هذا أدب فيه من الفوائد الكثير ، ففي صحيح مسلم عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللهِ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلاَثًا ، وَيَقُولُ : " إِنَّهُ أَرْوَى ، وَأَبْرَأُ ، وَأَمْرَأُ " ؛ قَالَ أَنَسٌ : فَأَنَا أَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلاَثًا [1] ؛ وأروى : من الري ، أي : أكثر ريًّا ؛ وأبرأ ، أي : أبرأ من ألم العطش ، وقيل : أبرأ ، أي : أسلم من مرض أو أذى يحصل بسبب الشرب في نفسٍ واحد ؛ ومعنى أمرأ ، أي : أجمل انسياغًا .

قال ابن القيم - : الشراب في لسان الشارع وحملة الشرع هو الماء ، ومعنى تنفسه في الشراب : إبانته القدح عن فيه ، وتنفسه خارجه ، ثم يعود إلى الشراب ، كما جاء مصرحًا به في الحديث الآخر : " إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في القدح ، ولكن ليبن الإناء عن فيه " [2] ؛ وفي هذا الشرب حكم جمة ، وفوائد مهمة ، وقد نبه على مجامعها بقوله : " إِنَّهُ أَرْوَى ، وَأَبْرَأُ ، وَأَمْرَأُ " ، فأروى : أشدُّ ريًّا وأبلغه وأنفعه ، وأبرأ : أفعل من البرء ، وهو الشفاء ، أي : يبرئ من شدة العطش ودائه ، لتردده على المعدة الملتهبة دفعات ، فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه ، والثالثة ما عجزت الثانية عنه ؛ وأيضًا فإنه أسلم لحرارة المعدة ، وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة ، ونهلة واحدة ؛ وأيضًا فإنه لا يروي لمصادفته لحرارة العطش لحظة ثم يقلع عنها ولما تكسر سورتها وحدتها ، وإن انكسرت لم تبطل بالكلية ، بخلاف كسرها على التمهل والتدريج ؛ وأيضًا فإنه أسلم عاقبة ، وآمن غائلة ، من تناول جميع ما يروي دفعة واحدة ، فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية بشدة برده ، وكثرة كميته ، أو يضعفها ، فيؤدي ذلك إلى فساد مزاج المعدة والكبد ، وإلى أمراض رديئة ، خصوصًا في سكان البلاد الحارة كالحجاز واليمن ونحوهما ، أو في الأزمنة الحارة ، كشدة الصيف ؛ فإن الشرب وهلة واحدة مخوف عليهم جدًّا ، فإن الحار الغريزي ضعيف في بواطن أهلها ، وفي تلك الأزمنة الحارة .

وقوله : " وَأَمْرَأُ " هو أفعل من مريء الطعام والشراب في بدنه إذا دخله وخالطه بسهولة ولذة ونفع ، ومنه : فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [ النساء : 4 ] ، هنيئا في عاقبته ، مريئا في مذاقه ؛ وقيل : معناه أنه أسرع انحدارًا عن المريء لسهولته وخفته عليه ، بخلاف الكثير فإنه لا يسهل على المريء انحداره .

ومن آفات الشرب نهلة واحدة أنه يخاف منه الشرق ، بأن ينسد مجرى الشراب لكثرة الوارد عليه ، فيغص به ، فإذا تنفس رويدًا ثم شرب أمن من ذلك .

ومن فوائده : أن الشارب إذا شرب أول مرة تصاعد البخار الدخاني الحار الذي كان على القلب والكبد ، لورود الماء البارد عليه ، فأخرجته الطبيعة عنها ، فإذا شرب مرة واحدة ، اتفق نزول الماء البارد وصعود البخار فيتدافعان ويتعالجان ، ومن ذلك يحدث الشرق والغصة ، ولا يتهنأ الشارب بالماء ، ولا يمرئه ، ولا يتم ريه ، وقد روى عبد الله بن المبارك والبيهقي وغيرهما عن النبي : " إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمُصَّ مَصًّا ، وَلاَ يَعُبَّ عَبًّا ، فَإِنَّ الْكُبَادَ مِنَ الْعَبِّ " [3] ؛ والكباد ( بضم الكاف وتخفيف الباء ) هو وجع الكبد ، وقد علم بالتجربة أن ورود الماء جملة واحدة على الكبد يؤلمها ويضعف حرارتها ؛ وسبب ذلك المضادة التي بين حرارتها وبين ما ورد عليها من كيفية المبرود وكميته ، ولو ورد بالتدريج شيئًا فشيئًا لم يضاد حرارتها ، ولم يضعفها ، وهذا مثاله صب الماء البارد على القدر وهي تفور ، لا يضرها صبه قليلًا قليلا ، وقد روى الترمذي في جامعه عنه : " لَا تَشْرَبُوا وَاحِدًا كَشُرْبِ الْبَعِيرِ ، وَلَكِنْ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلَاثَ ، وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ ، وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ " [4] .

