده، وهذا يوجب مزيداً من الاعتناء بهذه القضيّة.
  • اشتراطُ صحَّة الرّواية في تفسير القرآن بالقرآن المأثورِ عن النّبيّ وصحابته- لا يعني لزومَ طرحِ كلِّ ما ورد من طرقٍ ضعيفة وعدمِ الاستفادة منه، فيصحُّ أن يُثبَتَ في التفسير ما لا يَثبُتُ، مع التّنبيه على عدم ثبوته عمَّن نُسب إليه، ويكون حاله كحال اجتهاد مفسِّرٍ ما في تفسير القرآن بالقرآن، يُبحَث فيه من حيث صحَّة النّظر والاجتهاد، ويحتمل القبول والردَّ.
  • إذا ثبت تفسيرٌ لآية ما عن النّبيّ ، سواء كان تفسيراً للقرآن بالقرآن أو بغير ذلك من طرق التّفسير- فإنه حقٌّ لا مرية فيه، ولا يدخل عليه النّظر من حيث القبول أو الرّدّ، كلّا، بل ما فسَّر به النّبيُّ الآيةَ هو المرادُ منها قطعاً، ويُطرح كلُّ ما خالفه، وهذا من لوازم الشهادة بصدق رسالته .
  • الصّحابة تلاميذ مدرسة النّبوّة؛ فهم أجدر النّاس بالاجتهاد في تفسير القرآن، وأعلمُ النّاس بالطرق المستقيمة لإدراك مراد الله ؛ فمشاهدتُهم التّنـزيلَ، وتلقِّيهم العلم - ومنه تفسيرُ القرآن - عن النّبيّ - يُكسِب تفسيرَهم منـزلة رفيعة لا يشاركُهم فيها غيرُهم. ومع هذا فالعصمةُ خصوصيّةٌ اختصَّ الله بها أنبياءه من بين بني آدم، فقد يقع الخطأ في اجتهاد الصّحابيّ في تفسير آية ما، إلّا أنّ الصّواب غالبٌ على تفاسير الصّحابة، مع القطع بصحَّة ما أجمعوا عليه من التّفسير.
  • من تفسير الصّحابة ما يأخذ حكم المرفوع، كما لو كان إخباراً عن سبب نزول آية ما، إلَّا أنّ هذا لا يعني اعتبارَه من التّفسير النبويِّ للقرآن؛ لأنه صدر عن أحد الصّحابة لا عن رسول الله ، وإنّما استفاد بحكم الرّفع العصمةَ التي تخرج به عن حيّز الاجتهاد الذي يقبل التّصويب أو التّخطئة.
  • وقع شيء من الخلاف في الآثار الثّابتة عن الصّحابة في مسائل من تفسير القرآن بالقرآن، إلَّا أنه يرجع - فيما وقفتُ عليه - إلى خلاف التّنوع، ويمكن الجمعُ بين أقوالهم التّفسيرية بلا تكلُّف.

رابعاً: نقاط تأصيليّة حول تفسير القرآن بالقرآن:
جاء في مواضع من البحث نقدُ التّقسيم السّائد لطرق التفسير، ذلك التّقسيمُ الذي يقضي بأن للتّفسير طريقين: التّفسيرِ بالمأثور، والتّفسيرِ بالرّأي. وهذا التّقسيم لا إشكال فيه في نفسه، إنّما محلّ الإشكال فيما رُتِّب عليه مِن جَعْلِ ما اصطُلح عليه بأنه (تفسير بالمأثور) صواباً بأجمعه، رغم أنّ كثيراً منه يدخله الاجتهاد والنّظر، ويحصل فيه الاختلاف الذي يستلزم الترجيح.
جَعْلُ تفسير القرآن بالقرآن قسيماً لتفسير القرآن بالسّنّة وتفسيرِ القرآن بأقوال الصّحابة- لا يستقيم في نظري؛ وذلك أنّ بينه وبينهما تداخلاً: فمن تفسير القرآن بالقرآن ما هو تفسيرٌ نبويٌّ، ومنه ما هو تفسيرٌ للصّحابة، ومنه ما هو غير ذلك. ومن التّفسير النّبويّ ما هو تفسير للقرآن بالقرآن، ومنه ما هو غير ذلك، وكذا تفسير الصّحابة. وهذا التّداخل يجعل الحكم على تفسير القرآن بالقرآن متغيِّراً: فهو صوابٌ إذا كان تفسيراً نبويّاً ثابتاً، ويغلب على الظنّ صوابه إذا كان تفسيراً ثابتاً عن الصّحابة، ويكون محلَّ نظرٍ وبحثٍ إذا لم يكن كذلك، وقد يُطرح إذا خالف ما هو أرجح منه.
