أولا : الاسناد خصيصة للمسلمين :

اختص الله هذه الأمة بأن وفقها لحفظ كتاب ربها وصيانة حديث نبيها. ولقد سخر الله لهذه الأمة من حفظ سنة نبيها الاكرم من الخلط أو الدس فيه أو الكذب عليه، وبذلك تم حفظ الدين الإسلامي من التحريف والتبديل بحفظ مصدريه الرئيسين القرآن والسنة. و قد اتبع علماء المسلمين منهجا من أدق المناهج العلمية لتوثيق الاحاديث المروية وتمحيصها. و بذلك ظهر علم مصطلح الحديث الذي حوى خلاصة القواعد العلمية الواجب اتباعها لمعرفة احوال السند و المتن .
ومعلوم أن السند هو سلسلة الرواة الذين نقلوا الحديث واحداً عن الآخر حتى يبلغوا به إلى قائله. والبحث في السند دعامة أساسية في علوم الحديث، وفي التوصل إلى هدفه الأسمى والغرض المطلوب منه، وهو تمييز الحديث المقبول من المردود. لذلك عني المحدثون بتحقيق الأسانيد والبحث فيها، لما أنه كثيراً ما يتوصل عن طريق السند إلى نقد للمتن لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق البحث في السند.
قال ابن المبارك: الإسناد عندي من الدين، لولا الإسناد لذهب الدين ولقال من شاء ما شاء. و كلام العلماء في وجوب التثبت من رواة السند معروفة و مشهورة و من هذه الأقوال :

أن علماء الأمة اتفقوا على أن : (الإسناد من الدين) وهذا ما نقله إلينا الإمام مسلم فى مقدمة صحيحه حيث قال : ( حدثني محمد بن عبد الله بن قهزاذ من أهل مرو قال سمعت عبدان بن عثمان يقول سمعت عبد الله بن المبارك يقول : "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"

و قال محمد بن عبد الله حدثني العباس بن أبي رزمة قال سمعت عبد الله يقول : "بيننا وبين القوم القوائم يعني الإسناد" و قال محمد سمعت أبا إسحق إبراهيم بن عيسى الطالقاني قال قلت لعبد الله بن المبارك : يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء : "إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك وتصوم لهما مع صومك" قال : فقال عبد الله : يا أبا إسحق عمن هذا ؟ قال : قلت له : هذا من حديث شهاب بن خراش ، فقال : ثقة ، عمن قال ؟ قلت : عن الحجاج بن دينار ، قال : ثقة عمن قال ؟ قلت : قال رسول الله ، قال : يا أبا إسحق إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي ولكن ليس في الصدقة اختلاف) انتهى.

وفى كتاب التعديل والتجريح للباجى : (عن محمد يعني بن سيرين أنه قال : "إن هذا الحديث دين فانظروا عن من تأخذونه".... وكان بهز بن أسد يقول إذا ذكر له الإسناد الصحيح : "هذه شهادة العدول المرضيين بعضهم على بعض"
وإذا ذكر له الإسناد وفيه شيء قال : "هذا فيه عهدة ويقول لو أن رجلا ادعى على رجل عشرة دراهم لم يستطع أخذها إلا بشهادة العدول فدين الله أحق أن يؤخذ فيه بالعدول" .

وقال عبدة بن سليمان قيل لابن المبارك في هذه الأحاديث الموضوعة قال : "يعيش لها الجهابذة"
وقال الأوزاعي سمعت يزيد بن أبي حبيب يقول : "إذا سمعت الحديث فأنشده كما تنشد الضالة فإن عرفت فخذه وإلا فدعه"
وقال ابن عون : "لا يؤخذ هذا العلم إلا عن من شهد له بالطلب".
وروى المغيرة عن إبراهيم قال : كانوا إذا أرادوا أن يأخذوا عن الرجل نظروا إلى صلاته وإلى هيئته وإلى سمته.
وقال عبد الرحمن بن مهدي قال شعبة : "كنت أنظر إلى فم قتادة فإذا قال حدثنا كتبنا عنه فوقفته عليه وإذا لم يقل حدثنا لم أكتب عنه"
قال عبد الرحمن بن مهدي : "خصلتان لا يستقيم فيها حسن الظن : الحكم والحديث" يعني : لا يستعمل حسن الظن في قبول الرواية عمن ليس بمرضي)انتهى .
وفى كتاب : المقصد الأرشد فى ذكر أصحاب الإمام أحمد (3/150) قال : ( نقل عن إمامنا أشياء منها قال سمعت أحمد بن حنبل يقول : الإسناد من الدين)
وفى تدريب الراوى للسيوطى (2/159 - 160) : (الإسناد في أصله خصيصة فاضلة لهذه الأمة ليست لغيرها من الأمم ) و قال ابن حزم : "نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي مع الإتصال خص الله به المسلمين دون سائر الملل وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود لكن لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرا وإنما يبلغون إلى شمعون ونحوه قال : وأما الأنصاري فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق فقط وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنصارى .... ولا يمكن النصاري أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص"
وقال أبو علي الجياني : "خص الله تعالى هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها الإسناد والأنساب والإعراب".

ومن أدلة ذلك ما رواه الحاكم وغيره عن مطر الوراق في قوله تعالى : (أو أثارة من علم) قال : "إسناد الحديث".
وقال سفيان بن عيينة حدث الزهري يوما بحديث فقلت : هاته بلا إسناد فقال الزهري : "أترقى السطح بلا سلم!"
وقال الثوري : (الإسناد سلاح المؤمن وطلب العلو فيه سنة)
قال أحمد بن حنبل : (طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف لأن أصحاب عبد الله كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة فيتعلمون من عمر ويسمعون منه)
وقال محمد بن أسلم الطوسي : (قرب الإسناد قرب أو قربة إلى الله ولهذا اُستحبت الرحلة)

ثانيا : التعريف بأحمد صبحي منصور، الذي نقل أيلال كلامه في الطعن في علم الحديث و المحدثين :

