سورة القمر من أشد سور القرآن أخذا لقلبي، يأخذني النظم فيها أخذا، فحين أمُرُّ بهذه السورة أجد في نفسي رَغْبَةً مُلِحَةً تشدني لقراءتها مرة أخرى، وكثيرا ما أعود فأقرأها ثانية.
منذ زمن وأنا أريد أن أكتب خواطري التي تجيش بصدري حين أَمُرُّ بهذه السورة ثم أجِدُ نفسي عاجزا عن أكتب فأتوقف، رغم وقع المعاني الرهيب في السورة إلا أن النظم في السورة يفعل بقلبي ما لا تفعله المعاني.


إن الفاصلة هي أول شيء يَلْفِتُ نظرَ قارئ سورة القمر، فواصل السورة قصيرة النفس، سريعة، قاطعةكأنها طرقة قوية شديدة تضرب القلب ضربا، وتدقه دقا.


بدأت السورة فأطلقت طلقة مُرْعِبَة اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ثم أَخَذَتْ تُرسل طلقاتٍ مُتَتَابِعَة وتَطرق القلوب بطرقات شديدة مُتَسَارَعَة، وتَدُقُ الصدور بمطارق تنزل عليها هاوِيَة، الطلقات تَتَسَارَعَ، والطَّرَقَاتُ تَتَتَابَعُ، والْمَطَارِقُ تَهْوِي سِراعا، ذلك مِن أول لفظة في السورة إلى ما قبل آخرها بآيتين، ثم تأتي الخاتمة آيتين بَرْدًا وسلاما على فريق من الناس هم المؤمنون، وحَسْرَةً وكَمَدًا وأَلَمًا على فريق آخر هم الفاسقون الكافرون.


عجيب حرف الراء في آخر الفاصلة في الآيات، إنه حرف مِن حروف الرخاوة، فكيف ناسب الراء هذه الشدة في الآيات؟!
وكيف لائَمَ حرفُ الراءِ هذا الجو الرهيب في السورة؟!
وكيف وَائَمَ حرف الراء هذه الأنفاس الْمُلْتِهَبَة العاصفة في الآيات؟!


لقد بحثتُ طويلا في كتب التفسير عساي أن أجد ما يشفي قلبي من هذه السورة، ويكشف عن سر هذه الفاصلة وانتهائها بحرف الراء، فلم أجد ما يشفي صدري
فاجتهدتُ في توجيه هذه الفاصلة -وأسأل الله التوفيق- أرى ما يلي:
إن حرف الراء يسمى حرف تكرير، حيث يتكرر تَرَدُّدُ اللسان في حرف الراء ارتفاعا وانخفاضا، وهذ الصفة – التكرير - ليست إلا في حرف الراء.
ولو تأملنا الجو النفسي في السورة سنجده جَوَّ رَهْبَةٍ وخوف وفزع واضطراب، فالقلوب مُضْطَرِبَة، والنفوس ترتعد، هذا الاضطراب وذلك الارتعاد يناسبه ارتعاد اللسان بارتفاعه وانخفاضه أي يناسبه التكرير في حرف الراء، حيث إن التكرير يعبر عن حالة الاضطراب والرعدة التي أخذت القلوب والنفوس من أول السورة إلى آخرها.
والله أعلم.


وقد وجدتُ لسيد قطب تقديما بديعا قدم به لتفسير سورة القمر، وأحببت أن أتحفكم به وها هو:


"هذه السورة من مطلعها إلى ختامها حملة رَعِيبة مُفْزِعَة عنيفة على قلوب المكذبين بالنذر، بقدر ما هي طمأنينة عميقة وثيقة للقلوب المؤمنة المصدقة. وهي مُقَسَّمَةٌ إلى حلقات متتابعة، كل حلقة منها مشهد من مشاهد التعذيب للمكذبين، يأخذ السياق في ختامها بالحس البشري فيضغطه ويهزه ويقول له: فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ، ثم يرسله بعد الضغط والْهَزِّ ويقول له: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ


ومحتويات السورة الموضوعية واردة في سور مكية شتى. فهي مَشْهَدٌ من مشاهد القيامة في المطلع، ومشهد من هذه المشاهد في الختام. وبينهما عرض سريع لمصارع قوم نوح. وعاد وثمود. وقوم لوط. وفرعون وملئه. وكلها موضوعات تزخر بها السور المكية في صور شتى.


ولكن هذه الموضوعات ذاتها تعرض في هذه السورة عرضاً خاصاً، يحيلها جديدة كل الْجِدَّة. فهي تعرض عنيفة عاصفة، وحاسمة قاصمة، يفيض منها الهول، ويتناثر حولها الرعب، ويظللها الدمار والفزع والانبهار!


وأخص ما يميزها في سياق السورة أن كلا منها يمثل حلقة عذاب رهيبة سريعة لاهثة مكروبة. يشهدها المكذبون، وكأنما يشهدون أنفسهم فيها، ويحسون إيقاعات سياطها . فإذا انتهت الحلقة وبدأوا يستردون أنفاسهم اللاهثة المكروبة عاجلتهم حلقة جديدة أشد هولاً ورعباً . .
وهكذا تنتهي الحلقات السبعة في هذا الجو المفزع الخانق. فيطل المشهد الأخير في السورة. وإذا هو جو آخر، ذو ظلال أخرى. وإذا هو الأمن والطمأنينة والسكينة. إنه مشهد المتقين: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، في وسط ذلك الهول الراجف، والفزع المزلزل، والعذاب المهين للمكذبين ...فأين وأين؟! مشهد من مشهد؟! ومقام من مقام؟! وقوم من قوم؟! ومصير من مصير؟!"


د. محمد الجبالي