أنصار الحديث يخالفون الحديث
قال أيلال : يصيبني العجب الممزوج بالحيرة، من العقلية التي يتمتع بها رواة الحديث ومدونوه ومحققوه والذين يطلق عليهم «محدثون ،»كيف أنهم يجيزون لأنفسهم تدوين هاته الأحاديث، وينبرون للدفاع عنها، ويمحصون رجالها ،ويدرسون أسانيدها ،ويقعدون القواعد لمصطلح الحديث، ويكفرون من ينكرها ،أو يفسقونه ويزندقونه في أفضل الظروف، وبعدها يطلعون بوجوههم الوقحة على الناس ليسردوا عليهم أحاديث وآثار في منع كتابة وتدوين الأحاديث، في «سكيزوفرينيا» غريبة جدا ،تحط من قدر هؤلاء عند ذوي العقل الراجح، والفكر المستنير.
لكن الأمر ليس بهاته البساطة، فالمحدث مع الفقيه المستنبط للأحكام الشرعية من هاته الأحاديث ، يحاول أن يبرر موقفه بعلل واهية، سنقف عليها بعد قليل عندما نناقش الأعذار والتبريرات التي يوردها هؤلاء في معرض ضحكهم على العقل الإنساني الرافض للتناقض[1].

أول يا يصدم القارئ في كلام أيلال سوء اعتقاده في أهل الحديث ، و سفالة في االطعن و الثلب للمحدثين ، ووصفهم بأقذع النعوت .
أما ما هول به من إدعاء وجود تناقض بين أحاديث الإباحة و المنع ، فقد أجبنا عليه في الفصل الأول ، و بعض جهالاته الفاضحة و سوء فهمه للأحاديث .