هوشيخ طائفة القرآنيين في العالم العربي و الإسلامي ، المدير السابق لرواق ابن خلدون والمستشار الإسلامي السابق لمركز ابن خلدون !!
و هو مركز اقامته المخابرات الاميركية في القاهرة , وتموله بالملايين , ليكون احد المراكز العربية اسما , والتي تدعو الى المشروع الاميركي لاصلاح دين الشرق الاوسط – مشروع الشرق الاوسط الكبير – الذي يريد تخريب الاسلام بدعوى اصلاح الاسلام واصلاح المسلمين، وذلك بالدعوة الى "عقيدة الكهنوت" التى يرفضها الإسلام . ويدعو الازهر الشريف الى مواجهة اعضاء هذا المركز بقوة لأنّ ما يفعلوه (وصمة عار ونكبة يجب أن يتداركها المجتمع والمسلمون) ويطالب بقوة ( بمنع هذه المهاترات ) و (ضرورة ايقاف مركز ابن خلدون لدورها التخريبي فى المجتمع المصري) وأنه ( يجب محاكمته). ويقول الأزهر " ان توصية المركز بتنقية التراث الديني ، لا سيما ما يتعلق بالحديث النبوي والسنة واعتماد النص القرآني مرجعية حاكمة وحيدة هى دعوة صريحة لإغفال مصدر رئيسي فى الاسلام وهو السنة النبوية " .
ومقال أحمد صبحي منصور هو نسخة طبق الاصل عن تعليقه على هجوم الازهر على مركز ابن خلدون الاميركي – الصهيوني و له موقع ( أهل القرآن ) الذي يعد المرجع لكل طاعن في السنة النبوية عموما ، و في صحيح البخاري خصوصا .
و هذه بعض أفكار أحمد صبحي منصور :

: 1- القرآن مرجعية حاكمة وحيدة .
2- لا يعتبر السنة النبوية من مصادر التشريع فى الإسلام. و يهاجم التراث والأحاديث والسنن .
3- يقول ان البخاري يحوي فى داخله أفظع الاتهامات للنبي ،ولدين الاسلام العظيم وتشريعاته ، وكل ذلك كنا قد أوضحناه فى كتاب لنا بعنوان "القرآن وكفى مصدرا للتشريع" أثبتنا فى الفصل الأول أن القرآن وحده هو المصدر التشريعي للإسلام وفى الفصل الثاني عرضنا أحاديث البخاري التي تطعن فى النبي وفى الاسلام وتشريعاته ، وقد أبى الناشر إلا أن يغير عنوان الكتاب فجعله "القرآن لماذا" وإلا أن يغير اسم المؤلف ، فجعل اسمه د. عبد الله الخليفة ، ومع ذلك فقد صودر الكتاب من المطابع سنة 1991.
4- ويقول : ان عصرنا ، عصر الانترنت الذين يضعون المتاريس أمام حركة العقل والفكر ، ونذكر بأن مشروع اصلاح التعليم الديني فى مصر ، الذى بدأه مركز ابن خلدون وكان لى شرف وضع مناهجه الدينية وتزعم الأزهر الحملة ضده ، حتى أسقط سنة 1999 ، هذا المشروع هو الذى نبه العالم الى خطورة الفكر المتعصب وأصبح ذلك المشروع مطلبا عالميا وتمخض عنه رغبة العالم فى اصلاح الشرق الأوسط سياسيا ودينيا من الداخل ، وقام مركز ابن خلدون ببحث الاصلاح ، اصلاح المسلمين بالاسلام ومن الداخل وبعرض التراث على القرآن . وقبلها سنة 1982 فى خاتمة كتابي "السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة" تنبأت بأن الصدام سيحدث بين الشباب المتدين والسلطة المصرية إذا لم يتم تنقية التراث من تلك الأحاديث الكاذبة. وأنا الآن فى غربتي عن بلدي الحبيب مصري أخشى إننا إن لم نصلح أمرنا بأيدينا فسيأتي الدمار. "

5- انتشار الإسلام قبل 1300 عام عن طريق القتال هو منشأ الاؤهاب :
في شهادة أحمد صبحي منصور , في الجلسة السابعة اثناء محاكمة سامي عمر الحصين في اميركا بتهمة الارهاب ,-- وقد برأته المحكمة من التهمة -- , وقال أحمد صبحي منصور الذي يعمل حاليا دكتور زائر في جامعة هارفرد في شهادته أن انتشار الإسلام قبل 1300 عام عن طريق القتال هو منشأ الاعتقاد السائد بين المسلمين أن اللجوء إلى العنف هو عمل مبرر لنشر الإسلام (!!).
6- دفاعه المستميت عن فرقة المعتزله , ومدحه للجاحظ المعتزلي , فذلك لان المعتزله تقول بالفكر الحر غير المقيد بالشريعة , ولذلك هو يدعو لاحياء هذا الفكر الذي مات الى الابد.
7- الاسناد اوجد خصومة مستحكمة بين المسلمين والتعقل، و يناقض المنهج القرآنى و العلمي.و نسب للنبي تشريعات تخالف القران مثل الرجم وحد الرده والحسبة .
8- الحديث المنسوب للنبى فهو قائم على الشك
9- سنة النبى هى فى تطبيق القرآن وفق ظروف عصره
10- احاديث الترغيب والترهيب أفسدت اخلاق المسلمين

ثالثا : قصة العتابي .. أسطورة و خرافة !!

نقل أيلال عن أستاذه قصة العتابي و اتخذها دليلا للطعن في أهل الحديث و السخرية منهم . و القصة من مصدرها تقول : حدث عثمان الوراق قال : رأيت العتابي الشاعر العباسي يأكل خبزاً على الطريق بباب الشام فقلت له : ويحك ، أما تستحي ؟ فقال لي : أرأيت لو كنا في دار فيها بقر ، كنت تستحي أن تأكل وهي تراك ؟ فقال : لا . قال : فإصبر حتى أعلمك أنهم بقر . فقام فوعظ وقص ودعا ، حتى كثر الزحام عليه ، ثم قال لهم : روي لنا غير واحد ، أنه من بلغ لسانه أرنبة أنفه لم يدخل النار . فما بقي واحد إلا وأخرج لسانه يومئ به نحو أرنبة أنفه ويقدره حتى يبلغ أم لا ، فلما تفرقوا ، قال لي العتابي: ألم أخبرك أنهم بقر ؟!!

