قال شيخ الإسلام ابن تيمية – : مِنْ الذُّنُوبِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِخَفَاءِ الْعِلْمِ النَّافِعِ أَوْ بَعْضِهِ ؛ بَلْ يَكُونُ سَبَبًا لِنِسْيَانِ مَا عَلِمَ ، وَلِاشْتِبَاهِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ ، وَتَقَعُ الْفِتَنُ بِسَبَبِ ذَلِكَ . وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ كَانَ أَسْكَنَ آدَمَ وَزَوْجَهُ الْجَنَّةَ وَقَالَ لَهُمَا : وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ . فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ؛ فَكُلُّ عَدَاوَةٍ كَانَتْ فِي ذُرِّيَّتِهِمَا وَبَلَاءٍ وَمَكْرُوهٍ تَكُونُ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ، وَفِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، سَبَبُهَا الذُّنُوبُ وَمَعْصِيَةُ الرَّبِّ تَعَالَى .

فَالْإِنْسَانُ إذَا كَانَ مُقِيمًا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا ، كَانَ فِي نَعِيمِ الْإِيمَانِ ، وَالْعِلْمُ وَارِدٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَاتِهِ ، وَهُوَ فِي جَنَّةِ الدُّنْيَا ؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ : " إذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا " ؛ قِيلَ : وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ ؟ قَالَ : " مَجَالِسُ الذِّكْرِ " ، وَقَالَ : " مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ " ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَكُونُ هُنَا فِي رِيَاضِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ ؛ وَكُلَّمَا كَانَ قَلْبُهُ فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ وَذِكْرِهِ وَطَاعَتِهِ كَانَ مُعَلَّقًا بِالْمَحَلِّ الْأَعْلَى ، فَلَا يَزَالُ فِي عُلُوٍّ مَا دَامَ كَذَلِكَ ، فَإِذَا أَذْنَبَ هَبَطَ قَلْبُهُ إلَى أَسْفَلَ ، فَلَا يَزَالُ فِي هُبُوطٍ مَا دَامَ كَذَلِكَ ، وَوَقَعَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَمْثَالِهِ عَدَاوَةٌ ؛ فَإِنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا ثَابَ وَعَمِلَ فِي حَالِ هُبُوطِ قَلْبِهِ إلَى أَنْ يَسْتَقِيمَ فَيَصْعَدُ قَلْبُهُ ... ( مجموع الفتاوى : 14 / 160 ، 161 ) .