لمحات في منهج القرآن الكريم في الدعوة للحجاب
الأول: في وقت نزول الآيات.
الثاني: في الرصيد الإيماني السابق للصحابيات.
الثالث: في معاني أسماء الله في الآيات وأثرها في الالتزام بالحجاب.
الرابع: في ابتداء الأمر بالحجاب للبيت النبوي ودلالاته.
الخامس: في صفة الحجاب الشرعي من النص القرآني.
السادس: في دلالات أخرى من آيات الحجاب.
وقت نزول الآيات:

إن من حكمة الشارع أن ينزل الأوامر في وقتها المناسب ليكون ذلك أدعى للامتثال، فقد نزل الحجاب في "سنة خمس من الهجرة"أي فيالمدينة، والمعلوم أن الآيات المدنية عادة ما تحمل أحكام وتشريعات، ففي هذا الوقت قد ترسخ الإيمان في النفوس وتهيئت البيئة لإقامة الشرائع، ومن هذه التشريعات، الحجاب.ووصفت أم سلمة استجابة نساء الأنصار بقولها: خرج نساء الأنصار كأنّ على رؤوسهن الغربان من الأكسية»().
المنهج الاجرائي المستمد:في الدعوة للحجاب يراعى الاهتمام بالتأسيس للمعتقد الصحيح منذ الصغر، وبناءه بناء راسخا يسهّل على المرأة الاستجابة لأحكام الشريعة، لا سيما الحجاب.
الرصيد الإيماني السابق للصحابيات:
نزلت آيات الحجاب في السنة الخامسة للهجرة وقد امتثل الصحابيات للأمر الرباني.فعن أم سلمة أم المؤمنين -- قالت: «لمانزلت(
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ
) [الأحزاب: 59]، خرج نساء الأنصار كأنّ على رؤوسهن الغربان من الأكسية».فإيمانهنّ بما أعد الله لهنّ، وتصديقهنّ الجازم بذلك، والرسوخ العقدي، وعلمهنّ بأنّ الله لم يشرع ويحكم بالحجاب إلا لحِكمة عظيمة، وهي عدم معرفتهنّ لأن ذلك أستر لهنّ، فكان داعٍ لهنّ لفعل ما يؤمرن به وإذعان لما شرّع الله وفرض.
المنهج الاجرائي المستمد:التذكير بثمار الحجاب وفضله يحث النفس على الامتثال لما شرع الله.
ثالثا معاني أسماء الله في الآيات وأثرها في الالتزام بالحجاب:وردت أربعة أسماء من أسماء الله الحسنى في موطنين من آيات الحجاب، كل اسمين مقترنين ببعضهما في آية وهما:
الموطن الأول: في قوله تعالى: (
وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ۖ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
) [النور:60]
في هذه الآية ورد اسمَين من أسماء الله تعالى وهما: السميع والعليم، "فالسميع: بمعنى السامع، إلا أنه أبلغ في الصفة، وبناء فعيل بناء المبالغة، وهو الذي يسمع السر والنجوى، سواء عنده الجهر والخفت، والنطق والسكوت، وقد يكون السماع بمعنى الإجابة والقبول، ومن هذا قول المصلي: سمع الله لمن حمده، معناه قَبِل الله حمْد من حمده"().
والعليم:هو المحيط علماً لكل شيء ظاهره وباطنه، دقيقه وجليله، أوله وآخره، فاتحته وعاقبته، وهو العالم والكاشف بكل شيء، وهو الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه قاصية ولا دانية().وهذه الآية هي رخصة للقواعد من النساء في وضع الحجاب"وجملة: والله سميع عليم مسوقة مساق التذييل للتحذير من التوسع في الرخصة أو جعلها ذريعة لما لا يحمد شرعا، فوصف «السميع» تذكير بأنه يسمع ما تحدثهنّ به أنفسهنّ من المقاصد، ووصف «العليم» تذكير بأنه يعلم أحوال وضعهنّ الثياب وتبرجهنّونحوها"().فسوق الله لهذين الاسمين حثّ ضمني لوجوب مراقبة الله في الأقوال والأعمال والنواياوفي ذلك دلالة على:- تحذير المرأة أن تخوض بقول أو تعمل عملا أو تبطن نية فيها ما لا يرضى الله في هذه العبادة.
- ولتعلم أن ترك الحجاب بغير التبرج إنما هي رخصة، وإن الأصل هو الحجاب فلا تدفعها نفسها للتساهل بهذا الحكمالشرعي.