فلنر كيف جاءت هذه القصة بنص هذا الكاتب ؟ قال : ثم صعد الى الربوة ونادى فى الناس"يا قوم هلموا أحدثكم عن رسول الله( )، ،واقبل يحدثهم يقول:روى فلان عن فلان عن فلان ان رسول الله.()قال.وظل يخرج من حديث الى أخر وقد تعلقت به العقول والقلوب والعيون،وسيطر على المستمعين ، ،الى أن قال لهم ...وروى غير واحد(اى أكثر من واحد)أنه قال :اذا بلغ لسان احدكم ارنبة انفه دخل الجنة))وسكت... فاذا بكل واحد من المستمعين يخرج لسانه يحاول ان يصل به الى ٍأرنبة انفه،واصبح منظرهم جميعا مضحكا،فالتفت العتابى الى صديقه ساخرا وقال:ألم اقل لك انهم بقر؟

نلاحظ أن الكاتب لم يلتزم المنهجية العلمية في نقل النصوص دون تحريف أو تلاعب .. بل قد أضاف اليه كلاما من مخيلته فيه سخرية ولمز باطن للحديث و رواته ، و يصور المسلمين في صورة نمطية تحوي ألوان التخلف و الجهل و الغباء ..
فالكاتب لا المنهجية العلمية التزم ، و لا بنصوص القرآن الكريم اهتدى فتثبت من الرواية قبل السخرية و الثلب في أعراض المسلمين .

من هو الشاعر العتابي ؟

اسمه كلثوم بن عمرو بن أيوب العتابي التغلبي والعتابي نسبة إلى جده الأعلى مالك بن عتاب... من تغلب أبو عمرو , الشاعر العباسي المشهور الأديب والكاتب البليغ، له براعة في الأسلوب ونظم الكلام. كان أصله من قنسرين وقدم بغداد وأقام بها وصحب البرامكة ثم طاهر ابن الحسين وكان منقطعًا إلى البرامكة ووصفوه للرشيد فقربه وأعلى منزلته ومدح الرشيد ثم أولاده الخلفاء من بعده وكان يتزهد ويلبس الصوف‏.‏ واشتهر في رسائله بحسن الاعتذار . من تصانيفه: كتاب المنطق، كتاب الآداب، كتاب فنون الحكم، كتاب الألفاظ، كتاب الخيل، وغيرهم. توفي عام 202 هـ ‏ .

ذكر أن الخليفة العباسي المأمون قد جمع بين كلثوم بن عمرو العتابي وابن فروة النصراني وقال لهما : تكلما وأوجزا ، فقال العتابي لابن فروة : ما تقول في عيسى المسيح ؟

قال ابن فروة: أقول أنه من الله .

قال العتابي: صدقت ولكن ؛ (من) تقع على أربع جهات لا خامس لها:

1. من كالبعض من الكل على سبيل التجزيء.
2. أو كالوليد من الوالد على سبيل التناسل .
3. أو كالخل من الخمر على سبيل الاستحالة( التحول)
4. أو كالصنعة من الصانع على سبيل الخلق من الخالق . أم عندك شيء تذكره غير ذلك ؟

قال ابن فروة : لا بد أن تكون هذه الوجوه ، فما أنت تجيبني إن تقلدت مقالةً منها ؟

قال العتابي: إن قلت على سبيل التجزيء كفرت ، وإن قلت على سبيل التناسل كفرت ، وإن قلت على سبيل الفعل كالصنعة من الصانع (المخلوق من الخالق)فقد أصبت .

فقال ابن فروة : فما تركت لي قولا أقوله ..وانقطع.

"انظر عيون المناظرات ص248، وانظر الحوار الإسلامي المسيحي .بسام داوود العجك .ص175-176."

ويقول العتابي في شعره :
حتى متى أنا في حلٍ وترحالِ وطول شُغلٍ بإدبارٍ وإقبال

ونازح الدار ما انفك مغترباً عن الأحبة ما يدرون ما حلي

بمشرق الأرض طوراً ثم مغربها لا يخطر الموت من حِرصٍ على بالي

ولو قنعتُ أتاني الرزق في دعةٍ إن القنوع الغنى لا كثرةُ المالِ

من اقوال العتابي- - : " من قرض شعرا أو وضع كتابا فقد استهدف للخصوم ، واستشرف للألسن ، إلا من نظر فيه بعين العدل وحكم فيه بغير الهوى "

هذا هو العتابى الذي ينسب له الكاتب هذه القصة !

من أين أخذ الكاتب خرافته ؟

القصة أوردها الأصفهاني في كتاب الأغاني مؤداها أن "العتابي" نهره صاحبه عثمان الوراق عندما أكل الخبز في الطريق وأنّبه "ويحك أما تستحي أرأيت لو كنا في دار فيه بقر كنت تستحي وتحتشم أن تأكل وهي تراك ، فقال له : لا.. عندئذ قام العتابي ووعظ وقص حتى كثر الزحام عليه فقال لهم : روي لنا عن غير واحد انه من بلغ لسانه أرنبة انفه لم يدخل النار فما بقي أحد إلا واخرج لسانه يومئ به نحو أرنبة انفه ويقدر حتى يبلغها أم لا ، فلما تفرقوا قال العتابي ألم أخبرك بأنهم بقر .
فالكاتب العقلاني الذي يطعن في علماء الحديثو يسمهم بالتقليد و اجترار كلام شيوخهم دون رواية أو دراية ، يقع في ما استهجن فيتبنى قصة دون تثبت أو دراسة .. ومن أراد الرد على المحدثين وجب عليه أن يستدل من مصادرهم الحديث المعتمدة لا تبني قصة مكذوبة من كتب الأدب و السمر !!
و كتاب الاغاني حذر منه جل علماء المسلمين ولا يعتمدون على ما فيه , بسبب ما ينتحل فيه من اخبار وروايات , وبدون ذكر سند صحيح لها ,ولذلك وطبيعي ان يهاجم الكاتب , الاسناد , لان الاسناد يمنعه من نسب الاقوال والاخبار بدون ذكر دليلها وسندها .

اما كاتب هذا المقال فيعلق على هذه القصة بعد ان نقلها , فيقول :
ما الذى جعل عقول أولئك الناس تغيب حتى تتدلى السنتهم وهم سكارى غائبون عن الوعى؟ انه التصديق، التصديق والايمان بأن مايقوله العتابى قد قاله النبى() فعلا. وما الذى جعلهم يؤمنون ويصدقون بأن النبى ()قد قال ذلك الكلام...انه الاسناد اى اسناد أو نسب ذلك الكلام للنبى()عبر العنعنة،اى قال حدثنى فلان عن فلان عن فلان...الخ..ان النبى ()قال.وهذا معنى الاسناد ،وهذه هى خطورته على العقل.
نقول : صدقت الاسناد خطر على العقل العلماني المصادم للوحيين .. الرافض للسنة و مروياتها . و لانه المانع من التلاعب في الالفاظ والنصوص , بقصد تحويرها وقلب او الغاء مفاهيمها , فانه اذا زال هذا المانع , او اهتز الايمان بضرورة وجوده للتحقق من الاخبار والروايات , صار الباب , بل صار الحصن الاسلامي , مفتوحا لكل من يريد , ليقول ما يريد بما تهواه الانفس المريضة والمنقادة الى التغريب الفكري والسياسي والفقهي والتشريعي والاقتصادي والاجتماعي ...

