صدر بحمد الله كتابي: (المُعَلَّى، موجز النحو بشواهد القرآن والحديث والشعر) عن دار اللباب بإسطنبول.
وهذا جزء من مقدمة الكتاب:
"...واقتصرت في القرآن الكريم على القراءات السبع بحسب ما في كتاب "التيسير" للإمام الداني -- ولم أخرج عنها إلا قليلًا، وتجد نسبة القراءات إلى قرائها في الحاشية، واختصرت العبارة في كثير من المواضع فذكرت إحدى القراءتين حين يكون الخلاف واضحًا، على نحو ما قال الإمام الشاطبي:
وما كان ذا ضدٍّ فإني بضدِّه غَنِيٌّ، فزاحِمْ بالذَّكاء لِتَفْضُلا
وربما أوضحت القراءة بمصطلحات النحو، لأن الإمام الداني عوَّل على اللفظ فحسب، مراعاةً لمن لا يتقن العربية، وسدًّا لباب الاشتباه في ضبط القراءة.

وهذه الشواهد القرآنية جمعتها من كل مصدر يدلُّ عليها، من كتب النحو، ومن كتب علوم القرآن الكريم، ومن كتب العلم الأخرى، ومن الحفظ، ومن المعاجم المفهرسة لألفاظ القرآن الكريم، ومن محركات البحث الحاسوبية، ومن كتاب الشيخ محمد عبد الخالق عضيمة -- الذي سماه تواضعًا: "دراسات لأسلوب القرآن الكريم"، وحقه أن يسمَّى: الجمهرة النحوية الصرفية للقرآن الكريم.

فإذا كان للمسألة تعلقٌ باللفظ، وذلك في الأدوات والصِّيَغ الصرفية، فإن الشيخ -- أحصى ذلك، وبقيَ مجالٌ واسعٌ بعدَ ما ذكر لتفصيل المعاني والأنواع والاستعمالات.

وإذا كان تعلق المسألة بالمواقع النحوية، فإن كتاب الشيخ فهرسةٌ لما ورد في مراجعه من الآي ولكلام العلماء عليها، فأما كتب النحو فعُمدتها في كتابه: "كتاب سيبويه"، و"المقتضب" للمبرد، و"شرح ابن يعيش" على المفصل، و"شرح الرضي" على الكافية، و"مغني اللبيب" لابن هشام. وأما كتب الإعراب فعمدتها فيه: "تفسير الزمخشري"، و"إعراب العكبري"، و"البحر المحيط" لأبي حيَّان، و"حاشية الجَمل" على الجلالين.

وعناية هؤلاء المؤلفين والمعربين في الغالب بالمشكلات والخفيَّات، لا بالواضحات، فالمعرِب لا يذكر كل مبتدأ أو خبر، ولا كل فاعل أو مفعول، ولا كل مضاف إليه أو مجرور، ولا كل حال أو تمييز، والمؤلف لا يستشهد لكل ذلك بالقرآن، ولذلك بقي مجالٌ واسعٌ في الإعراب والاستشهاد النحوي للاستنباط والاستخراج، فيما ذكروه وفيما لم يذكروه، وهو ما اجتهدتُ فيه، فجمعت ما وجدت وما استخرجت بعضَه إلى بعض، وفصَّلت المعاني والأنواع، وصنَّفت الآي عليها، وحقَّقت النظر في كثير من الأعاريب والمعاني، أو رجَّحت بعض الآراء.

وقد وُضع هذا العمل لمن لهم صلة وثيقة بالقرآن الكريم، يألفونه أو يحفظونه، ففيه كثير من الإشارات إلى الأشباه والنظائر اعتمادًا على المعرفة. وسُقْت الآي بقراءة الإمام نافع إن لم يكن الشاهد في قراءة بعينها، لأنها القراءة التي أقرأ بها.

وإذا كان في المسألة وَفْرَةٌ من الشواهد أكثرتُ منها وصنَّفتُها، ليَتَمَرَّن بها الطالب، ويعرفَ إعرابَها القارئ. وحاولت أن أجاري ابن هشام -- في تفنُّنه في إيراد الشواهد القرآنية، وقد شرحت ذلك في بحثي الموسوم: "فن الاستشهاد بالقرآن الكريم عند ابن هشام"، وهو منشور على الشبكة، وفي غير مجلة.

وفي الحديث الشريف اعتمدت على صحيحي "البخاري" و"مسلم"، وحرصت على نسبة اللفظ إلى راويه في الغالب، وعلى تمييز ما اتفقا عليه مما انفرد به أحدهما، ولم أَخْرُج عنهما إلا قليلًا. وانتفعت بكتاب ابن مالك: "شواهد التصحيح والتوضيح لمشكلات الجامع الصحيح"، وما فيه قليلٌ من كثير.