الموطن الثاني: في قوله تعالى: (
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ

) [الأحزاب:59]، ورد اسمَي الله الغفور والرحيم، فالغفور:"هو الذي يكثر من المغفرة والستر على عباده، وهذا الاسم ينبئ عن مبالغة ناشئة،بالإضافة إلى مغفرة متكررة مرة بعد أخرى، فهو غفور بمعنى أنه تام الغفران حتى يبلغ أقصى درجات المغفرة، والتخلق بهذا الاسم يستدعي مداومة الاستغفار، ومسامحة العباد فيما يرتكبونه".()والرحيم:"خاص في رحمته لعباده المؤمنين، بأن هداهم إلى الإيمان، وأنه يثيبهم الثواب الدائم الذي لا ينقطع في الآخرة، وهو الذي يغيث المساكين ويرأف بعباده أجمعين طائعهم وعاصيهم".()"( الغفور )لما سلف منهنّ من تركهنّ إدناءهنّ الجلابيب عليهنّ، (الرحيم)بهن أن يعاقبهن بعد توبتهن بإدناء الجلابيب عليهن"().فهو يغفر ما مضى وسلف من ترك الحجاب ويرحمهنّ بعد توبتهنّ والامتثال لأمره.وفي الآية الأولى الرخصة للقواعد من النساءتحذير وفي آية الأمر بالحجاب فتح لباب المغفرة والرحمة:ويتجلى من ذلك أمرين:الأول: أن الله يغفر ما مضى وسلف من ترك الحجاب ويرحمهنّ بعد توبتهنّ والامتثال لأمره.والثاني: أن الله أمربالحجاب ولكن يغفر التقصير فيه؛ما دمت عاملا به مجتهدا. قال الله تعالى:(
نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ
) [الحِجر:49-50]
الثالث: أن تعلم القواعد من النساء أن الله عندمارخّص في وضع الحجاب الذيكنّمكلفات بهمن قبل، أن الله مطّلع عليهنّ سميع وعليم بحالهنّ، فلا تدفعهنّ أنفسهنّ للتساهل بالحجاب؛ فإنه يعلم ما يخفينّ وما يسررنّ.
المنهج الإجرائي المستمد:بيان معاني أسماء الله تعالى للنساء في دعوتهنّ للحجابيسهل عليهنّ استجابتهنّلحكم الله وامتثال ما أمر الله به لا سيما الأسماء الواردة في الآيات.
ابتداء الأمر بالحجاب للبيت النبوي ودلالاته:
بدأ الله الأمر بالحجاب للبيت النبوي الشريف، من أمهات المؤمنين أزواجه الطاهرات، وعطف ببناته العفيفات، فقال تعالى: (
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) [الأحزاب:59]
ويستنبط من ابتداء الله الأمر في آية الحجاب بالبيت النبوي عدة أمور:
1) "ويبدأ بزوجاته وبناته، لأنهنّآكد من غيرهنّ، ولأن الآمر لغيره ينبغي أن يبدأ بأهله"().
2) وقدّم الزوجات : "بدأ بهنّلما لهنّ به من الوصلة بالنكاح، ثم ثنى بالبنات لما لهنّ من الوصلة ولهنّ في أنفسهن من الشرف"().
3) "وابتدئ بأزواج النبي-- وبناته لأنهنّ أكمل النساء، فذكرهنّمن ذكر بعض أفراد العام للاهتمام به"().ودلالة على طهر هذا البيت وخصيصته على غيره.
4) تقديم الذكر لهنّ فيه قرينة على أن المقصود بالإدناء، فيه معنى ستر الوجه، إذ لا خلاف على وجوب ستر أمهات المؤمنين لوجوههنّ.قال الشنقيطي:"ووجوب احتجاب أزواجه وسترهنّوجوههنّ، لا نزاع فيه بين المسلمين. فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدل على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب، كما ترى"().
5) وكذلك الابتداء بهنّ لأنهنّ قدوة وأسوة لمن بعدهنّ من نساء المؤمنين كونهنّ من بيت النبوة.
المنهج الإجرائي المستمد:
1) الواجب على الدعاة البدء بأهلهم وحث نسائهم على الستر والعفة.
2) بيان شرف هذه العبادة حيث قدّم الأمر بالحجاب لأهل البيت النبوي الشريف.
3) الدلالة على البيان الوصفي للحجاب المأمور به، إذ لا خلاف عند العلماء على وجوب تغطية أمهات المؤمنين لوجوههنّ.