رابعا ، قوله : الحديث المنسوب للنبى قائم على الشك .

قال أيلال : ( إن نسبة حديث للرسول صلى الله عليه و سلم قائمة بالأساس على الشك الكبير ، لذلك فور أن يقول لك قائل حديثا للرسول فإنك ستسأله مباشرة عن إسناد الحديث " العنعنة " و من هنا تم اختراع الإسناد المتشكل من مجموعة من الرواة يسمونهم رجال الحديث ...)[1]
و هذا الكلام مأخوذ من مقال أستاذه أحمد منصور الذي قال تحت تبويب : " الاسناد قضية علمية : .. هذا هو الفرق بين القرآن وأحاديث التراث . فالقرآن قائم على اساس الايمان ،اما الحديث المنسوب للنبى فهو قائم على الشك .ولعلاج هذا الشك اخترعوا الاسناد لإثبات أن النبي قال ذلك الحديث ، اذا كان الاسناد صحيحا ، أو اذا كان الإسناد ضعيفا ."

و الذي قام به أحمد منصور منهج علماني معروف للتشكيك بالحديث النبوي الشريف ، بحيث يبدأ العلماني الطعن بالتشكيك في الاحاديث وصحتها وصحة طريق وصولها الينا , ويقارن بينها وبين القران , لزيادة التشكيك بها , و ليهز ثقة القارئ البسيط بثبوت السنة و متانة حفظها ، ليخلص في الأخير الى عدم حجيتها أو التحاكم اليها ، وبالتالي العمل على هدم هذا الصرح العلمي والتشريعي الكبير والواسع , وكأنه لا يعلم ان التواتر شرط للعلم اليقيني , وان خبر الاحاد شرط للعلم , ومتى ثبتت صحة السند , كان العمل بما جاء في المتن واجبا متى سلم من الشذوذ و العلة , ياثم تاركه فعلا , ولا تنفع معه هذه التبريرات اللا شرعية واللا عقلية .

خامسا ، قوله : بأنهم إختلقوا السند لترويج الأحاديث .

فهذا من فتوحات أسطورته و خرافة تفكيره .. و قد جهل هذا الامعة , ان هناك علما ومنهجا كاملا شاملا يتعلق بالسنة النبوية و تاريخ تدوينها ، ألفت فيه الكتب و الدواوين ، بين فيه العلماء كيف نقل المسلمون حديث نبيهم الكريم جيلا بعد جيل ابتداءا من عصر الصحابة الكرام العدول المعدلين بشهادة ربهم الى عصر التدوين مرورا بعصر الكتابة و الحفظ . كما درسوا ظاهرة الكذب في الحديث و كشفوا عن الرةاة المتهمين بالكذب و فرزوا مروياتهم و نخلوها تنخيلا ، و بينوا سبب وجوب الرواية بالسند و لماذا لم يقبلوا الحديث الذي لا خطام له .. فكان على الكاتب الأسطورة أن يراجع و يدرس تاريخ السنة النبوية قبل أن يلج هذا المعترك الذي ليس من فرسانه .

سادسا : إختلاف العلماء في الجرح و التعديل

نقل أيلال كلام أستاذه و مما جاء فيه : اختلف علماء الجرح والتعديل فى مدح راو او تجريحه، وفى اثبات حديث ما او نفيه،فالامام مسلم فى صحيحه لم يكتف بما قاله البخارى استاذه ولم يأخذ بكل أحاديثه ولم يترك ما تركه البخارى من احاديث ،فجاء صحيح مسلم مختلفا عن صحيح البخارى ، ثم جاء الحاكم فأستدرك على البخارى ومسلم ... اذ هى امور ظنية بحثية انسانية وليست امور العقيدة والدين ."
قال ابن القيم رادا هذه الفرية : " وربما يظن الغالط الذي ليس له ذوق القوم ونقدهم أن هذا تناقض منهم فإنهم يحتجون بالرجل ويوثقونه في موضع ثم يضعفونه بعينه ولا يحتجون به في موضع آخر ويقولون إن كان ثقة وجب [قبول روايته جملة وإن لم يكن ثقة وجب] ترك الاحتجاج به جملة
وهذه طريقة [قاصري العلم وهي طريقة] فاسدة مجمع بين أهل الحديث على فسادها فإنهم يحتجون من حديث الرجل بما تابعه غيره عليه وقامت شهوده من طرق ومتون أخرى ويتركون حديثه بعينه إذا روى ما يخالف الناس أو انفرد عنهم بما لا يتابعونه عليه إذ الغلط في موضع لا يوجب الغلط في كل موضع والإصابة في بعض الحديث او [في] غالبه لا توجب العصمة من الخطأ في بعضه ولا سيما إذا علم من مثل هذا أغلاط عديده ثم روى ما يخالف الناس ولا يتابعونه عليه فإنه يغلب على الظن أو يجزم بغلطه " .[2]
سابعا ، قوله : " ان علم الرجال انصب على دراسة رجال الحديث دون الشطر في المتن – و هو الأهم – فبدأوا يجرحون على هواهم ، متأثرين بالعصبية المذهبية و الشائعات "
و هذه الفرية استلها من مقال صاحبه أحمد منصور كذلك ، و هي فرية قديمة حديثة ، أبطلها المحققون من فرسان المحدثين
و بما أن الكاتب يجادل في علمية الحديث ووجود " القاعدة" فيه ، فإنه يحاول جاهدا إثبات عدم وجود قاعدة ثابتة يرتكز عليها علماء الجرح و التعديل في توثيق الرجال أو جرحهم .. و من أجل ذلك اتكأ على ما قاله قبله أحمد منصور و خلص الى أن التجريح والتعديل " تختلف فيه الآراء وتتحكم فيه الأهواء".
و بما أنه أساء فهما فأساء قالةً فإننا مضطرون الى إعادة القول في مسائل واضحة و بديهية لدى صغار طلبة الحديث النبوي الشريف ، تبين أن الجهول المتعالم ما كحلت عيناه بقراءتها .