وفي الشعر كان عمدتي "الحماسة" لأبي تمام في الغالب، فإن لم أجد فيها البغية رجعتُ إلى "أشعار الهذليين"، و"المفضليات" و"الأصمعيات"، وربما خرَجْتُ عن كل ذلك إلى مختارات ودواوين أخرى. ونسبتُ الشعر إلى صاحبه في الحاشية، وذكرت طبقته جاهليًّا أو مخضرمًا أو إسلاميًّا أو مُحْدَثًا، وتابعت العلماء في هذا الباب، ودَلَلْتُ على تحقيقاتهم فيما اختُلف فيه، وعنَّتْ لي في مواضع أبحاثٌ في نسبة الشعر وتخريجه ذكرتها، وإذا تكرر البيت وكان الكلام عليه قليلًا أعدته. ولك أن تعد هذه الحاشية كتابًا آخر، ففيها كثير من الشرح والتفصيل.

ولم يكن استقصاء تخريج الشعر من همِّي، ولكني في كل شاهد ذكرت أَوْلى مصادره به، لأنه الأقدم أو الأوثق أو الأشهر، أو لأنَّ مَنْ بعده أخذ عنه، وحرَصت مع ما سلف من أصول المنتخَبات أن أردَّ الشاهد إلى "الكامل" و"أمالي القالي" و"الأغاني" إن كان فيهن، ثم "عيون الأخبار" و"الشعر والشعراء" و"العقد"، ثم سائر المراجع. وانتفعت بتخريج المخرِّجين للمنتخَبات والمجاميع والدواوين. وإذا قلت: الحماسة بلا قيد، فهي حماسة أبي تمام، وإذا قلت: الأمالي بلا قيد، فهي أمالي القالي. وقد تخففت في أكثر المواضع من ذكر الصفحات لا سيَّما في الكتب المفهرسة. وإذا كان صاحب الشعر من أصحاب الدواوين المشهورة فالسكوت عليه دليل على أنه في الديوان.

وإذا كان البيت مستشهَدًا به في كتب النحو أو كتب اللغة ذكرتُ مَن استشهد به في أغلب المواضع، متحريًّا أن يكون أصلًا يأخذ عنه مَن بعده. وليس كلُّ ما دَلَلْت على المستشهِد به من النحويين أخذتُه عنه، لأنه يقع أن آخذَ البيت من دواوين الشعر ثم أجدَه مستشهَدًا به في كتب النحو، ويقع أيضًا أن آخذه من كتب النحو، ثم أستوثق منه في دواوين الشعر. كلاهما يكون.
وكنت في إثباتي للشواهد الشعرية أتخيَّر الأشهر أو الأسهل في اللفظ، والأوضح أو الأنفع في المعنى، وربما احتاج المعنى إلى ذكر البيتين والأبيات، أو استجدتُ الشعر، أو وجدت في بقيته شواهد أخرى للمسألة أو الباب، فأسوق كل ذلك. وشرحت الغريب من ألفاظ الشعر، أو المشكل من معانيه، بأوجز عبارة.

وفي المسائل كانت عنايتي بما له أثر في اللفظ أو المعنى، أي في النطق أو الفهم، وأضربتُ عما سوى ذلك، من المناقشات النظرية، والعلل البعيدة الظنية، والتحكُّمات والافتراضات التي لا واقع لها في الاستعمال، وستجد في هذا الكتاب كثيرًا من الاختيارت والتحقيقات مبنيَّة على هذا الأصل، وستجد أيضًا كثيرًا من المعاني المستنبَطة والمفصَّلة، والاستعمالات المستخرَجة من الشواهد، لا سيَّما في معاني الأدوات ووظائفها.

وقد عُنيت بالأمثلة المأثورة لا سيَّما عن سيبويه -- فما كان مثالًا موضوعًا -وهو قليل- أخليته من علامة التنصيص، وما كان مثالًا للنحويين الأوائل أو تركيبًا مأثورًا عن العرب جعلته بين هاتين الحاصرتين " "، وهما أيضًا للأحاديث النبوية، وكل منقول منصوص، لأَمِيزَه عن الكلمات والآيات القرآنية، فلها هذان القوسان ﴿ ﴾ مع إشباع الخط، وفي شواهد الحديث والشعر يكون الإشباع لكلمة الشاهد فحسب، وفي الحاشية يكون هذان القوسان ( ) للألفاظ المشروحة من الشواهد للفت النظر إليها.

وقد اهتديت بأبواب "الألفية" وشروحها، وبمسائل شرحَيْ "قطر النَّدى" و"شذور الذهب". وهذه الأبواب والمسائل قَدْرٌ قليل من النحو يفيد المتوسّطين الذين شَدَوُا المبادئ والأصول. فإن لقي هذا الكتاب قبولًا، واحتاج إلى توسعة وزيادة، فعلت ذلك، إن شاء الله. وإن وجده أهل العلم نافعًا، ثم رأوا فيه خللًا، فإني ألتمس منهم أن يدلوني عليه، فإني أصلحه، إن شاء الله.