إنَّ الحمد لله تعالى، حمدًا يليق بجلال وجهه، وعظيم سلطانه، نحمده سبحانه بمحامد أوليائه وأصفيائه، ونثني عليه الخير كلَّه، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، ونشهدُ أن لا إله إلا الله؛ بما شهد به لنفسه، وما شهد به الملائكة وأولو العلم، قائمٌ بالقسطِ، لا إله إلا هو العزيز الحكيم. وأصلِّي وأسلِّم على المرسل رحمةً للعالمين، خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وشفيع الأمة يوم الدين، صلاةً وسلامًا عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد؛
فقد تواردَ كثيرٌ من العلماء الذين تكلموا في الأسماء الحسنى تقعيدًا وإحصاءً وشرحًا؛ تواردوا على قاعدة الأسماء المزدوجة، وهي عندهم أسماء الله تعالى الدالّة على أفعال متقابلة؛ كالضارّ النافع، المذل المعز، القابض الباسط، المؤخر المقدم.. ونحو ذلك، وقالوا: إنَّه لا يجوز أن يُفرد أحدها في الذكر دون الآخر؛ على اختلافٍ بينهم في التطبيق في أمورٍ وتفاصيلَ.
ولـمَّا كانت هذه القاعدة متعارضة مع حقيقة أنَّ أسماء الله تعالى حسنى كلها، بأيَّها دعوتَ فقد دعوتَ بالاسم الأحسنِ، كما دلَّ عليه قوله تعالى:(قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) [الإسراء: 110]؛ فقد أجلتُ النَّظر فيها مليًّا، وأعملتُ الفكر فيها طويلًا، حتَّى وصلتُ إلى قناعة ببطلانها، ولكن كان يدفعني إلى التروِّي أمران؛ الأول: خطورة موضوعها؛ إذ إنَّها تتعلق بأشرف أبواب الدين، وأعظم مسائل التوحيد: الأسماء والصفات، والخطأ في هذا الباب ليس كالخطأ في غيره. والأمر الثاني: أنَّ من القائلين بها أئمة كبارًا أجلّاءَ، ولا يسع العاقل إلا التريث والتمُّهل قبل التصريح بخطئهم.
ثم حملني على مواصلة البحث أمور؛ الأول: أنَّ شرف المسألة وشرف موضوعها قاضٍ بأنَّ إعمال الفكر فيها أولى، وتجلية الحقِّ فيها أجدر، فإن كنتُ مخطئًا صحَّحتُ اعتقادي ونقلتُه من طور الاعتقاد عن تقليد إلى طور الاعتقاد عن تمحيصٍ وتفنيدٍ، ولا جرم أنَّ بين المقامين بونًا شاسعًا، وكَونًا واسعًا. والثاني: أنَّ الحقَّ لا يعرف بالرجال وإنما يُعرف بالدليل والاستدلال، والثالث: أنّي لـمَّا طرحتُ الفكرة على كثيرٍ من مشايخي وإخواني من طلبة العلم ممن أثق بجودة نظرهم وجدتُّ منهم اقتناعًا وتشجيعًا؛ مما حملني على إتمامها بالصورة التي هي عليها الآن. ولعلَّ المذاكرة والأخذَ والردَّ ينقحها ويهذبها، ويضيف إليها مزيدًا من قوة الحجة، ووضوح البرهان، وإن كانت الأخرى؛ بأن أُرشدتُّ إلى خطئي فيما ذهبتُ إليه، ووهمي فيما رأيتُ؛ فقد استفدتُّ خيرًا كثيرًا، ومَردًّا إلى الحقِّ جميلًا.
وإنِّي مُستنصحٌ كلَّ أخٍ وقف عليها، إن رأى فيها صوابًا نشره ودعا لي بظهر الغيب أن ينفعني الله والمسلمين به، وإن رأى فيها زللًا أو خطأ أو سهوًا أن يُحسن الظنَّ بكاتبه، وأن يراسلني بشأنه إن استطاع إلى ذلك سبيلًا.
والله أسأل أن يكتب لي الأجرينِ، وأن يغفر لي تقصيري، وأن يُهيئ لي من أمري رشدًا، وأن يجعل الحقَّ غايتي، وأن يجعلني مما يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يشرح للحق وبالحقِّ صدري، وصلِّ اللهم على النبيِّ وآله وأصحابه أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
حمل البحث كاملًا من هنا
قاعدة أسماء الله المزدوجة تحقيق ونقد.