قال الله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا . ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (مريم : 71، 72).

اختلف في الورود : فقيل هو الدخول ، ومنه قوله تعالى في حق فرعون : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (هود : 98) ، وقوله تعالى : وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (مريم: 86) ، فورود هؤلاء يعني دخولهم جهنم ؛ وإلى هذا ذهب ابن عباس وجابر وعبد الله بن رواحة وغيرهم ؛ وقالوا : إنها تكون على المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم ؛ فروى أحمد وعبد بن حميد عن أبي سمينة قال : اختلفنا ها هنا في الورود ، فقال بعضنا : لا يدخلها مؤمن ، وقال بعضهم : يدخلونها جميعًا ، ثم ينجي الله الذين اتقوا ، فلقيت جابر بن عبد الله ، فقلت : إنا اختلفنا ها هنا في ذلك ، فقال بعضنا : لا يدخلها مؤمن ، وقال بعضنا : يدخلونها جميعًا ، فأهوى بأصبعيه إلى أذنيه ، وقال : صُمَّتا ، إن لم أكن سمعت رسول الله يقول : " الورود الدخول ، لا يبقى بَرٌّ ولا فاجر إلا دخلها ، فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم ، حتى إن للنار - أو قال لجهنم - ضجيجًا من بردهم ، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين " .

وقيل : الورود القيام حول النار ، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم ، ومعنى الورود على ذلك : الوصول عندها والوقوف عليها ، ومنه قوله تعالى: وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَن (القصص:23)، وإلى هذا ذهب ابن مسعود وغيره .

روى الترمذي وأبو يعلى بإسناد حسن والحاكم وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي عن السدي قال : سألت مرة الهمداني عن قول الله : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا فحدثني أن عبد الله بن مسعود حدثهم عن رسول الله قال : " يرد الناس النار ، ثم يصدرون بأعمالهم ؛ فأولهم كلمع البرق ، ثم كمر الريح ، ثم كحضر الفرس ، ثم كالراكب ، ثم كشد الرحال ، ثم كمشيهم " .

وروى الحاكم وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي عن ابن مسعود وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا قال: الصراط على جهنم مثل حد السيف ، فتمر الطائفة الأولى كالبرق ، والثانية كالريح ، والثالثة كأجود الخيل ، والرابعة كأجود الإبل والبهائم ، ثم يمرون ، والملائكة تقول : رب سلِّم سَلِّم . وأحاديث المرور على الصراط كثيرة .

وهنا قول ثالث ، هو أن الورود للكافرين والعصاة بمعنى الدخول ، وأما للمؤمنين فهو بمعنى المرور على الصراط ؛ قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وهو يجمع بين القولين .

وروى أحمد وابن ماجة عن أبي سعيد قال : قال رسول الله : " يُوضَعُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ ، عَلَى حَسَكٍ كَحَسَكِ السَّعْدَانِ ، ثُمَّ يَسْتَجِيزُ النَّاسُ ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ ، وَمَخْدُوجٌ بِهِ ثُمَّ نَاجٍ ، وَمُحْتَبَسٌ بِهِ ، وَمَنْكُوسٌ فِيهَا ".

وروى أحمد وابن أبي عاصم في السنة عن أبي بكرة عن النبي قال : " يُحْمَلُ النَّاسُ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَتَقَادَعُ بِهِمْ جَنَبَةُ الصِّرَاطِ تَقَادُعَ الْفَرَاشِ فِي النَّارِ " قَالَ : " فَيُنْجِي اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ " ، قَالَ : " ثُمَّ يُؤْذَنُ لِلْمَلائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ أَنْ يَشْفَعُوا ، فَيَشْفَعُونَ وَيُخْرِجُونَ ، وَيَشْفَعُونَ وَيُخْرِجُونَ ، وَيَشْفَعُونَ وَيُخْرِجُونَ " وَزَادَ عَفَّانُ مَرَّةً ، فَقَالَ – أَيْضًا : " وَيَشْفَعُونَ وَيُخْرِجُونَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ ذَرَّةً مِنْ إِيمَانٍ " ورواه الطبراني في الصغير والكبير والبزار بنحوه.

وروى أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة عن عائشة - - قالت: سألت رسول الله : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ (إبراهيم: 48)، فأين تكون الناس يومئذ ؟ قال : " على الصراط" .

وروى أحمد أبو يعلى وابن حبان بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري عن النبي قال : " يُعْرَضُ النَّاسُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ ، وَعَلَيْهِ حَسَكٌ وَكَلالِيبُ وَخَطَاطِيفُ تَخْطَفُ النَّاسَ " ، قَالَ : " فَيَمُرُّ النَّاسُ مِثْلَ الْبَرْقِ ، وَآخَرُونَ مِثْلَ الرِّيحِ ، وَآخَرُونَ مِثْلَ الْفَرَسِ الْمُجِدِّ ، وَآخَرُونَ يَسْعَوْنَ سَعْيًا ، وَآخَرُونَ يَمْشُونَ مَشْيًا ، وَآخَرُونَ يَحْبُونَ حَبْوًا ، وَآخَرُونَ يَزْحَفُونَ زَحْفًا ، فَأَمَّا أَهْلُ النَّارِ فَلا يَمُوتُونَ وَلا يَحْيَوْنَ ؛ وَأَمَّا نَاسٌ فَيُؤْخَذُونَ بِذُنُوبِهِمْ ، فَيُحْرَقُونَ فَيَكُونُونَ فَحْمًا ، ثُمَّ يَأْذَنُ اللَّهُ فِي الشَّفَاعَةِ .." الحديث .

إن الخطب عظيم ، والموقف مهيب ، والكل يخرصه الهول ، ويذهله شدة الأمر ، ولا يتكلم إلا الرسل، يقولون:" اللهم سلِّم ، سلِّم ".