بسم الله ‏والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله اما بعد ،،


لقد أنعم الله على هذه الأمة نِعَماً كثيرة تُعَدُّ ولا تحصى قال تعالى
﴿وَإِن تَعُدّوا نِعمَةَ اللَّهِ لا تُحصوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفورٌ رَحيمٌ﴾ [النحل: ١٨]
أي أن عَدْ النعم ممكن والإحصاء غير ممكن.

ومن تلك النعم يوم الجمعة الذي هو أفضل أيام الأسبوع
قال رسول .
(( خيرُ يومٍ طلعت عليه الشَّمسُ ، يومُ الجمعةِ . فيه خُلِق آدمُ . وفيه أُدخل الجنَّةَ . وفيه أُخرج منها . ولا تقومُ السَّاعةُ إلَّا في يومِ الجمعةِ )) ،،،، رواه مسلم وغيره


وقد تفضل الله بكرمه علينا أن هدانا ليوم الجمعة وأضل عنه من كان قبلنا من اليهود والنصارى وذلك بسبب اختلافهم على أنبيائهم فجعل الله على اليهود السبت فعظموه وتركوا العمل فيه وتفرغوا للعبادة كما قال تعالى ﴿إِنَّما جُعِلَ السَّبتُ عَلَى الَّذينَ اختَلَفوا فيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحكُمُ بَينَهُم يَومَ القِيامَةِ فيما كانوا فيهِ يَختَلِفونَ﴾ [النحل: ١٢٤]
و قال الرسول
(( نحن الآخِرون الأوَّلون يومَ القيامةِ . ونحن أوَّلُ من يدخلُ الجنَّةَ . بَيْدَ أنَّهم أُوتوا الكتابَ من قبلنا وأُوتيناه من بعدهم . فاختلفوا فهدانا اللهُ لما اختلفوا فيه من الحقِّ . فهذا يومُهم الذي اختلفوا فيه . هدانا اللهُ له ( قال يومَ الجمعةِ ) فاليومُ لنا . وغدًا لليهودِ . وبعد غدٍ للنَّصارَى ))
وفي لفظ ثم هذا يومُهم الذي فُرضَ عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا اللهُ ،، رواه البخاري ومسلم وغيرهما




وفي هذا البحث سأذكر ساعة الإجابة بالتحديد مع ذكر الدليل إن شاء الله السديد


قال تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِذا نودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ فَاسعَوا إِلى ذِكرِ اللَّهِ وَذَرُوا البَيعَ ذلِكُم خَيرٌ لَكُم إِن كُنتُم تَعلَمونَ ۝ فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِروا فِي الأَرضِ وَابتَغوا مِن فَضلِ اللَّهِ وَاذكُرُوا اللَّهَ كَثيرًا لَعَلَّكُم تُفلِحونَ ۝ وَإِذا رَأَوا تِجارَةً أَو لَهوًا انفَضّوا إِلَيها وَتَرَكوكَ قائِمًا قُل ما عِندَ اللَّهِ خَيرٌ مِنَ اللَّهوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيرُ الرّازِقينَ﴾ [الجمعة: ٩-١١]
وجاء في سبب نزول هذه الآية
قال جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَجَاءَتْ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ، فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا، حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سورة الْجُمُعَةِ :
وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا
رواه البخاري ومسلم وغيرهما وهذا لفظ مسلم
وفي رواية عند البخاري عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ : أَقْبَلَتْ عِيرٌ وَنَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُمُعَةَ، فَانْفَضَّ النَّاسُ إِلَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا


وقوله ونحن نصلي أي ننتظر الصلاة فيه دليل على ما قاله أهل العلم تسمية الشيء بما يقاربه ،، أو أن ما يقرب من الشيء يعطى حكمه ..وأيضاً أن الذي يجلس يستمع للخطبة يطلق عليه أنه يصلي لأن الرواية الأخرى فيها
والرسول يخطب ،،، وهذا احد أوجه الترجيح كما سأذكره .. لأن الحديث المتفق عليه فيه وهو قائم يصلي