هل تأخر تدوين السنة مئة عام ؟ .
قال : " والأخطر من ذلك أن هؤلاء الشيوخ لم يطرحوا على أنفسهم، ولو لحظة في خلوة مع الذات، لماذا تأخر تدوين السنة لحوالي مائة سنة على وفاة الرسول سلى الله عليه وسلم، وهي بهاته القيمة في التشريع؟ ليس باعتبارها مبينة ومفصلة لما في القرآن، بل باعتبارها قاضية وناسخة لما في كتاب الله عند التعارض، فهي في خطابهم الأصل الثاني من أصول التشريع بعد القرآن، لكن في الواقع العملي التطبيقي نجد أنها الأولى، وكتاب الله لديهم تابع لها خانع.![2]
احتوى كلامه على مغالطات و شبه يمكن ابطالها من وجوه :
الوجه الأول: أن الحديث النبوي كتب في العهد النبوي من سنة 1 للهجرة إلى الوفاة النبوية سنة 11، فمما أمر النبي بكتابته المعاهدات والوثائق والرسائل، كالوثيقة التي كتبها عندما دخل إلى المدينة، ولقد ذكرها أبو عبيد في كتاب الأموال في ثلاث ورقات، والوثيقة التي عاهد فيها الرسول نصارى نجران وهي برمتها في كتاب الخراج لأبي يوسف القاضي ص72، وفي الوثيقتين كثيرا من التشريعات والأحكام.
وأما الرسائل التي أمر الرسول الكريم بكتابتها فمنها كتاب الصدقات الذي أخرجه البخاري في صحيحه حديث رقم 1454، وصحيفة عمرو بن حزم وهو طويل في نحو ثلاث أوراق وفيه تفاصيل دقيقة عن الجنايات والديات، وهي في الموطأ باختصار، وأخرجها كاملة ابن حبان في صحيحه برقم 6559.
ومن ذلك صحيفة كانت عند علي بن أبي طالب كتبها بأمر الرسول فيها كثير من التشريعات في مقادير الزكاة والجنايات، أورد بعضها البخاري في صحيحه برقم 111، وأمر الرسول بكتابة خطبته في فتح مكة لأبي شاه كما في البخاري برقم 112.
الوجه الثاني: كثيرٌ من الصحابة كتبوا بإذن الرسول في حياته، فممن كتب عبد الله بن عمرو بن العاص الذي سمى صحيفته الصادقة، وأنس بن مالك، وسعد بن عبادة الأنصاري، وسمرة بن جندب كما قد أومأنا إلى ذلك في الحلقة الماضية من هذه المعركة.
الوجه الثالث: أقبل الصحابة بعد وفاة النبي على كتابة الأحاديث التي كانوا يحفظونها فمن ذلك رسالة أبي بكر الصديق في فريضة الزكاة، ورسالة عمر بن الخطاب إلى عتبة بن فرقد ورسالته إلى أبي موسى الأشعري، ورسالة علي بن أبي طالب للخليفة عثمان بن عفان وغير ذلك.
الوجه الرابع : من سنة 70 للهجرة حتى سنة 120 حيث بدأ في هذه المرحلة تدوين السنة لا كتابتها، إذ الكتابة كانت قبلُ، وأما التدوين الذي يعني التأليف فلقد بدأ في هذه المرحلة في آخر القرن الأول، وذلك بواسطة جهتين: جهة علمية من العلماء في جميع الأقاليم الإسلامية، وجهة رسمية تتمثل فيما أمر به عمر بن عبد العزيز المتوفى سنة 101ه من جمع الحديث النبوي.
الوجه الخامس : بدأت مرحلة التصنيف من سنة 120 إلى 150 تقريبا حيث ظهرت الكتب المصنفة على الأبواب الفقهية، فممن ألف في هذه المرحلة: عبد الملك بن جريج ت 150هـ، وسعيد بن أبي عروبة ت156هـ والأوزاعي ت 156هـ وشعبة بن الحجاج ت 160 هـ وسفيان الثوري ت161هـ وحماد بن سلمة ت167هـ، ومالك بن أنس ت 179هـ وغيرهم.
الوجه السادس : فيما بين 150 هـ إلى 200 ظهرت مرحلة كتب الموسوعات المصنفة فظهرت المسانيد والسنن والصحاح، ودخلت السنة عهدا جديدا دونت فيها أغلب المرويات وميزت من حيث درجاتها تمييزا دقيقا.
وبعدُ فإنَّ كلام مؤلف الأسطورة ليس هو إلا شغَبُ صبي دارج يتعلَّم المشي، فكيف يقال إن أهل الحديث لمَ لمْ يتساءلوا لماذا تأخرت كتابة الحديث إلى القرن الثاني الهجري؟ وفي الجواب عن أهل الحديث نقول إنهم لم يتساءلوا عن ذلك لأن كتابة الحديث كانت بينهم معروفة مذْ كان الرسول حيا، وتوالت بعده جهود الصحابة والتابعين وأتباع التَّبع على الكتابة والتدوين والتصنيف، وأنتَ فأعْرض عن شَغب المؤلف وصياحه بأن الحديث لما لم يدون مبكرا قبل المائة الأولى عُلم أنه ليس تشريعا ولا مؤهلا أن يكون ناسخا ولا مبيِّنا ولا مفصِّلا للقرآن الكريم، فإنَّ ذلك من الحماقة التي أعْيت صاحبها، ومن الدَّاء العُضال الذي أعجز المريضَ عن إيجاد دوائه...[3]

التباكي على القرآن و الرفض للسنة و الكذب على علماء الحديث :