أولا : لا يوجد رواة في تاريخ نقلة الحديث وقع الاختلاف فيهم بين معدل يقول فيه كذاب، وآخر يقول فيه ثقة على الحقيقة، وقصارى ما أنت واجد في هذا الباب، أن يكون الرجل عدلا ثقة مائة في المائة عند عالم، فيأتي عالم آخر فيقف له على أوهام فيُنزل منزلته من الوثاقة إلى الضعف الذي لايكون شديدا بحيث يخرج الرجل عن دائرة الثقة بكل معانيها من الصدق والضبط..ولهذا قال الذهبي وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال:" لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة".انظر الرفع والتكميل في الجرح والتعديل للكنوي الهندي ص291.

ثانيا: أهل الحديث قعَّدوا قواعدهم انطلاقا من تصرفات أئمة هذا الشأن المستنبطة من القرآن الكريم في بيان منهج التثبت في النقل، والاستيثاق في الرواية، وقالوا إن مدار الرواية على الصدق، فحيثما وُجد قُبل الراوي ولو كان صاحب هوى بمعنى نحلة خاصة، ولذلك قبل الأغلب الأعم من علماء هذا الشأن الخوارج قالوا لأنهم لا يستجيزون الكذب في الرواية فعدوهم من أصدق الملل لسانا ورواية وحديثا، فمناط قَبول أو رفض الراوي ليس على الأهواء كما ادعى الكاتب بل المناطُ والمتعلَّق الصدقُ، وهو السبب في التعديل والتزكية، كما أنه السبب في التصحيح والقَبول، وهذه معاني دقيقة ومسالك وعرة لا يترقى فهم الكاتب إلى العلم بها وإن حصَّل فيها أعلى الشهادات ووصل فيها إلى أرقى الغايات، إذ من سُلب فقد سُلب...نقصد من سلب نعمة الغوص في هذا العلم الشريف فلقد سلب خيرا كثيرا، ومن قرأ هذا العلم هوايةً أو تعاطيا من غير شيخ موجِّه، أو معلم هادٍ، أو قرأه عرَضاً باحثا عن الثغرات، كاشفا كما قد يخيل إليه عن المعايب لم يرزق فهمه وصارت محاسنه مثالب، وإيجابياته قوادح...

ثالثا : تثبت أهل هذا الشأن في الرجل المختلَف فيه فقالوا وهو القول المنصور لا نقبل الجرح فيه إلا أن يكون مفسَّرا بمعنى أن يوضِّح الجارح لمَ تركه وأسقط روايته ، فيُنظر في التفسير ألهُ تعلق بالرواية أم لا؟ فإن كان لا تعلق له بالنقل قُبل قول من عدَّله وقدِّم على قول من جرحه، لأن مدار هذا الشأن كما مر قريبا على صدق الراوي، فإذا تحقق ذلك لا يُلتفت إلى أمر قادح في الراوي غيره..

رابعا : ليس يوجد رواة كثيرون في تاريخ نقلة الحديث النبوي اختلف فيهم، فهم معروفون معلومون، قد أحصاهم علماء هذا الفن وخلصوا فيهم إلى نتائج فاتت الكاتبَ المسكينَ، وانتهى البحثُ الحديثي من هذه المسألة من زمان وصارت لنا كتب معتمدة لا يحبها الكاتب - وهي التي يحاربها- لا يوجد فيها إلا الحديث الصحيح والرجلُ الثقة العدل الذي يروي الصحيح...[3]
خامسا : لقد نص علماء الحديث على صفات معينة متى توفرت تلك الصفات في شخص معين قبلت روايته واحتج بحديثه.
قال ابن الصلاح - : "وأجمع جماهير أئمة الحديث والفقه على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلا ضابطا لما يرويه. وتفصيله أن يكون مسلما بالغا عاقلا، سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة، متيقظا غير مغفل، حافظا إن حدث من حفظه، ضابطا لكتابه إن حدث من كتابه. وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالما بما يحيل المعاني".
فهذا هو الثقة الذي تقبل روايته وهو الذي جمع بين شرطي العدالة والضبط.
و يوثق الراوي إذا ثبتت عدالته بالاستفاضة، أو باشتهاره بين أهل العلم بالثناء والخير، أو بتعديل عالم أو أكثر، وثبت ضبطه بموافقة روايته للثقات المتقنين في الغالب.
ويقبل تعديل الراوي ولو لم يذكر سببه وذلك لكثرة أسباب التعديل ومشقة ذكرها.
وأما جرحه فلا يقبل إلا إذا بين سببه؛ لأن الجرح يحصل بأمر واحد، ولا مشقة في ذكره، إضافة إلى اختلاف الناس في أسبابه.
سادسا : إذا تعارض جرح وتعديل في راو معين قدم الجرح إذا كان مفسرا ولو زاد عدد المعدلين، وعلى ذلك جمهور العلماء؛ لأن مع الجارح زيادة علم خفيت عن المعدل، فالمعدل يخبر عن ظاهر حال الراوي، والمجروح يخبر عن أمر باطن، وهذا شرط مهم؛ فإنهم لم يقبلوا الجرح إذا تعارض مع التعديل إلا إذا كان مفسرا، وهذا ما استقر عليه الاصطلاح.
يقول الدكتور نور الدين عتر: "لكن هذه القاعدة ليست على إطلاقها في تقديم الجرح، فقد وجدناهم يقدمون التعديل على الجرح في مواطن كثيرة، ويمكننا أن نقول: إن القاعدة مقيدة بالشروط الآتية:
1ـ أن يكون الجرح مفسرا، مستوفيا لسائر الشروط.
2ـ ألا يكون الجارح متعصبا على المجروح أو متعنتا في جرحه
3ـ أن يبين المعدل أن الجرح مدفوع عن الراوي، ويثبت ذلك بالدليل الصحيح.
وهذا يدل على أن اختلاف ملحظ النقاد يؤدي إلى اختلافهم في الجرح والتعديل، لذلك قال الذهبي وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال: "لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة". وهذا؛ لأن الثقة إذا ضعف يكون ذلك بالنظر لسبب غير قادح، والضعيف إذا وثق يكون توثيقه من الأخذ بمجرد الظاهر.
وقال الحافظ ابن حجر: "والجرح مقدم على التعديل، وأطلق ذلك جماعة ولكن محله إن صدر مبينا من عارف بأسبابه؛ لأنه إن كان غير مفسر لم يقدم فيمن ثبتت عدالته، وإن صدر من غير عارف بالأسباب لم يعتبر به أيضا، فإن خلا المجروح عن تعديل قُبل الجرح فيه مجملا غير مبين السبب إذا صدر من عارف على المختار؛ لأنه إذا لم يكن فيه تعديل فهو في حيز المجهول، وإعمال قول المجروح أولى من إهماله".
سابعا : يجب أن يراعى عند الاختلاف حال المعدل والمجرح؛ لأن ذلك من القرائن التي يرجح بها عند الاختلاف في التوثيق والتضعيف.
قال الإمام الذهبي مبينا أقسام المتكلمين في الرجال من حيث التعنت والتوسط والاعتدال في الجرح والتعديل:
1ـ قسم منهم متعنت في الجرح، متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، ويلين بذلك حديثه، وهذا إذا وثق شخصا فعض على قوله بنواجذك، وتمسك بتوثيقه، وإذا ضعف رجلا فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه، فإن وافقه، ولم يوثق ذاك أحد من الحذاق، فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه: لا يقبل تجريحه إلا مفسرا، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلا: هو ضعيف، ولم يوضح سبب ضعفه، وغيره قد وثقه، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه، وهو إلى الحسن أقرب. وابن معين وأبو حاتم والجوزجاني متعنتون.
2ـ وقسم في مقابلة هؤلاء، كأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الله الحاكم، وأبي بكر البيهقي: متساهلون.
3ـ وقسم كالبخاري، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، وابن عدي: معتدلون منصفون.
وبعد فعلماء الحديث لم ينطلقوا في توثيقهم وتجريحهم، وتصحيحهم وتضعيفهم من خواء وتخبط، وإنما انطلقوا من قواعد متينة وأرض صلبة، في أحكامهم؛ ولذلك برزت هذه الأحكام إلى الوجود في منتهى الدقة، متفقة فيما بينها، متحدة لا شذوذ فيها، منسجمة لا تباين يعتريها، ويعجز كل دعي أن ينقد ما أصلوه بنقد علمي لا مطعن فيه، وبحكم لا قادح فيه.

