قال شيخ الإسلام ابن تيمية – : الْإِنْسَانُ - وَكُلُّ مَخْلُوقٍ - فَقِيرٌ إلَى اللَّهِ بِالذَّاتِ ، وَفَقْرُهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ ، يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ إلَّا فَقِيرًا إلَى خَالِقِهِ ، وَلَيْسَ أَحَدٌ غَنِيًّا بِنَفْسِهِ إلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ ، فَهُوَ الصَّمَدُ الْغَنِيُّ عَمَّا سِوَاهُ ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إلَيْهِ ، فَالْعَبْدُ فَقِيرٌ إلَى اللَّهِ مِنْ جِهَةِ رُبُوبِيَّتِهِ وَمِنْ جِهَةِ إلَهِيَّتِهِ ، كَمَا قَدْ بُسِطَ هَذَا فِي مَوَاضِعَ ؛ وَالْإِنْسَانُ يُذْنِبُ دَائِمًا ، فَهُوَ فَقِيرٌ مُذْنِبٌ ، وَرَبُّهُ تَعَالَى يَرْحَمُهُ وَيَغْفِرُ لَهُ ، وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ، فَلَوْلَا رَحْمَتُهُ وَإِحْسَانُهُ ، لَمَا وُجِدَ خَيْرٌ أَصْلًا ، لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ ، وَلَوْلَا مَغْفِرَتُهُ لَمَا وَقَى الْعَبْدُ شَرَّ ذُنُوبِهِ ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ دَائِمًا إلَى حُصُولِ النِّعْمَة ، وَدَفْعِ الضُّرِّ وَالشَّرِّ وَلَا تَحْصُلُ النِّعْمَةُ إلَّا بِرَحْمَتِهِ ، وَلَا يَنْدَفِعُ الشَّرُّ إلَّا بِمَغْفِرَتِهِ ، فَإِنَّهُ لَا سَبَبَ لِلشَّرِّ إلَّا ذُنُوبُ الْعِبَادِ ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى : مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَالْمُرَادُ بِالسَّيِّئَاتِ : مَا يَسُوءُ الْعَبْدَ مِنْ الْمَصَائِبِ ؛ وَبِالْحَسَنَاتِ : مَا يَسُرُّهُ مِنْ النِّعَمِ . كَمَا قَالَ : وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ فَالنِّعَمُ وَالرَّحْمَةُ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ مِنْ اللَّهِ فَضْلًا وَجُودًا ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ حَقٌّ ، وَإِنْ كَانَ تَعَالَى عَلَيْهِ حَقٌّ لِعِبَادِهِ ، فَذَلِكَ الْحَقُّ هُوَ أَحَقُّهُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَخْلُوقِ ، بَلْ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ ... ( مجموع الفتاوى : 1 / 42 ) .