إعتبر المناوئ أن عدم الإمتثال لأمر النبي في المنع من تدوين كلامه ، جعل المسلون يبتعدون عن كتاب الله ، و أصبح التشريع يؤخذ بالأساس من الحديث بدل القرآن ، فانشعل الناس بالحديث و جمعه و الاستنباط منه ، في حين لم يعد للقرآن دور إلا في الإستشهاد للنص الحديثي ، فغدت المرويات البشرية الصرفة هي أساس التشريع ، و هي الدين .." [4] و قوله " انكبوا على الحديث و هجروا كتاب الله .."[5]
و قال في موضع أخر : " تم سحب القرآن من الساحة لصالح تلك المرويات ، و لم يكفهم كتاب الله .يقول الله تعالى في محكم كتابه : ( ألم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة و ذكرى لقوم يؤمنون ) العنكبوت 51." [6] و قال بعد أن ذكر جملة من الأحاديث المروية في كتب الحديث في تعظيم القرآن : " الغريب أن نفس رواة هذه الأحاديث هم الذين لا يقيمون وزنا لكتاب الله ،ويرفعون الأحاديث فوق كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه[7]: " و قال : " .. فهي في خطابهم الأصل الثاني من أصول التشريع بعد القرآن، لكن في الواقع العملي التطبيقي نجد أنها الأولى، وكتاب الله لديهم تابع لها خانع.![8]
و هذه دندنة قديمة لمنكري السنة يدغدغون بها عواطف الجهال ليصدوهم عن سنة النبي الكريم - الذي لا ينطق عن الهوى – لا تعظيما للقرآن الكريم أو الدعوة الى تحكيمه ، فهم أبعد الخلق عن ذلك ، و إنما غايتهم إزاحة السنة المبينة و المفسرة لأحكام القرآن ، الأمر الذي ينسف باطلهم و يقضي على قراءتهم المخالفة الباطلة للقرآن و المعارضة لسنة النبي المختار و سنة خلفائه الكرام و ما أجمعت عليه الأمة من أحكام الإسلام.
و قد تفطن سلفنا الصالح لغرض منكري السنة المعارضين لها بالقرآن ، و بينوا أن السنة تمثل الفهم الصحيح للقرآن ، لذلك يسعى أعداؤها لتجاوزها و من ثم الانفراد بتأويل القرآن ، " فعن سعيد بن جبير أنه حدث يوما بحديث عن النبي ، فقال رجل : في كتاب الله ما يخالف هذا ، قال : لا أراني أحدثك عن رسول الله و تعرض فيه بكتاب الله ، كان رسول الله أعلم بكتاب الله تعالى منك ."[9] و عن أيوب السختياني " أن رجلا قال لمطرف بن عبد الله الشخير : لا تحدثونا إلا بالقرآن فقال له مطرف : و الله ما نريد بالقرآن بدلا ، و لكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا " .[10] وورد عن أيوب السختياني أيضا أنه قال : إذا حدثت الرجل بسنة فقال : دعنا من هذا و أنبئنا عن القرآن فاعلم أنه ضال " .[11]
أما اتكاؤه على الأية الكريمة : ( ألم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة و ذكرى لقوم يؤمنون ) العنكبوت 51، لتقوية دعواه فدليل آخر على فهمه السقيم لأيات الله ، و تفسيرها تفسيرا باطلا عصريا يخدم هواه و مذهبه .! و هو في ذلك مقلد لزعيم القرآنيين أحمد صبحي منصور في كتابه ( القرآن و كفى مصدرا للتشريع الإسلامي ) . و قد رد الكثير من العلماء و الدكاترة على أباطيله و انحرافاته الخطيرة عن دين الإسلام .
نقول كان الواجب على المناوئ - و هو من دعاة الاكتفاء بالقرآن - أن يرجع لتفاسير علماء القرآن و يستأنس بها لمعرفة أسباب النزول و أقوال السلف في توجيه الأيات و تفسيرها . فلو رجع الى سياق الأية و هو قوله تعالى :( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (46) وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون (49) وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين (50) أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون (52) ) سورة العنكبوت . لعلم المناوئ أن الكلام يتعلق بالرد على المشركين الذين طلبوا من النبي الأيات المعجزات ، قال الطبري : يقول تعالى ذكره: وقالت المشركون من قريش: هلا أنزل على محمد آية من ربه، تكون حجة لله علينا، كما جعلت الناقة لصالح، والمائدة آية لعيسى، قل يا محمد: إنما الآيات عند الله، لا يقدر على الإتيان بها غيره (وَإنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) وإنما أنا نذير لكم، أنذركم بأس الله وعقابه على كفركم برسوله. وما جاءكم به من عند ربكم (مُبِينٌ) يقول: قد أبان لكم إنذاره.