ثامنا ، قوله : " لنفترض مثلا أن مسلما روى في صحيحه ..."

كلام حشو مليء بالمغالطات و الأراجيف و كل من درس علم الحديث يقف على خرافة هذا الكلام المصادم للحقائق العلمية المثبتة في مصنفات أهل هذا الشأن .
ثم إن كلامه هذا منقول من مقال أستاذه احمد منصور مع وضع لإسم الإمام مسلم بدل الإمام البخاري ! و مجمل شبهته : أن مسلما لم يلتق بالرواة الأخرين الذي حدث عنهم شيخه و شيخ شيخه و هكذا .. و بالتالي تساءل الجهول كيف أمكن مسلما تصديقهم و إثبات صدق روايتهم و أنهم رووا هذا الحديث ، مع أنه لم يلتق بهم و لم يخبر أحوالهم بنفسه ؟ ليخلص في الأخير أن علم الرجال " خرافة و أكذوبة ، لا علاقة لها بالمنطق و العقل و بالمنهج العلمي الراجح !
و هذه جسارة من هذا الجهول أن يسم هذا العلم بالخرافة و الأكذوبة ..الخ ، و فيه طعن بأسياد الصنعة و نبغاء الأمة من المحدثين أمثال الإمام مالك و الشافعي و أحمد و البخاري و مسلم و شعبة و ابن ابي حاتم و الدارقطني و الذهبي و ابن حجر و النويي و غيرهم من فضلاء و علماء الأمة قديما و حديثا أنهم خرافيون يصدقون الخرافات و يروجون الأكاذيب .. لا منهج عندهم صائب يتبعونه و لا منطق او عقل يحتكمون اليه ..
و نكرر لو قرأ الجهول "الذي تزبب قبل أن يتحصرم " كتابا في علم الحديث لما فاه بهذا البهتان العظيم.

تاسعا ، قوله : علم الرجال أكذوبة تاريخية تم التهويل بشأنها من أجل نسبة أحاديث للرسول هو بريء من أغلبها .
و هذا الكلام قاله قبله عماد حسن في مقاله " خرافة علم الرجال " حيث صرح قائلا :( .. وفي حقيقة الامر فإن ما يسمى بعلم الرجال والجرح والتعديل هو اكبر اكذوبة في تاريخ الاديان في العالم.)
فما كان من أيلال إلا أن سرقها كأنها من بنات أفكاره .و لست أجد قولا أشد دلالة على ضحالة عقل الكاتب و سيطرة الفكر الأسطوري و الخرافي عليه من هذا الذي خطته أناميله ..سبحان ربي هذا بهتان عظيم .. كيف أمكنه أن يصف أحد مفاخر علماء المسلمين و أحسن ما أبدعه العقل الإسلامي بالأكذوبة ؟ و قد اعترف كبار كبار المؤرخين غير المسلمين مثل أسد رستم في كتابه “مصطلح التاريخ“، و غيره بعلمية و ابداع المسلمين لهذا الفن العزيز . و أنه دليل قوي على عقل توثيقي راق عند المسلمين .
عاشرا، قوله : علم الرجال يعني ببساطة أن المحدثين يستدلون على الحقيقة بالرجال و يهتمون بمن قال أكثر مما قال ."
وهي عبارة بالنص أخذها بلا عزو عن صاحب كتاب “جناية البخاري” ص:19. و الذي سرق منه كذلك قولة : أن “علم الحديث سبب في تخلف الأمة وتعلقها بالخرافات. ص:26 من كتاب الجناية.و قد تبين مما أوردنا سابقا تهافت طرحه و هزالة استدلالاته.