أقترح في هذا الصّدد تقسيماً لا ينبني الاصطلاحُ فيه على أساس الأثر والرّأي، وإنما ينبني الاصطلاح فيه على الثّمرة المترتِّبةِ على كون التّفسير تفسيراً بالأثر أو بالرّأي، وهي العصمة وعدمُها، ويمكن - فيما يبدو لي - أن يُقال: التفسير قسمان: تفسيرٌ قطعيٌّ، وتفسير ظنّـيٌّ. فيدخل في التّفسير القطعيّ أمور أربعة: التّفسير الصريح للقرآن بالقرآن، والتّفسير النّبويّ الثابت، والتّفسير المأخوذ من صحيح أسباب النّـزول، وما أجمع عليه الصّحابة من التفسير. ويدخل في التّفسير الظّنّـيِّ ما عدا ذلك، ومنه: التّفسير الاجتهاديّ للقرآن بالقرآن، والتّفسير الاجتهاديّ للقرآن بالسنَّة، وتفسير الصّحابة الّذي لم يُجمعوا عليه، والتّفسير اللغوي، وغير ذلك من وسائل التفسير. ولا شكَّ أنّ هذا التّفسير الظّنّـيَّ على مراتب، فيغلب على الظّنّ صحّة اجتهاد الصّحابيِّ في تفسير القرآن الكريم، كما أن تفسير القرآن بالقرآن أحسنُ طرق الاجتهاد في تفسير القرآن الكريم. وتبقى مسائل تتعلَّق بهذا التّقسيم تحتاج إلى شيء من التّحرير، مثلاً: تفسيرُ الصّحابي الواحد الّذي لم يوجد له مخالف من الصّحابة، ولكن خالفه جمعٌ من التّابعين: هل يُعدُّ تفسيره إجماعاً سكوتيّاً للصحابة فيُحكم له بالعصمة؟ وتفسير التّابعين: هل يأخذ منـزلة خاصَّةً باعتبارهم تلاميذَ الصّحابة؟ إلى غير ذلك من تساؤلات قد تَرِد على الذّهن عند إيراد مثل هذا التّقسيم، وهي تحتاج إلى بحوث استقرائيّة لتفاسير الصّحابة والتّابعين، ونظرٍ في اجتهاداتهم ووسائلهم، ومدى وقوع اختلافٍ حقيقيّ فيها؛ ليُتوصَّل من خلال هذا الاستقراء والنّظر إلى وضع أصول راسخةٍ لهذا العلم الشّريف.
خامساً: التوصيات:
  • أوَّلُ ما أوصي به في هذا الصّدد: استكمالُ هذا المشروع، والعملُ على جمعِ تفسير القرآن بالقرآن في سنَّة النّبيّ وآثار الصّحابة في بقيّة سور القرآن الكريم؛ لتتحقّق من خلال هذا الجمع النّتيجة المرجعيّة التّأصيليّة المرجوّة.
  • أوصي كذلك بجمع تفسير القرآن بالقرآن عند التّابعين وأتباعهم، لا سيما الْمُكثِرين منهم من تفسير القرآن بالقرآن. وخلال جمعي لمادّة هذا البحث من مصادر التّفسير لاحظتُ أنّ أكثر التّابعين تفسيراً للقرآن بالقرآن قتادةُ بن دعامة، وأكثرَ أتباع التّابعين تفسيراً للقرآن بالقرآن عبدُ الرّحمن بن زيد بن أسلم، ويمكن أن يُشكِّل التّراث التّفسيريّ لهذين العلمين مادَّة غنيَّة لمجموعة من البحوث العلميّة.
  • أوصي بدراسة مناهج أعلام المفسِّرين في تفسير القرآن بالقرآن، لا سيما المتقدِّمين منهم. وقد لاحظتُ أثناء جمع المادّة العلميّة وجودَ كمِّ هائل من الاجتهادات التّفسيريّة للإمام الطّبريّ في تفسيره (جامع البيان)، وهي متنوِّعةٌ غاية التّنوّع من حيث استخدام أوجُهِ تفسير القرآن بالقرآن، ويمكن أن تُشكل مادَّة علميّة قيِّمةً لمجموعة من البحوث.
  • أوصي بعقد مؤتمرات وندوات حول تفسير القرآن بالقرآن، وعلاقةِ هذه الطّريقة بغيرها من طرق التفسير؛ ليُتمكَّن من خلال هذه المؤتمرات والنّدوات من الوصول إلى الاتّفاق على اصطلاحات محدَّدة، وتقاسيمَ دقيقة؛ تكون مرجعاً تأصيليّاً للباحثين في التّفسير وعلوم القرآن.


واللهَ أسأل أن يباركَ هذا العمل، وأن يوفِّق لإكماله، وأن ينفع به ويجعلَه خالصاً لوجهه الكريم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه: أبو مالك عصام بن الصّدّيق بن يعقوب
صبيحة الأربعاء 25/ ذي الحجة/ 1439
طرابلس، ليبيا.