القول في تأويل قوله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
يقول تعالى ذكره: أولم يكف هؤلاء المشركين يا محمد، القائلين: لولا أنزل على محمد آية من ربه، من الآيات والحجج (أنَّا أنزلْنا عَلَيْكَ) هذا (الكِتابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) يقول: يُقرأ عليهم، (إنَّ فِي ذلكَ لَرَحْمَةٌ) يقول: إن في هذا الكتاب الذي أنزلنا عليهم لرحمة للمؤمنين به وذكرى يتذكرون بما فيه من عبرة وعظة.
وذُكر أن هذه الآية نزلت من أجل أن قوما من أصحاب رسول الله انتسخوا شيئا من بعض كتب أهل الكتاب.[12]
والظاهر - والله أعلم - أن الحديث المذكور ليس سبباً لنزول الآية لأن سياق الآيات يتحدث عن قوم كافرين جاحدين مرتابين. وقد قال اللَّه قبل هذه الآية: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ وقال بعدها: قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ .
فالضمير في قوله: (يَكْفِهِمْ) يعود على الذين قالوا: (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ) هذا الظاهر من سياق الآيات.
أما ما دلَّ عليه الحديث فإن عدم الاكتفاء واقع من بعض المؤمنين ولهذا قال فيه: كفى بقوم ضلالاً أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جاء به نبي غير نبيهم أو كتاب غير كتابهم، مما يدل على أن لهؤلاء نبياً وكتاباً.
وبناءً على هذا فإنه ليس بين سياق الآيات والحديث موافقة مما يجعل القول بأنه سبب نزولها قولاً بعيداً من الصواب.[13]
فالسلف فهموا من الأية أن الكفاية المذكورة فيها : كفاية إنزال القرآن كآية على صدق نبوة محمد ، و ليس كما فهم الجهول أنها كفاية في الاقتصار على القرآن كمصدر للتشريع .!
قال الشيخ رشيد رضا متبنيا رأي شيخه محمد عبده في تفسير قوله تعالى (ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) النساء59 : أمر بطاعة الله وهي العمل بكتابه العزيز وبطاعة الرسول ; لأنه هو الذي يبين للناس ما نزل إليهم، وقد أعاد لفظ الطاعة لتأكيد طاعة الرسول ; لأن دين الإسلام دين توحيد محض لا يجعل لغير الله أمرا، ولا نهيا، ولا تشريعا، ولا تأثيرا، فكان ربما يستغرب في كتابه الأمر بطاعة غير وحي الله، ولكن قضت سنة الله بأن يبلغ عنه شرعه للناس رسل منهم وتكلف بعصمتهم في التبليغ، ولذلك وجب أن يطاعوا فيما يبينون به الدين والشرع، مثال ذلك: أن الله تعالى هو الذي شرع لنا عبادة الصلاة، وأمرنا بها، ولكنه لم يبين لنا في الكتاب كيفيتها وعدد ركعاتها، ولا ركوعها وسجودها ولا تحديد أوقاتها فبينها الرسول ـ ـ بأمره تعالى إياه بذلك في مثل قوله: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ، فهذا البيان بإرشاد من الله تعالى، فاتباعه لا ينافي التوحيد ولا كون الشارع هو الله تعالى وحده. فقد بين الواجب فيما تنازعوا بقوله: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول وذلك بأن يعرض على كتاب الله، وسنة رسوله وما فيهما من القواعد العامة، والسيرة المطردة، فما كان موافقا لهما علم أنه صالح لنا، ووجب الأخذ به، وما كان منافرا علم أنه غير صالح ووجب تركه وبذلك يزول التنازع وتجتمع الكلمة، وهذا الرد واستنباط الفصل في الخلاف من القواعد هو الذي يعبر عنه بالقياس، والأول هو الإجماع الذي يعتد به، وقد اشترطوا في القياس شروطا بالنظر إلى العلة، والغرض من هذا الرد ألا يقع خلاف في الدين والشرع ; لأنه لا خلاف ولا اختلاف في أحكامهما، كذا قال الأستاذ، والمراد ألا يفضي التنازع إلى اختلاف التفرق الذي يلبس المسلمين شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض، وسيأتي بيان ذلك مفصلا، ولكنهم لم يعلموا بالآية فتفرقوا واختلفوا.[14]