وروى الترمذي والحاكم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ نَهَى عَنْ النَّفْخِ فِي الشُّرْبِ ، فَقَالَ رَجُلٌ : الْقَذَاةُ أَرَاهَا فِي الْإِنَاءِ ! قَالَ : " أَهْرِقْهَا " ، قَالَ : فَإِنِّي لَا أُرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ ، قَالَ : " فَأَبِنْ الْقَدَحَ إِذَنْ عَنْ فِيكَ " [5] .

قال ابن تيمية – – تعليقًا على حديث أبي سعيد : فَلَمْ يَنْهَ النَّبِيُّ عَنْ الشُّرْبِ بِنَفَسِ وَاحِدٍ ؛ وَلَكِنْ لَمَّا قَالَ لَهُ الرَّجُلُ : إنِّي لَا أُرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ ، قَـالَ : " أَبِنْ الْقَدَحَ عَنْ فِيك " أَيْ : لِتَتَنَفَّسْ إذَا احْتَجْت إلَى النَّفَسِ خَارِجَ الْإِنَاءِ ؛ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَوْ رُوِيَ فِي نَفَسٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى النَّفَسِ جَازَ ؛ وَمَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ الْأَئِمَّةِ أَوْجَبَ التَّنَفُّسَ وَحَرَّمَ الشُّرْبَ بِنَفَسِ وَاحِدٍ ؛ وَفِعْلُهُ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، كَمَا كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنَ فِي تَنَعُّلِهِ ، وَتَرَجُّلِهِ ، وَطَهُورِهِ ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ ؛ وَلَوْ بَدَأَ فِي الطِّهَارَةِ بِمَيَاسِرِهِ قَبْلَ مَيَامِنِهِ كَانَ تَارِكًا لِلِاخْتِيَارِ ، وَكَانَ وُضُوءُهُ صَحِيحًا مِنْ غَيْرِ نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ [6] .

قلت : في مصنف ابن أبي شيبة عن ميمون بن مهران قال : رآني عمر بن عبد العزيز وأنا أشرب ، فجعلت أقطع شرابي وأتنفس ، فقال : إنما هي أن تتنفس في الإناء ، فإذا لم تتنفس في الإناء فاشربه إن شئت بنفس واحد [7] . قال الحافظ في ( الفتح ) : و هو تفصيل حسن ، وقد ورد الأمر بالشرب بنفس واحد من حديث أبي قتادة مرفوعًا ؛ أخرجه الحاكم ، و هو محمول على التفصيل المذكور [8] .

قلت : الحديث المشار إليه ، رواه الحاكم من حديث أبي قتادة مرفوعًا : " إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَشْرَبْ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ " [9] .

وجواز الشرب بنفسٍ واحد ، لا ينافي أن السنة أن يشرب بثلاثة أنفاس ، فكلاهما جائز ، لكن الثاني أفضل لحديث أنسٍ المتقدم : كَانَ رَسُولُ اللهِ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلاَثًا ، وَيَقُولُ : " إِنَّهُ أَرْوَى ، وَأَبْرَأُ ، وَأَمْرَأُ " ؛ والعلم عند الله تعالى .

------------------------------------------------------

[1] مسلم ( 2028 ) ، ورواه البخاري ( 5308 ) مختصرًا .

[2] - رواه ابن ماجة ( 3427 ) عَن أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الْإِنَاءِ ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيُنَحِّ الْإِنَاءَ ، ثُمَّ لِيَعُدْ إِنْ كَانَ يُرِيدُ " ، وإسناده صحيح .

[3] البيهقي في ( السنن الكبرى ) : 7 / 284 ( 14436 ) مرسلا .

[4] انظر ( زاد المعاد ) : 4 / 210 ؛ وحديث الترمذي رواه ( 1885 ) عن ابن عباس ، وفي سنده : يزيد بن سنان ، أبو فروة الرهاوي ، وهو ضعيف ، وشيخه فيه مجهول ، فالحديث ضعيف .

[5] الترمذي ( 1887 ) وصححه ، والحاكم ( 7208 ) ، وصححه ووافقه الذهبي

[6] انظر ( مجموع الفتاوى ) : 32 / 209 .

[7] ابن أبي شيبة ( 24165 ) ، ونقل جواز الشرب بنفس واحد عن ابن المسيب ( 24164 ) ، وعطاء ( 24163 ) .

[8] انظر ( فتح الباري ) : 10 / 95 ، 96 .

[9] الحاكم ( 7207 ) وصححه على شرطهما .