قال أيلال : "إن الحافظ الذهبي اتهم البخاري بالتدليس حيث قال في سير أعلام النبلاء، عند تعداد الرواة عن الذهلي ما نصه: روى عنه خلائق منهم .... محمد بن إسماعيل البخاري، ويدلّسه كثيرًا !!!، لا يقول: محمد بن يحيى!! بل يقول محمد فقط!! أو محمد بن خالد!! أو محمد بن عبد الله، ينسبه إلى جده، ويعمّي اسمه، لمكان الواقع بينهما!!! غفر الله لهما"[1]
إن التدليس الذي قصده هنا الذهبي ليس هو التدليس الذي يقدح في الرواية، ويجعل صاحبها مدلسا وفق اصطلاح المحدّثين . ولقد كان فهمُ الكاتب لهذه المسألة على غير وجهه لأنه لم يدرس هذا العلم ولا امتحن فيه ولا تمرس فيه، فالمقصود فيما ذكره الذهبي أن البخاري كان يُعمِّي على اسم محمد يحيى الذهلي فتارة يذكره بنحو وتارة يشير إليه على غير النحو الأول، وهو الذي يقال له تدليس الشيوخ وهو ليس قادح في الرواية ما لم يكن المعمى والمدلَّس عليه كذابا وضاعا أو ضعيفا غير ضابط، أمَا وقد كان المعمَّى هنا ثقة فليس يضر، وهو صنيع كلِّ من تخالف مع أحد واضطُرَّ للرواية عنه والأخذ فإنه – إن كان عليه في نفسه شيء ٌصنع ما قد صنعه البخاري هذا على فرض ثبوت القصة في ذلك وصحتها.[2]
فالمدلس: "سمي بذلك لكون الراوي لم يسمّ من حدثه، وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدّثه به "[3] ومن التدليس ما يسمّى تدليس الشيوخ، وهو "أن يصف شيخه بما لم يشتهر به، من اسم أو لقب أو كنية أو نسبة إيهامًا للتكثير غالبًا، وقد يفعل ذلك لضعف شيخه "[4]
والبخاري لم يفعل هذا ليستكثر، فشيوخه كثر، وليس الذهلي بضعيف حتى يخشى من هذا، ولم يوهم أنه سمع حديثا ليس منه، فلا تشنيع في كل هذا وليس هو التدليس الاصطلاحي .
قال الزركشي – – واعلم أنهم قد يفعلون ذلك – أي تدليس اسم الشيخ – لا لقادح في الشيخ بل لمعنى عند الراوي ، مثل محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذهلي النيسابوري الإمام المشهور ، يروي عنه البخاري في الصحيح و لا يصرح بنسبه بل ينسبه مرة الى جدخ و مرة الى أبيه .
قال النسائي : هو ثقة مأمون ، و إنما فعل ذلك للفتنة الواقعة بينه و بينه فيما حكاه الخطيب في تاريخه ، و قول الذهلي : من كان يختلف إلى هذا الرجل فلا يختلف إلينا .
قال ابن المنير : و إنما أبهم البخاري إسمه في الصحيح لأنه لما اقتضى التحقيق عنده أن تبقى روايته عنه خشية كتم العلم ، و عذره في قدحه فيه بالتأويل خشي على الناس أن يقعوا فيه ، فإنه قد عدد من جرحه ، و ذلك يوهم أنه صدقه على نفسه فيجر ذلك و هنا إلى البخاري ، فأخفى إسمه و غطى وسمه و ما كتم عليه ، فجمع بين المصلحتين ، و الله أعلم بمراده .[5]
قال أبو زرعة ولي الدين أحمد بن عبد الرحيم في كتابه ( المدلسين ) : محمد بن اسماعيل بن ابراهيم البخاري صاحب الصحيح ، قال أبو عبد الله بن منده : قوله في صحيحه قال فلان تدليس . و ما علمنا لابن منده موافقا على ذلك ، و لم ينسب أحد البخاري إلى شيء من التدليس .[6]
قال برهان الدين العجمي : و قد أجاب شيخنا عن هذا في النكت على ابن الصلاح في النوع الحادي عشر ، و قد نقل شيخنا قبل القراءة على الشيخ عن أبي الحسن القطان في تدليس الشيوخ أنه قال : و أما البخاري فذاك عنه باطل .انتهى .[7]


[1] صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص 51

[2] المعركة تحت راية البخاري .. المعركة 14

[3] نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: عبد الله بن ضيف الله الرحيلي، الطبعةالاولى 2001 ، ص 103

[4] تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: عاصم بن عبد الله القريوتي، مكتبة المنار، الزرقاء-الأردن، ص 17

[5] النكت على مقدمة ابن الصلاح 2/ 79-80

[6] كتاب المدلسين ص 82-83

[7] التبيين لأسماء المدلسين ص 49