وفي قوله تعالى وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا
أن الصحابة كانوا في حاجة للتجارة و الأمتعة والمؤن فلما جاءت قافلة محملة بالأمتعة والأطعمة خرجوا إليها وتركوا الرسول يخطب
وكانت القوافل عند قدومها يضرب عليها بالدفوف والآلات ليسمعوا الناس بها ويخرجوا لها ،،،
وفي قوله ( انفضوا إليها ) دليل على أنهم خرجوا من المسجد لحاجتهم للتجارة وشراء ما يحتاجونه منها ، ولم يخرجوا للَّهو فإنه لم يقل انفضوا إليهما ،،
ففي الآية أمر إلهي لهذه الأمة بالتوجه إلى صلاة الجمعة وسماع الخطبة وترك البيع ويشمل كل شيء يشغل ويلهي عن ذكر الله التي هي خطبة الجمعة ،
وأن هذا الأمر الإلهي خير لهم من البيع وغيره من أمور الدنيا ،، فرضي الله عن الصحابة أجمعين وعلى من تبعهم إلى يوم الدين فقد استجابت الأمة وانصاعت لأوامر الله فلم يخالفوه بل تركوا ما ترغب به أنفسهم وما فيه مصلحتهم فعوضهم الله الكريم العظيم خير تعويضٍ وجزاهم أعظم جزاء بساعة الجمعة يستجاب لهم فيها ما سألوه من خيري الدنيا والآخرة ،،،بدون أي تعب أوعناء وفي برهة من الزمن قصيرة يسألون الله من خيري الدنيا والآخرة فلم يشق عليهم وسيأتي تحديدها ،،،،


وقد جاء في الحديث الصحيح قال المصطفى عليه الصلاة والسلام
(( إنك لن تدَعَ شيئًا إتقاءَ اللهِ إلا أعطاك اللهُ خيرًا منه).رواه أحمد


وقد جاءت أحاديث في ساعة الجمعة


منها ما جاء عن أبي هريرة في صحيح البخاري أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذكَر يومَ الجمُعةِ، فقال : فيه ساعةٌ، لا يُوافِقُها عبدٌ مسلمٌ، وهو قائمٌ يُصلِّي، يَسأَلُ اللهَ تعالى شيئًا، إلا أعطاه إياه . وأشار بيدِه يُقَلِّلُها .


وفي رواية في صحيح مسلم إنَّ في الجمعةِ لساعةٌ . لا يوافقُها مسلمٌ قائمٌ يصلِّي ، يسألُ اللهَ خيرًا ، إلَّا أعطاه إيَّاه . وقال بيدِه يقلِّلُها ، يزهِّدُها .
وقد اتفق البخاري ومسلم على هذا الحديث بدون تحديد لوقت الساعة فرواية أنها بعد العصر في هذا الحديث مدرجة وليست ثابتة من كلام الرسول كما سأذكر ،،
ويستنبط من هذا الحديث أنها ؛ ساعة يعني فترة زمنية لها أول ولها آخر وهي قليلة في زمنها أو خفيفة كما في رواية أخرى وأن المسلم يوافقها وهو قائم يصلي فإما هو في صلاة أو ملازم للمسجد ينتظر إقامة الصلاة ،،،


وفي صحيح مسلم عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري - قال لي عبدُ اللهِ بنُ عمرَ : أسمعتَ أباك يحدِّثُ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في شأنِ ساعةِ الجمعةِ؟ قال قلتُ : نعم . سمعتُه يقول : سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول : " هي ما بين أن يجلسَ الإمامُ إلى أن تُقضى الصلاةُ " .


