سألني: كم عمرك؟
قلت: ثلاث وخمسون.
قال: أوشكتَ.
قلت: كلنا أوشك، فالموت أقرب للمرء -كبيرا وصغيرا- من شِراك نعله.
قال: صدقتَ، لكن الموت لمثك أقرب.
قلت: ليس هكذا، ولكن قل: خمسون سنة فأكثر يجب أن تذكر المرء بقرب أجَله.
قال: ما ظنك، أمِن أهل الجنة أنت أم مِن أهل النار؟
قلت: ظني بنفسي أني إن لم تدركني رحمة ربي فإني من أهل النار.
قال: أحسن الظن بالله.
قلت: أما ظني بربي فإنه رحمن رحيم عفو غفور كريم، وأما ظني بنفسي فإنها ليست جديرة بذلك.
قال: لو صدق حسن ظنك بالله لظننتَ أن رحمته ستشملك!
قلت: هذا من الاغترار والأماني!
قال: كيف ذلك؟!
قلت: عن النبي قَالَ: "الكَيِّس مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِما بَعْدَ الْموْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَه هَواهَا، وتمَنَّى عَلَى اللَّه الأماني"
قال: إن الحسنات يذهبن السيئات.
قلت: نرجو الله أن يقبل منا صالح الأعمال، ويتجاوز عن سيئها.
قال: هل تشك في قبول أعمالنا الصالحة؟!
قلت: لا، ولكني أخشى أن تحبط بعجب يحُفُّها.
قال: هل تَعُد فرح المؤمن بطاعة أداها لله مِن العجب؟!
قلت: لا ، لكن الفرح بالطاعة يفصله عن العجب بها شعرة، فعل تأمن ألا تنقطع تلك الشعرة؟!
أضف إلى ذلك أن الرضا عن النفس أخو العجب بالنفس أخو الغرور؛ إذ كيف يرضى المؤمن عن نفسه وهي جديرة باللوم والتعنيف بل والعقاب؟!
قال: كل إنسان يحب نفسه؛ هذه فطرة، فما المشكلة في حب النفس؟!
قلت: نعم حب النفس فطرة إنسانية، لكن الإيمان لا يكمل إلا أن يحب المؤمن لغيره ما يحب لنفسه، فحب النفس لا يعني الأنانية ولا يعني تقديس الذات.
قال: أليس كلامك هذا فلسفة؟! وأنت تزعم أنك تكره الفلسفة!
قلت: هل يوجد في كلامي شيء معقد غير مفهوم؟!
قال: لا.
قلت: فأين الفلسفة إذن؟!
الفلسفة تعقيد السهل اليسير، وتغميض الواضح القريب، وتلبيس على العقول،
فهل وجدتَ شيئا مِن ذلك في كلامي؟!
فنظر إليَّ نظرة صامتة تَنُمُّ عن عدم رضا ثم سَلَّمَ وانصرف.
د. محمد الجبالي