الحادي عشر : القول بعدم علمية ( علم الجرح و التعديل ) إنما يصدر عن الجهال ، الذين لا إطلاع لهم على منهج المحدثين في توثيق الراوي أو تجريحه ، و أن أقوالهم صادرة عن البحث و الإجتهاد لا التقليد . قال الامام الباجي : " سأقدم بين يدي ذلك أبوابا ومقدمات تعلم بها منهج معرفة الجرح والتعديل فقد رأيت كثيرا ممن لا علم له بهذا الباب يعتقد أن هذا من جهة التقليد وأنه لا يدرك بالنظر والاجتهاد وأذكر بعد ذلك شيئا مما يتوصل به إلى معرفة الصحيح من السقيم إذ هو المقصود بعلم الجرح والتعديل .. حوال المحدثين في الجرح والتعديل مما يدرك بالاجتهاد ويعلم بضرب من النظر ووجه ذلك أن الإنسان إذا جالس الرجل وتكررت محادثته له وإخباره إياه بمثل ما يخبر ناس عن المعاني التي يخبر عنها تحقق صدقة وحكم بتصديقه فإن اتفق له أن يخبر في يوم من الأيام أو وقت من الأوقات بخلاف ما يخبر الناس عن ذلك المعنى أو بخلاف ما علم منه المخبر أعتقد فيه الوهم والغلط ولم يخرجه ذلك عنده عن رتبة الصدق الذي ثبت من حاله وعهد من خبره وإذا أكثرت مجالسة آخر وكثرت محادثته لك فلا يكاد أن يخبرك بشيء إلا ويخبرك أهل الثقة والعدالة عن ذلك المعنى بخلاف ما أخبرك به غلب على ظنك كثرة غلطه وقلة استثباته واضطراب أقواله وقلة صدقه ثم بعد ذلك قد يتبين لك من حاله العمد أو الغلط وبحسب ذلك تحكم في أمره فمن كان في أحد هذين الطرفين لا يختلف في جرحه أو تعديله وممن كان بين الأمرين مثل أن يوجد منه الخطأ والإصابة وقع الترجح فيه وعلى حسب قلة أحد الأمرين منه وكثرته يكون الحكم فيه فكذلك المحدث إذا حدثك عن الزهري مثل زمعة بن صالح بن الأخضر أو محمد بن إسحاق وحدثك عنه بذلك الحديث مالك وعبيد الله بن عمر ومعمر وسفيان بن عيينة ومن أشبههم من الأيمة الحفاظ المتقنين الذين علم حفظهم حديث الزهري وإتقانهم له واتفقوا على خلاف ما حدث أو خالفه أحد هؤلاء الأيمة وكثر ذلك فإنه يحكم بضعفهواضطراب حديثه وكثرة خطئه فإن انضاف إلى ذلك أن ينفرد بالأحاديث المناكير عن مثل الزهري وكثر ذلك منه جرح إلى أن يقال فيه منكر الحديث متروك الحديث وربما كثر ذلك منه حتى يتبين تعمده فينسب إلى الكذب وإذا رأيته لا يخالف هؤلاء الأيمة المتقنين الحفاظ ولا يخرج عن حديثهم حكم بصدقة وصحة حديثه فهذان الطرفان لا يختلف في من وجد أحدهما منه ومن وجد منه الموافقة والمخالفة وقع الترجيح فيه على كثرة أحد الأمرين منه وقلته وعلى قدر ما يحتمله حاله في علمه ودينه وفضله ولذلك يختلف أهل الجرح والتعديل في الرجل فيوثقه يحيى بن سعيد القطان ويضعفه عبد الرحمن بن مهدي ويوثقه شعبة ويجرحه مالك وكذلك سائر من يتكلم في الجرح والتعديل ممن هو من أهل العلم بذلك يقع اختلافهم في ذلك على هذا الوجه وقد روى أبو حاتم بن حبان البستي قال سمعت محمد بن إبراهيم بن أبي شيخ الملطي قال جاء يحيى بن معين إلى عفان يسمع منه حديث حماد بن سلمة فقال سمعته من غيري فقال نعم سمعته من سبعة عشر رجلا فأبى أن يحدثه به فقال إنما هو درهم وانحدر إلى البصرة وأسمعه من التبوذكي فقال له التبوذكي سمعته من غيري فقال نعم سمعته من سبعة عشر رجلا فقال ما تريد بذلك قال أريد أن أميز خطأ حماد بن سلمة من خطأ من روى عنه فإذا اتفق لي الجميع على خطإ عرفت أنه من حماد بن سلمة وإذا انفرد به بعض الرواة عنه عرفت أنه منه ."

الثانية عشر : شهادات لكبار المفكرين لعلمية و تميز علم الرجال .

ليوبولد فايس) قال: "إننا نتخطى نطاق هذا الكتاب إذا نحن أسهبنا في الكلام على وجه التفصيل في الأسلوب الدقيق الذي كان المحدثون الأوائل يستعملونه للتثبت من صحة كل حديث، ويكفي من أجل ما نحن هنا بصدده أن نقول: إنه نشأ من ذلك علم تام الفروع، غايته الوحيدة البحث في معاني أحاديث الرسول، وشكلها، وطريقة روايتها.

ولقد استطاع هذا العلم في الناحية التاريخية أن يوجد سلسلة متماسكة لتراجم مفصلة لجميع الأشخاص الذين ذكروا عن أنهم رواة أو محدثون، إن تراجم هؤلاء الرجال والنساء قد خضعت لبحث دقيق من كل ناحية، ولم يعد منهم في الثقات إلا أولئك الذين كانت حياتهم وطريقة روايتهم للحديث تتفق تماما مع القواعد التي وضعها المحدثون، تلك القواعد التي تعتبر على أشد ما يمكن أن يكون من الدقة. فإذا اعترض أحد اليوم من أجل ذلك على صحة حديث بعينه أو على الحديث جملة، فإن عليه هو وحده أن يثبت ذلك".
القس المستشرق الإنجليزي (دافيد صموئيل مرجليوث) 1858: 1940م وهو أحد أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق : فرغم عدائه الشهير للإسلام إلا أنه لم يتمالك نفسه إذ يقول في (المقالات العلمية ص 234- 253 : نقلا ًعن تقدمة العلامة اليماني المعلمي في المعرفة لكتاب الجرح والتعديل) :
” ليفتخر المسلمون ما شاؤوا بعلم حديثهم ” !!

وأما في كتابه (التطورات الأولى للإسلام : المحاضرة الثالثة ص 98) فيعترف برجوع سند الاحاديث لما قبل القرن الأول الهجري !!.. مخالفا ًبذلك أكاذيب أترابه المستشرقين الحاقدين للطعن في علم الحديث كما سيأتي (والتي لا زال ينقلها جهلة منكري السنة عنهم إلى اليوم) فيقول :
” حتى وإن لم نصدق أن جل السنة التي يعتمد عليها (الفقهاء) في استدلالاتهم صحيحة، فإنه من الصعب أن نجعلها إختراعا ًيعود إلى زمن لاحق للقرن الأول ” !!