هل ترد الأحاديث لسوء فهم " داعش " للسنة ؟
قال : " الأحاديث التي تم الإختلاف فيها اختافا كبيرا، وتسربت إليها خرافات وطوام ،ما زالت أمُتنا تدفع ثمنها غاليا إلى يومنا هذا، وما «داعش» التي نبتت بن ظهرانينا اإلا نتاج هاته المرويات المنسوبة لرسول الله زورا وبهتانا، حيث تم سحب القرآن من الساحة لصالح هاته المرويات، ولم يكفهم كتاب الله، يقول الله تعالى في محكم كتابه أولَمْ يَكْفِهِمْ أنَّ أزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرحْمَةً وذِكْرىَ لِقَوْمٍ يُؤمِنُونَ )العنكبوت-أية 51.
قال الدكتور أحمد بلهي " ما ضرَّ السنَّة النبوية شيءٌ إذْ استعملها بعض الفرق الضالة في استباحة دماء الناس وأموالهم، فقد استعمل الخوارج قديمًا الآيات القرآنية لقتل المسلمين وسفك دمائهم، كقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾[المائدة: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾[يوسف: ٤٠]، فهل يردُّ (رشيد أيلال) هذه الآيات القرآنية لأنها استعْمِلَتْ في سفك الدماء أم يفهمها فهمًا سليما؟ إن أختار ردَّها فقد هلك، وإن أحسن فهمها فهو مُلْزَمٌ بحسن فهم الأحاديث التي استدلَّ بها الخوارج، وقطع صلتهم بها، وذلك بردِّ مُتَشَابِهِهَا إلى مُحْكَمِهَا، فإن ادَّعى الفرق فهذا تحكُّمٌ. ومن باب الإلزام كذلك أقول لرشيد أيلال هل تعلم أن إنكار السنة والتَّدَين بالقرآن وحده، هو مذهب الخوارج القدامى، الذين يقتلون المسلمين ويبقرون بطون نسائهم، ويَسْبُون ذراريهم؟، يقو ابن تيمية : "والخوارج جوَّزوا على الرسول نفسه أن يجور ويَضِلَّ في سنته، ولم يوجبوا طاعتَه ومتابعته، وإنما صدَّقوه فيما بلَّغه من القرآن دون ما شرعه من السنَّة التي تخالف - بزعمهم - ظاهر القرآن" . وإذا كانت (داعش) نابتة شرٍّ معاصرة من فرقة الخوارج القديمة، فأقرب الناس إليها هم منكرو السنة فهم يلتقون معها في الأصول، وأمَّا أهل السنة فهم أبعد الناس عن أفكار(داعش) وأصول الخوارج؛ لأنهم يَرْوُون في كتبهم الأحاديث التي تحذِّر منهم وتذُّم مذهبهم، ويكفي في ذلك أنَّ البخاري بَوَّبَ في صحيحه: (باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم) ثم ساق الأحاديث التي تفضحُ مذهبهم. "













[1] ص 21

[2] ص 21


[3] المعركة تحت راية البخاري الجولة الخامسة

[4] ص 20

[5] ص 18

[6] ص 24

[7] ص24

[8] ص 21

[9] أخرجه الدارمي في سنته 601 بسند صحيح .

[10] جامع بيان العلم و فضله ، ابن عبد البر 2/1193

[11] مفتاح الجنة للاحتجاج بالسنة ، السيوطي ص 35. يراجع تفنيد شبهات ايلال رشيد ص 22-21

[12] جامع البيان في تأويل القرآن ج20 ص54
المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)
المحقق: أحمد محمد شاكر
الناشر: مؤسسة الرسالة
الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 2000 م

[13] الكتاب: المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة دراسة الأسباب رواية ودراية
المؤلف: خالد بن سليمان المزيني
الناشر: دار ابن الجوزي، الدمام - المملكة العربية السعودية
الطبعة: الأولى، (1427 هـ - 2006 م) ج 2/777

[14] تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) 5/147-148
المؤلف: محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني (المتوفى: 1354هـ)
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب
سنة النشر: 1990