وهذا هو القول الأول في وقت ساعة الإجابة
والقول الثاني المشهور عند العلماء هي أنها بعد العصر أو آخر ساعة من يوم الجمعة
جاء في حديث أبي هريرة أنه قال أتيتُ الطُّورَ فوجَدتُ ثمَّ كعبًا، فمَكَثتُ أَنا وَهوَ يومًا أحدِّثُهُ عن رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، ويحدِّثُني عنِ التَّوراةِ، فقلت لَهُ: قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ: خيرُ يومٍ طلعت فيهِ الشَّمسُ يومُ الجمعةِ، فيهِ خُلِقَ آدمُ، وفيهِ أُهْبِطَ، وفيهِ تيبَ علَيهِ، وفيهِ قُبِضَ، وفيهِ تقومُ السَّاعةُ، ما علَى الأرضِ من دابَّةٍ إلَّا وَهيَ تصبحُ يومَ الجمعةِ مُصيخةً، حتَّى تطلعَ الشَّمسُ شفقًا منَ السَّاعةِ إلَّا ابنَ آدمَ، وفيهِ ساعةٌ لا يصادفُها مؤمنٌ وَهوَ في الصَّلاةِ يسألُ اللَّهَ فيها شيئًا إلَّا أعطاهُ إيَّاه فقالَ كعبٌ: ذلِكَ يومٌ في كلِّ سَنةٍ، فقلتُ: بل هيَ في كلِّ جُمُعةٍ، فقرأَ كعبٌ التَّوراةَ، ثمَّ قالَ: صدقَ رسولُ اللَّهِ هوَ في كلِّ جمعةٍ. فخرَجتُ فلقيتُ بَصرةَ بنَ أبي بَصرةَ الغفاريَّ، فقالَ: من أينَ جئتَ؟ قلتُ: منَ الطُّورِ، قالَ: لو لقيتُكَ مِن قبلِ أن تأتيَهُ لم تأتِهِ، قلتُ لَهُ: ولِمَ؟ قالَ: إنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ يقولُ: لا تَعملُ المِطى إلَّا إلى ثلاثةِ مساجِدَ: المسجدِ الحرامِ ومسجدي ومسجدِ بيتِ المقدسِ فلَقيتُ عبدَ اللَّهِ بنَ سلامٍ، فقلتُ: لو رأيتَني خَرجتُ إلى الطُّورِ فلقيتُ كعبًا فمَكَثتُ أَنا وَهوَ يومًا أحدِّثُهُ عن رسولِ اللَّهِ ويحدِّثُني عنِ التَّوراةِ، فقلتُ لَهُ: قالَ رسولُ اللَّهِ خيرُ يومٍ طلعت فيهِ الشَّمسُ يومُ الجمعةِ فيهِ خلقَ آدمُ، وفيهِ أُهْبِطَ، وفيهِ تيبَ علَيهِ، وفيهِ قُبِضَ، وفيهِ تقومُ السَّاعةُ، ما علَى الأرضِ من دابَّةٍ إلَّا وَهيَ تصبحُ يومَ الجمعةِ مُصيخةً حتَّى تطلعَ الشَّمسُ شفقًا منَ السَّاعةِ إلَّا ابنَ آدمَ، وفيهِ ساعةٌ لا يصادفُها عبدٌ مؤمنٌ وَهوَ في الصَّلاةِ يسألُ اللَّهَ فيها شيئًا، إلَّا أعطاهُ إيَّاه قالَ كعبٌ: ذلِكَ يومٌ في كلِّ سنةٍ، فقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ سلامٍ: كذَبَ كعبٌ، قلتُ: ثمَّ قرأَ كعبٌ، فقالَ: صدقَ رسولُ اللَّهِ هوَ في كلِّ جمعةٍ، فقالَ عبدُ اللَّهِ: صدقَ كعبٌ إنِّي لأعلَمُ تلكَ السَّاعةَ، فقلتُ: يا أخي، حدِّثني بِها، قالَ: هيَ آخرُ ساعةٍ من يومِ الجمعةِ قبلَ أن تغيبَ الشَّمس فقُلتُ: أليسَ قد سَمعتَ رسولَ اللَّهِ يقولُ: لا يصادفُها مؤمنٌ وَهوَ في الصَّلاةِ، وليسَت تلكَ السَّاعةَ صلاةٌ، قالَ: أليسَ قد سمعتَ رسولَ اللَّهِ يقولُ: مَن صلَّى، وجلسَ ينتظرُ الصَّلاةَ لم يزَل في صلاتِهِ حتَّى تأتيَهُ الصَّلاةُ الَّتي تُلاقيها قلتُ: بلَى، قالَ: فَهوَ كذلِكَ .
رواه النسائي وابن حبان وغيرهما
فهذا الحديث صحيح وهو كما ترى من كلام عبدالله بن سلَام وهو من علماء اليهود الذين أسلموا وقد أخرجه عبدالرزاق في مصنفه باسناد صحيح من قوله أيضا فهو موقوف صحيح وجاء برواية أخرى أنها من كلام الرسول وقال ابن رجب في شرحه للبخاري والموقوف أصح وكذلك قاله ابن حجر وقال العقيلي إن أحاديث فضل الساعة التي في يوم الجمعة ثابتة من كذا وجه ولكن الرواية التي فيها التوقيت أو بعد العصر ففيهما لين ،، ..
وفي حديث عند أبي داود والنسائي أن أَبَا سَلَمَةَ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - حَدَّثَهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ - يُرِيدُ : سَاعَةً - لَا يُوجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ؛ فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ ".
فالحديث حسن أو صحيح لكن قوله فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر
قال عنها ابن عبدالبر أنها مدرجة من كلام أبي سلمة فلم يصحح حديث أبي سلمة عن جابر ولا عن أبي سعيد وصحح رواية ابي هريرة بدون توقيت ،،


