السلام عليكم ورحمة الله
كتبت هذا الاصطلاح (الإعجازيون) قبل حوالي 10 سنوات لما فاض بي الكيل لعدة عقود قبلها من كثرة أخطاء المشتغلين بالإعجاز العلمي، وصرَّحت أن المقصود بهم فقط "المتهافتون في الإعجاز العلمي"؛ أي الخائضون فيه مع عدم العلم المتخصص بمسائله.

أي أن مبدأ الاشتغال بالإعجاز العلمي من حيث المبدأ لا شيء فيه، مثله مثل الاشتغال بالفقه. ومثلما أن الفقه يجب أن يؤخذ بالتعلم والتفقه والأسباب الكفيلة بأن يكون المتفقه فيه فقيهاً، فكذلك الإعجاز العلمي، يجب أن يتأهل له طالب العلم فيه، حتى وإن كان علماً حديثاً لم تنجلي معالمه بتمامها بعد. فكل علم ناشئ يبدأ هكذا.

بمعنى أن المشتغل بالفقه بدون تأهيل يسمى متفيهقا، أي المدعي الفقه ولا فقه عنده.
وكذلك المشتغل بالإعجاز العلمي بدون تأهيل فسمَّيته – منذئذ - إعجازيا، أي يدعي العلم بالإعجاز ولا علم بالتفسير عنده، فضلاً عن الإعجاز.

ويتضمن هذا التصريح أن هناك إعجازاً ممدوحاً يقابل الفقه الممدوح. ومثلما أن الفقه ضروري لحسم مسائل العبادات والمعاملات، ومن ثَمَّ فهو ممدوح، فكذلك الإعجاز العلمي ضروري – ولكن تحت إسم التفسير العلمي حتى يَخْلُص ويستوي عوده - ومن ثم فهو ممدوح، ولعدد من الأسباب، أهمها عندي:

  1. فهم الآيات القرآنية ذات الشأن الطبيعي على ما خلقه الله تعالى عليه.
  2. الوقوف على الحق في المسائل المشكلة بين ما ورد من فهم أصحاب الكتب التراثية، وما بين العلم الحديث مما اشتهر خلافه.
  3. إعمال المقصد المغفول عنه، والذي أوجزه القرآن في تعليم الله تعالى آدم الأسماء كلها، والذي بسببه استحق آدم منصب الخلافة على الأرض. وهو المقصد الذي يوجب على المؤمن العالم بهذا المقصد أن يسعى إلى إعماله، لأنه وارث الخلافة عن أبيه آدم، وذلك بتعلم أسماء الأشياء عن معاينة ومكاشفة في حقلٍ ما من حقول التخصص المعرفي الذي يندب نفسه إليه.
  4. الانتصار لصدق القرآن بشواهد العلم الطبيعي على ما هي محققة في الواقع (وهذا هو الإعجاز العلمي)، وبالأدلة والحجج الراجحة، وليس بالهوى والظن، سواء المُثبِت لها أو النافي.

والمنهج الأصوب في تحقيق هذه الغاية تكمن في معالجة المسائل الطبيعية ذات التصريح أو التضمين القرآني معالجة إفرادية. أي كل مسألة على حدى. وذلك لأن كل علم في نشأته يكون تفصيلياً كالفقه، ثم يتشكل منه معالم كلية يصنع منها العلماء أصولاً كلية (مثل أصول الفقه)، تلم شعثه، ويسترشد بها طلاب العلم في الوقوف على مسالك ذلك العلم، فيختصر عليهم الطريق الشاق.

وباعتماد هذه الرؤية وهذا المنهج، شرعت في مُساءلة كثير من القضايا التي أثارها الإعجازيون مسألة مسألة، فوجدت في بعضها الصواب، رغم أنهم لا يعلمون لماذا هي صواب، ووجدت في كثير منها الخطأ والفجاجة، رغم أنهم لا يعلمون أيضاً لماذا هي كذلك.