صفة الحجاب الشرعي من النص القرآني:

مما سلف من آيات الحجاب وتفسيرها،يتلخص لنا صفة الحجاب في القرآن الكريم في عدة أوصاف:
1) أنه يجب على المرأة أن تستتر عمّن دون المحارم وهم: الزوج والأب ووالد الزوج والابن وابن الزوج والإخوان وأبناء الإخوان وأبناء الأخوات والنساء المؤمنات وملك اليمين و التابعين غير أولي الأرب بالنساء والأطفال.
2) أن الحجاب الساتر هوأن تغطي المرأة سائر جسدها، والذي إن أخلّت بهسيُتعرف عليها.
3) وجوب تغطية الوجه إذ هو أكثر ما ستُعرف به المرأة.
4) أنه يعفى عمّا يتحرّج في ستره مثل خارج الثياب والطول.
5) يرخص للقواعد من النساء في وضع الثياب عن وجوههنّ إذا لم يكن هناك تبرج بزينة.
6) أن يكون الحجاب مما لا يدعوا الرجال للنظر لهنّ فإن الآيات تدعو إلى قطع أسباب الفتنة والفاحشة.
7) أن الأصل للمرأة القرار في بيتها،ولا تخرج إلا لحاجة.
المنهج الإجرائي المستمد:
الالتزام بالحجاب الشرعي كما وصفه الله تعالى.
دلالات من آيات الحجاب
بعد التأمل في آيات الحجاب، وإضافة على ما سبق بيانه؛تظهر دلالات أعمق، واستنباطات أدق، منها ما يلي:1) ورود النص القرآني الذي يأمر بالحجاب في خمس آياتيدل على أهمية هذه العبادة.
2) الحجاب من العبادات التي نادى الله النبي -- فيها بوصف النبوة، فقد ناداه الله في ثلاثة عشر موضعا: في الجهاد()، والأمر بالتقوى وعدم طاعة الكفار والمنافقين()، واثبات الرسالة له --()، و في تخيير نساءه بين الحياة الدنيا وإرادة الله ورسوله()، وما أحل الله له - - من النساء()، والحجاب()،والطلاق()، والنهي عن تحريم ما أحل الله()، فكل الآيات تدل على أمور عظام في الشريعة، بل أمور تفصل بين حدين من حدود الله عظيمين، والحجاب من ضمن هذه العبادات فهو يحول بين الطهر والفواحش.
3) لم يرد نداء النبي - - ثم أمره بتبليغ لزوجاته حكما إلا في أمرين، وهي: تخييرهنّ بين إرادة الله والرسول أو الحياة الدنيا، وأمرهنّ بالحجاب، وفي هذا تنبيه على عظمة الأمرين جميعا.
4) ذكر بنات النبي - - في هذا الموضع فقط؛ فيه دلالة على عظمة الأمر، وتأكيده على أفراد آل بيت النبي- - كل هذا فيه دلالة على أهمية الحجاب، والمعلوم أن بيت النبي -- أطهر البيوت وأزكاها، كما قال الله تعالى:(
إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا
) [الأحزاب:33].
5) أضاف الله النساء للمؤمنين في موضع واحد، وهو في آية الحجاب وفي ذلك دلالة على:
- وجوب استرعاء المؤمنين للنساء، لأنه سبحانه أضافهنّللمؤمنين.
- وفيه دلالة على أن تمام هذه العبادة يتحقق بالتعاون بين النساء وولاة أمورهنّ.
6) الحجاب من العبادات التي أمر الله بها ثم أتبعها ببيان الحكمة منها والغاية في تشريعها.
7) اتباع الأمر بالحجاب باسم الله الغفور والرحيم؛ يدل على وقوع الزلل فيه لا محالة مهما اجتهدت المرأة في الستر ناهيك عن التفريط فيه.
8) كذلك في الأمر بالحجاب من اللين في الخطاب مع النساء؛وذلك أنه لم يباشرهن بالأمر، وابتدأ الآية بنداء النبي - - بصفة النبوة، و ابتدأ الأمر بآل بيته وعددهم عدا، ثم أضافهنّ إلى النبي- - بكاف الخطاب تشريفا لهنّ، كما شرّف النساء بإضافتهنّ للمؤمنين، وخاطب بذلك إيمانهنّ وولاة أمورهنّ ضمنا، ثم بيّن لهنّ صفة الحجاب وصفا دقيقا والحكمة المتحققة بتحقيق ما أمرن به، وأتبعها بالمغفرة .
كل هذا طريقة قرآنية تحثّ المؤمنات على امتثال الامر بما لا يترك مجالا إلا الاذعان والانقياد.