وجاء عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ، قَالَ : قُلْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ : إِنَّا لَنَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ : فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا قَضَى لَهُ حَاجَتَهُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَأَشَارَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَوْ بَعْضُ سَاعَةٍ ". فَقُلْتُ : صَدَقْتَ أَوْ بَعْضُ سَاعَةٍ. قُلْتُ : أَيُّ سَاعَةٍ هِيَ ؟ قَالَ : " هِيَ آخِرُ سَاعَاتِ النَّهَارِ ". قُلْتُ : إِنَّهَا لَيْسَتْ سَاعَةَ صَلَاةٍ. قَالَ : " بَلَى، إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا صَلَّى، ثُمَّ جَلَسَ لَا يَحْبِسُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ فَهُوَ فِي الصَّلَاةِ " رواه أحمد وابن ماجه واللفظ له


وقد قال ابن رجب ورواته كلهم ثقات؛ لكن له علةٌ مؤثرةٌ، وهي أن الحفاظ المتقنين رووا هذا الحديث، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، في ذكر ساعة الإجابة يعني بدون تحديد الساعة
، وعن عبد الله بن سلامٍ في تعيينها بعد العصر.
فيظهر أن تعيين الساعة بعد العصر لم يثبت فيها حديث صحيح صريح بالرفع
وإنما هو قول عبدالله بن سلام وجده في كتاب الله ويقصد بالكتاب التوراة ومعلوم أن التوراة وقع عليها نصيب من التحريف ،،


و هذا الحديث جاء في آخره " بَلَى، إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا صَلَّى، ثُمَّ جَلَسَ لَا يَحْبِسُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ فَهُوَ فِي الصلاة "
وقوله إذا صلى معناه أنه دخل المسجد بعد الأذان فصلى تحية المسجد أو السنة الراتبة القبلية وجلس ينتظر الصلاة فهنا الصلاة تحبسه فلا يجوز له أن ينقلب إلى أهله حتى يؤدي الصلاة التي هي حابسته وقد اتفق العلماء أنه لا يجوز لمن كان في المسجد بعد الأذان أن يخرج منه إلا لضرورة لما رواه مسلم وغيره عن أَبِي الشَّعْثَاءِ ، قَالَ : كُنَّا قُعُودًا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ يَمْشِي، فَأَتْبَعَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بَصَرَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَمَّا هَذَا فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فيكون الجالس في المسجد بعد الأذان في صلاة ما انتظر الصلاة فإن من يقرب من شيء يعطى حكمه وهذه قاعدة متفق عليها عند الفقهاء
وبعد صلاة العصر ليس وقت صلاة فإن صلاة المغرب لا تحبس الجالس في المسجد فيجوز له بالاتفاق أن يخرج من المسجد ولا تمنعه من الانقلاب إلى أهله
إلا إذا أذن المغرب وهو في المسجد ينتظر الصلاة فهنا تكون صلاة المغرب حابسةً له وبعد مغيب الشمس يكون يوم الجمعة قد مضى ،، والرسول نص على أن ساعة الجمعة في الجمعة .