وهذا التمييز بين الخطأ والصواب والوقوف على الأسباب فيهما، يستلزم بكل تأكيد علماً أسبق بالطبيعيات وأمثالها من علوم، والتخصص الدقيق فيها. ولا تقوم علوم الطبيعيات على تقليد الغربيين كما يظن كثير من الناس، بل تقوم على الأدلة الواقعية من تجريب معملي ورصدي، ثم تحليل معرفي، ثم تقنين، واختبار، ثم تنبؤ، ثم إقرار أو مراجعة أو نفي. ثم إعادة الكرًّة، ومن باحثين متباعدين، لوجوب استقلال قوانين الطبيعية عن تحيز الباحثين لها والقائمين بالكشف عنها. ولا يعني ذلك أن لا يصل الباحثون إلى نظريات خاطئة، فمثلهم مثل أصحاب ما وردنا من تراث، يرد من هؤلاء وأولئك الصواب والخطأ بحكم السهو والنسيان والتحيز والقصور المعرفي. لذا وجب مراجعة كل دليل، أثري قديم، أو علمي تجريبي استدلالي حديث، وليس هناك من عصمة لأي عمل بشري. ولا براءة لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود، ولا لمسلم على غير مسلم، إلا بما أثمرت يداه من دليل صادق عَصِيّ على التفنيد.

وبتطبيق المخرجات المحققة للعلوم الطبيعية التي أعلم أدلتها، واجهت عدداً من مسائل الإعجازيين ووقفت على أسباب أخطائهم، وفندتها، ونشرت بعضاً منها.

كما أعدت تفسير عدداً من الآيات التي جاء فيها تفسيراً أثريا، ورجحت فيها خلاف ذلك التفسير، مثل تفسير "العاديات"، و"يوماً عند ربك كألف سنة"، وغيرهما. وما زلت أدرس وأحقق. كما ترجح عندي تصحيح حديث التربة بالأدلة الطبيعية رغم أن كثيراً من علماء الحديث ضعفوه لاشتباه تعارضه مع القرآن، وما هو كذلك، وما زلت أدرس وأحقق. وقد وجدت لاحقاً أن الشيخ (محمد صالح المنجد) يذهب مع ما ذهبت إليه في هذا الحديث، ويستشهد بالتفسير الطبيعي في ذلك ويقول: [ما نميل إليه هو تصحيح الحديث ، وأن ما يذكره العلماء في ترتيب المخلوقات في الكون يتوافق مع ما ورد فيه.]

والخلاصة أن:
[التفسير العلمي أداة جديدة في التحقيق العلمي عمادها (النظر التحقيقي في الخلق ذاته) والاحتكام إليه في المسائل الطبيعية الواردة في القرآن والسنة].


والآن، ماذا عمن يزعم أن الإعجازيين هم كل مشتغل بالإعجاز العلمي وأن ما جاءوا به ليس إلا زيفا وبطلانا، ويريد أن يلقي به جملة واحدة في النار؟
أقول: من يفعل ذلك مخطئ كل الخطأ، لأنه يبطل الحق في الإعجاز العلمي من حيث يقصر علمه عنه، ويستنصر بإظهار الباطل فيه والتغافل عما فيه من حق. وهذا من أبطل الباطل.

وما ينبغي أن يفعله المحقق للإعجاز العلمي هو أن يميز الباطل فيبطله بالأدلة، ويميز الحق فينصره بالأدلة أيضا.
أما إن كان قاصراً عن معرفة سبب الخطأ فيما هو خطأ،
وقاصراً عن فهم دليل الصواب أو الرجحان فيما هو صواب أو راجح،
فهذا جاهلٌ غَرٌّ أحمق، عليه بالصمت لأنه لا يفقه عم يتكلم. .... فاحذروه كل الحذر، حتى لو تكلم بلسانكم.

ولو سأل سائل: وكيف نعرفه لنحذره؟
أقول: اعرفوه إذا سب خصمه و سخَّف بما جاء به. وذلك عندما يأتيه بحجة تُلجمه، أو لا يفقهها، ومن ثم لا يستطيع الرد عليها .. فيلجأ إلى السب والتسخيف بلا مناقشة تفصيل الحجة ولا تفنيد أركانها.

هذا والله تعالى ولي التوفيق، وهو الناصر دينه.