اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5) (سورة العلق 1 - 5)
كنت أفكر في أخلاق العلم وأهله، ثم بدر لي أول ما نزل من القرآن، الآيات الأُوَل من سورة العلق، التي أكثَرُ ما تُذكَرُ في معرض الاستدلال على تكريم القرآن والإسلام للعلم حتى جعل أوَّل كلمة تهبط في الوحي اقْرَأْ.
ثم تأملتُ رافدَي العلم في كل دين أو حضارة، وهما القراءة والكتابة، فوجدتهما يحصرانِ بينهما في تلك الآيات الخمس من المعاني الجليلة ما يعظم عن الوصفِ.
القراءة:اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ (1)
والكتابة: الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)
وبينهما: الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3).
لنَرَ الكرمَ الذي أثبته الله لنفسه الكريمة، ولمخلوقه الإنسان الكريم بخلق الله له وتربيته وتعليمه.
إن كرُمْتَ أيها الإنسان بحسن الخَلْق والخُلُق والعقلِ والعلم، فأنت كريمٌ، وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ.
وإنْ كانَ دأْبُك أن تكرمَ سواكَ من فضلك وجودكَ، فأنت كريمٌ، وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ.

العلم والكرَم:
لا تأتي بابًا من أبواب العقيدة أو الأخلاق أو المعاملات إلا أصابَ الكرمُ فيه بسهمٍ، وزَيَّنه بزينته؛ وما بَعُدَ امرؤٌ عن الكرمِ إلا دُنِّسَ بفضائع الشمائل وسقطت كرامته.
والأشياء تُعرفُ بأضدادها، ومن أضداد الكرم البخل واللؤم، واللؤم يترقَّى فينحدرُ ذووهُ إلى مسمَّياتٍ شتى، كمَا يترقَّى الكرمُ بأهلهِ إلى الدَّرجات العلا:
فاللُّؤم مع الله يُسمى كفرًا، والكَرَمُ مع الله يسمى إيمانًا.
واللُّؤم مع الوالدَيْن يُسمى عقوقًا، والكَرَمُ مع الوالدَيْن يسمى إحسانًا.
واللُّؤم مع الأنبياء يُسمى تكذِيبًا وجهالة، والكَرَمُ مع الأنبياء يسمى تصديقًا وتسليمًا وعلمًا.
واللُّؤم مع العلماء يُسمى كِبْرًا، والكَرَمُ مع العُلماءِ يسمى تواضُعًا وإكبارًا.
واللُّؤم مع الناس والعوام يبقَى لؤْمًا، والكَرَمُ معهم يبقَى كَرَمًا.
إذا أنتَ أكْرَمتَ الكَريمَ مَلَكْتَهُ * وَإنْ أنْتَ أكْرَمتَ اللّئيمَ تَمَرّدَا

واتفقَ أنَّ بداية تفكيري في الموضوعِ هوَ ما نعانيه في أُمَّة الإسلام من إذلال العلم وأهلهِ، وتسلط الرِّعَاعِ وسلاطة ألسنتهم فيهمْ،وليس لهم من سلطانٍ حامٍ إلا الله؛ فاستيقنتُ أكثرَ أننا بحاجة إلى تثبيت أخلاق حملة العلم والتأدُّب بمحاسن الأخلاق قبْلَ ملء الصُّدور بالمتونِ وحَشوِ العقول بصنوف الفنون والعلوم.
ومنْ أوجب تلك الأخلاقِ ما سبَقَنا فيه أهل الكفرِ اليومَ بينهمْ، بعدَ إجلالِ العلماء؛ بصيانة الملكيَّة الفكريَّة، والتورُّعُ عن تحمُّلِ أفكارِ الغيرِ جهْلًا بحقيقة أنَّ تبعاتِ انتحاله أثقَلُ من تشريفه.
وكما يقال فإن بَركةَ العلم ونماءَهُ في تعليمهِ؛ وكذا فإنَّ عِزَّ أهله في عزوهِ لأهله.
ثُمَّ إنَّ هذا الزمَنَ الأرعنَ أكثرُ من فيه كشفَ عن موجباتِ صيانةِ العلمِ بالحكمةِ، ولذا:
تجَنَّبْ أن تَبُثَّ علمًا يثير في أهل الإيمان فتنةً وشقَاقًا.
وتجَنَّبْ أن تَبُثَّ علمًا في الأعراب الأشدِّ كُفْرًا ونفاقًا.
وَوَضْعُ النّدى في موْضعِ السّيفِ بالعلى * مضرٌّ كوضْع السيفِ في موضع النّدى

ما استفدتُ من شيخي أبي عبد الله الجيلالي حفظه الله إثر عرْضةٍ كاملة لكتاب الله، كما استفدتُ منهُ باستشهاده يومًا بقوله سبحانه: وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ (البقرة 282).