أما منتظر الصلاة في أي وقت له أجر الانتظار فلو جلس من بعد العصر ينتظر صلاة المغرب له أجر الانتظار ، ولكن لا ينطبق عليه حكم أنه في صلاة
فقد جاءت عدة روايات صحيحة ثابتة بهذا المعنى عن أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " صَلَاةُ الْجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وَأَتَى الْمَسْجِدَ، لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ ، وَتُصَلِّي - يَعْنِي عَلَيْهِ - الْمَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ. مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ
وفي رواية لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ ، لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ.
وهذا الحديث متفق عليه ورواه أيضا أهل السنن ومالك في الموطأ وأحمد في مسنده
والقيد الذي ذكره الرسول " لا يزال أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ " يبين أن القول بأن ساعة الجمعة بعد العصر لاينطبق عليها هذا القيد وهو مما اختلف فيه أهل الكتاب وحرفوه وجاء الحق ليبين لهم الذي اختلفوا فيه وقد سبق أنهم اختلفوا في يوم الجمعة وهدانا الله له فمن باب أولى اختلافهم في ساعة الجمعة
كما قال تعالى ﴿إِنَّ هذَا القُرآنَ يَقُصُّ عَلى بَني إِسرائيلَ أَكثَرَ الَّذي هُم فيهِ يَختَلِفونَ﴾ [النمل: ٧٦]
وقال تعالى ﴿يا أَهلَ الكِتابِ قَد جاءَكُم رَسولُنا يُبَيِّنُ لَكُم كَثيرًا مِمّا كُنتُم تُخفونَ مِنَ الكِتابِ وَيَعفو عَن كَثيرٍ قَد جاءَكُم مِنَ اللَّهِ نورٌ وَكِتابٌ مُبينٌ ۝ يَهدي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخرِجُهُم مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النّورِ بِإِذنِهِ وَيَهديهِم إِلى صِراطٍ مُستَقيمٍ﴾ [المائدة: ١٥-١٦]
وهذا القول بأن ساعة الجمعة بعد العصر لا يصح ،، فإن المسلم الذي ينتظر مغيب الشمس ليس في صلاة ولا في حكم الصلاة ذلك أن صلاة المغرب لم يؤذن لها بعد فلا هي حابسته ،،،و لم أجد من صرح به بعد البحث المتواضع ،،، وابن حجر ذكر ثلاثة وأربعين قولا وزاد قول ابن الجزري في آخر كلامه عن اختلاف العلماء في وقت ساعة الجمعة من هذه الأقوال أربعة وثلاثين قولا ليس فيها ساعة العصر ،،
وبالعودة إلى حديث صحيح مسلم عن آبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري - قال لي عبدُ اللهِ بنُ عمرَ : أسمعتَ أباك يحدِّثُ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في شأنِ ساعةِ الجمعةِ؟ قال قلتُ : نعم . سمعتُه يقول : سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقول : " هي ما بين أن يجلسَ الإمامُ إلى أن تُقضى الصلاةُ " .
فإن هذا الحديث اعتمده بعض العلماء وصححوه ،، فروى البيهقي من طريق أبي الفضل أحمد بن سلمة النيسابوري أن مسلما قال : حديث أبي موسى أجود شيء في هذا الباب وأصحه ، وقال الدارقطني تفرد ابن وهب به وهو صحيح عنه ،،،
وبذلك قال البيهقي وابن العربي وجماعة ، وقال القرطبي : هو نص في موضع الخلاف فلا يلتفت إلى غيره ، وقال النووي : هو الصحيح بل الصواب ، وجزم في " الروضة " بأنه الصواب ورجحه أيضا بكونه مرفوعاً صريحاً وفي أحد الصحيحين .


وإذا أُمْعِنَ النظر في هذا الحديث ،،
فإن من بداية دخول الإمام وصعوده المنبر يسلم على المصلين فهنا الواجب رد السلام وبعده الأذان والسنة الترديد مع المؤذن فإذا انتهى المؤذن من أذانه فالسنة قول اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة إلى آخره ثم يبدأ الخطيب خطبته وهنا يجب الإنصات والإستماع له في الخطبتين وفي نهاية الخطبة يدعو الإمام والناس يؤمنون وليس هنا في هذه المواضع أن المصلي يدعو لنفسه وبعد الإنتهاء من الخطبة يستوي المصلون في صفوفهم ويشرع الإمام في الصلاة فلا تجد في تلك المواضع موضعاً يمكن أن يكون هو ساعة الجمعة ،، وقد قيل إن ساعة الجمعة في صلاة الجمعة نفسها ،، لأنك تناجي ربك وأنت الآن أمامه ،،
ولكن يعكِّر على هذا القول الحديث الذي رواه مسلم والدارمي وأحمد وجاء فيه خَطَبَنَا عَمَّارٌ ، فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا : يَا أَبَا الْيَقْظَانِ، لَقَدْ أَبْلَغْتَ وَأَوْجَزْتَ، فَلَوْ كُنْتَ تَنَفَّسْتَ . فَقَالَ : إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ - مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا ".
فقول الرسول طول صلاة الرجل يتبين به إنها ليست هي ساعة الإجابة لأن من وصف ساعة الإجابة المتفق عليه أنها قليلة في زمنها أو خفيفة أو زهيدة ..و من فقه الرجل قصر الخطبة وإيجازها فلا تكون الخطبة طويلة ..


