قال ابن القيم - – في قوله تعالى : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ . أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ : فهذه مناظرة جرت بين المؤمنين والمنافقين ؛ فقال لهم المؤمنون : لا تفسدوا في الأرض ، فأجابهم المنافقون بقولهم : إنما نحن مصلحون ؛ فكأن المناظرة انقطعت بين الفريقين ، ومنع المنافقون ما ادعى عليهم أهل الإيمان من كونهم مفسدين ، وأن ما نسبوهم إليه إنما هو صلاح لا فساد ، فحكم العزيز الحكيم بين الفريقين بأن سجل على المنافقين أربع إسجالات :

أحدها : تكذيبهم .

والثاني : الإخبار بأنهم مفسدون .

والثالث : حصر الفساد فيهم بقوله : هُمُ الْمُفْسِدُونَ .

والرابع : وصفهم بغاية الجهل ، وهو أنه لا شعور لهم البتة بكونهم مفسدين .

وتأمل كيف نفى الشعور عنهم في هذا الموضع ، ثم نفى العلم في قولهم : أنؤمن كما آمن السفهاء فقال: ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ، فنفى علمهم بسفههم وشعورهم بفسادهم ، وهذا أبلغ ما يكون من الذم والتجهيل ، أن يكون الرجل مفسدًا ولا شعور له بفساده البتة ، مع أن أثر فساده مشهور في الخارج ، مرئي لعباد الله ، وهو لا يشعر به ؛ وهذا يدل على استحكام الفساد في مداركه وطرق علمه ، وكذلك كونه سفيها ، والسفه غاية الجهل ، فإذا كان بهذه المنزلة ، وهو لا يعلم بحاله ، كان من أشقى النوع الإنساني ؛ فنفي العلم عنه بالسفه الذي هو فيه ، متضمن لإثبات جهله ، ونفي الشعور عنه بالفساد الواقع منه ، متضمن لفساد آلات إدراكه ، فتضمنت الآيتان الإسجال عليهم بالجهل وفساد آلات الإدراك ، بحيث يعتقدون الفساد صلاحًا والشر خيرًا .