ويقول العالم الألماني (أشبره نكر) في مقدمة كتاب (صانه) – طبعة كالكوتا ونقلا ًعن الشيخ (مصطفى صبري) في كتاب (موقف العقل والعلم والعالم 4/59) :
” إن الدنيا : لم تر ولن ترى أمة ًمثل المسلمين !! فقد د ُرس بفضل علم الرجال الذى أوجدوه حياة نصف مليون رجل ” !!
الكاتب (روبسون) ففي كتابه (الإسناد في التراث الإسلامي ص 26) فيقول :
” أن بعض المستشرقين فطنوا إلى أن ما يُروى عن كبار الصحابة من الحديث : هو أقل بكثير مما يروى عن صغارهم ، وقد رأى أن ذلك يحمل على الاعتقاد بصحة ما نقله المحدثون أكثر مما نتصور – أي مما يتصوره المستشرقون – إذ لو اختلق المحدثون الأسانيد : لكان بإمكانهم جعلها تعود إلى كبار الصحابة ” !!..
وكما استطاع الكاتب السابق التأكد من صحة علم السند بهذه اللفتة البسيطة التي ما كانت لتفوت على أصحاب علوم الإسناد لو كانوا كاذبين ومدلسين كما يدعي الحاقدون والكاذبون من المستشرقين ومَن تربوا على كتبهم من منكري السنة والحداثيين والتغريبيين والمعتزلة الجدد وغيرهم :

و قد كتب الأستاذ الألماني (هارولد موتزكي) عن طريقته التي أثبت من خلالها أنه :
” بالإمكان إثبات أن مصنف عبد الرزاق : يرجع إلى الوقت الذي يزعمه المسلمون. ومن خلال بحثه : أصبح من الصعب على المستشرقين في هذا الوقت زعم أن المسلمين زيفوا الإسناد في بداية منتصف القرن الثاني وكما كانوا يزعمون ذلك من خلال دراسات قديمة قام بها مستشرقون من أمثال شاخت Schacht و جولدزهير Goldziher ” !!!

وتعتمد طريقة (هارولد موتزكي Harlod Motzki) على :
” نقد الإسناد من خلال تبين أنه من المستحيل (من ناحية الاحتمالات) تزييف كل هذه الأسانيد التي تفرعت على هذه المدة الطويلة وعلى مناطق جغرافية شتى وعلى رجال بهذا العدد الكبير !! ولكن الإسناد بقي إلى درجة كبيرة متصلا ً” !!

وبعد هذه المرحلة : يبدأ (موتزكي) بمقارنة الرويات التي تدور حول حديث ٍواحد ولا يقتصر على جمع كل الروايات من كتب الحديث فقط ولكنه يجمع أيضا ًروايات من كتب التاريخ والطبقات : ثم يبين من خلال مقارنة النصوص أن هذا الاختلاف ليس اختلاف يرجع في مجموعه إلى مؤلفي الحديث ولكنه اختلاف نجم عن :
” رواية من خلال السمع من شخص ٍإلى شخص ٍآخر ” !!
ويقول الكاتب (برنارد لويس) في كتابه (الإسلام في التاريخ ص 104- 105 عام 1993م) :
” في وقت مبكر : أدرك علماء الإسلام خطر الشهادات الكاذبة والمذاهب الفاسدة فوضعوا علما ًلانتقاد الأحاديث والتراث وهو (علم الحديث) كما كان يُدعى .. وهو يختلف لاعتبارات كثيرة عن علم النقد التاريخي الحديث !! ففي حين أثبتت الدراسات الحديثة اختلافا ًدائما ًفي تقييم صحة ودقة السرد القديمة (أي في غير الإسلام) : نجد أن الفحص الدقيق له (أي لعلم الحديث) باعتنائه بسلاسل السند والنقل وجمعها وحفظها الدقيق من المتغيرات في السرد المنقول تعطي التأريخ العربي في القرون الوسطى احترافا ًوتطورا ًلم يسبق له مثيل في العصور القديمة !! ودون حتى أن نجد له مثيلا ًفي الغرب في عصوره الوسطى في ذلك الوقت !! والذي بمقارنته (أي علم الحديث عند المسلمين) بالتأريخ المسيحي اللاتيني : يبدو الأخير فقيرا ًوهزيلا ً!! بل وحتى طرق التأريخ الأكثر تقدما ًوتعقيدا ًفي العالم المسيحي اليوناني : فلا تزال أقل من المؤلفات التاريخية للإسلام في مجموع تنوع وحجم وعمق التحليل ” !!


ويقول الأستاذ (محمد بهاء الدين) في رسالته العلمية (المستشرقون والحديث النبوي ص 30) :
” فالطريقة التي سلكها العلماء في التثبت من صحة الحديث سندا ًومتنا ً وما ابتدعوا لأجل ذلك من علوم كـ : علم أصول الحديث – وعلم الجرح والتعديل – وغيرهما من العلوم : طريقة أشاد بها كثير من الغربيين في تحقيق الراوية أمثال : باسورث سميث عضو كلية التثليث في اكسفورد، وكارليل، وبرنارد شو، والدكتور : سبرنكر كان .. فقد أعلن هؤلاء إعجابهم بالطريقة التي تم بها جمع الأحاديث النبوية، وبالعلم الخاص بذلك عند علماء المسلمين، وهو الجرح والتعديل ” !!
المؤرخ اللبناني الماروني (أسد رستم) : فعندما كتب كتابه (مصطلح التاريخ) : وأراد أن يؤصل فيه لعلم حفظ الأخبار التاريخية : لم يسعه إلا التأثر بقواعد علم مصطلح الحديث، واعترف بأنها :
” طريقة علمية حديثة : لتصحيح الأخبار والروايات ” !!
وقال بعد أن ذكر وجوب التحقق من عدالة الراوي، والأمانة في خبره :
” ومما يذكر مع فريد الإعجاب والتقدير ما توصل إليه علماء الحديث منذ مئات السنين في هذا الباب، وإليك بعض ما جاء في مصنفاتهم نورده بحرفه وحذافيره تنويهاً بتدقيقهم العلمي، اعترافاً بفضلهم على التاريخ ” !!
ثم أخذ ينقل نصوصاً عن بعض أئمة المسلمين في هذا الشأن …!
وأما الشيخ (فاروق حمادة) فيقول في طليعة كتابه (المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل ص 14) :
” وهذا البحث قد انفرد به المسلمون دون غيرهم، وشهد لهم بذلك كثير من باحثي الفرنجة وغيرهم، واعترافاتهم بذلك مشهورة مسطورة لا حاجة بي إلى التعريج عليها ” !!..



[1] ص 49-50

[2] الفروسية 240

[3] المعركة تحت راية البخاري