قال الطاهر ابن عاشور () وقد اشتملت هذه الجملة على خصائص من البلاغة:
أولاها: فعل الكون في قوله: كانوا الدال على أن خبرها سنة متقررة.
الثاني: العدول عن أن يقال: كانوا يقيمون الليل، أو كانوا يصلون في جوف الليل، إلى قوله: قليلا من الليل ما يهجعون لأن في ذكر الهجوع تذكيرا بالحالة التي تميل إليها النفوس فتغلبها وتصرفها عن ذكر الله تعالى وهو من قبيل قوله تعالى: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِع [السجدة: 16] ، فكان في الآية إطناب اقتضاه تصوير تلك الحالة، والبليغ قد يورد في كلامه ما لا تتوقف عليه استفادة المعنى إذا كان يرمي بذلك إلى تحصيل صور الألفاظ المزيدة.
الثالث: التصريح بقوله: من الليل للتذكير بأنهم تركوا النوم في الوقت الذي من شأنه استدعاء النفوس للنوم فيه زيادة في تصوير جلال قيامهم الليل وإلا فإن قوله: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون يفيد أنه من الليل.
الرابع: تقييد الهجوع بالقليل للإشارة إلى أنهم لا يستكملون منتهى حقيقة الهجوع بل يأخذون منه قليلا. وهذه الخصوصية فاتت أبا قيس بن الأسلت في قوله:
قد حصت البيضة راسي فما ... أطعم نوما غير تهجاع
الخامس: المبالغة في تقليل هجوعهم لإفادة أنه أقل ما يهجهه الهاجع.
وانتصب قليلا على الظرف لأنه وصف بالزمان بقوله: من الليل. والتقدير:
زمنا قليلا من الليل، والعامل في الظرف يهجعون. ومن الليل تبعيض. التحرير والتنوير (26/349-350).