فإذا عُلِمَ هذا وأمعنت النظر أيضاً أيها القارئ الكريم ،،،


وتدبرت في الجلسة بين الخطبتين فإنها جلسة قصيرٌ وقتها فليس فيها ذكر مشروع وليست جلسة استراحة يستريح فيها الخطيب من عناء الخطبة لأن الخطبة قصيرة ولم يذكر الرسول لها سبباً أو حكمة من تشريعها ،،،
وعند التدبر والتفكر لا تجد لها سبباً أو حكمةً في تشريعها ،،
إلا أنها نعمةٌ ربانية مباركة وهبةٌ عظيمة القدر والمنزلة حباها الله واسع الفضل والمنة لهذه الأمة عندما تركوا التجارة واللهو واستمسكوا بالأمر الرباني ولم يختلفوا على نبيهم فمن ترك شيئا لله عوضه الله خيراً منه فالتزموا الأمر وانصتوا للخطيب فجزاهم الله هذه الساعة التي هي الوقت بين الخطبتين ،


فإنها هي ساعة الإجابة في يوم الجمعة للأدلة التالية :
• ففي صحيح مسلم أنها بين أن يجلس الإمام إلى انتهاء الصلاة وهذا الوقت منها
• أنها ساعة وهي القطعة من الزمن تطول أوتقصر لها بداية ولها نهاية ووصفها بأنها قليلة أو زهيدة أو خفيفة فهذا الوصف ينطبق على وقت الجلسة بين الخطبتين فغير مشروع في الشرع إطالة هذا الوقت .
• وفي حديث إنَّ في الجمعةِ لساعةٌ . لا يوافقُها مسلمٌ قائمٌ يصلِّي ، يسألُ اللهَ خيرًا ..فإن هذا الوقت المسلم فيه قائم يصلي أي ملازم لمكانه منتظرٌ للصلاة كما قال تعالى ( إِلّا ما دُمتَ عَلَيهِ قائِمًا ) [آل عمران: ٧٥] أي ملازماً له .
• وينطبق عليه أنه في صلاة لأنه ينتظر صلاة الجمعة وهي حابسته فلا يجوز له أن ينقلب إلى أهله حتى يصلي .
• وكذلك له أن يسأل الله من خيري الدنيا والآخرة في الجلسة بين الخطبتين فإن له ذلك ..
ولا يرد على هذا البحث الذي وفقني الله عليه بالتسديد فعرفت فيه ساعة الإجابة بالتحديد ،، إلا : هل للنساء من نصيبٍ في هذه الساعة !؟


فالجواب : ليس هناك مانع من حضور النساء صلاة الجمعة في المسجد فقد كانت الصحابيات يحضرن صلاة الجمعة مع الرسول ففي الحديث الذي رواه مسلم والنسائي وأبوداود وأحمد ،
عَنْ بِنْتٍ لِحَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ : مَا حَفِظْتُ ق إِلَّا مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، قَالَتْ : وَكَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدًا.
فهذا يدل على حضور النساء المسجد وفي هذا العصر مصليات النساء في منعزل تام عن الرجال ولا محذور في ذلك وأما من كانت في بيتها فلا ينطبق عليها وصف ساعة الجمعة . مثلها مثل من كان صائما فدعوته عند الفطر مستجابه وغير الصائم لا ،، وكذلك دعوة المسافر مستجابة والحاضر لا ،، و من كان في وضع السجود في صلاته فهو أقرب للإجابة من لم يكن كذلك فالحاضرة من النساء في صلاة الجمعة لها تلك الساعة وغيرها لا .
وفي آخر هذا البحث أحمد الله أن أنعم علي بإخراجه للناس مساهمةً في الخير ورجاء ما عند الله ومشاركةً في نشر العلم
والله تعالى أعلم وأحكم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .....