بسم الله الرحمن الرحيم
الباب الثالث: فى أعمال الباطن فى التلاوة وهى عشرة


التخلي عن موانع الفهم :

إن أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن لأسباب وحجب أسدلها الشيطان على قلوبهم فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن قال "لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت" ومعاني القرآن من جملة الملكوت وكل ما غاب عن الحواس ولم يدرك إلا بنور البصيرة فهو من الملكوت.

وحجب الفهم أربعة :

أولها : أن يكون الهم منصرفاً إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، وهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقراء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف يخيل إليهم أنه لم يخرج من مخرجه. فهذا يكون تأمله مقصوراً على مخارج الحروف فأنى تنكشف له المعاني؟ وأعظم ضحكة للشيطان من كان مطيعاً لمثل هذا التلبيس.


ثانيها
: أن يكون مقلداً لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة، فهذا شخص قيّده معتقده عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده فصار نظره موقوفاً على مسموعه، فإن لمع برق على بعد وبدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه حمل عليه شيطان التقليد حملة وقال كيف يخطر هذا ببالك؟! وهو خلاف معتقد آبائك؟!، فيرى أن ذلك غرور من الشيطان فيتباعد منه ويحترز منه ويحترز عن مثله. ولمثل هذا قالت الصوفية : (إن العلم حجاب)! وأرادوا بالعلم العقائد التي استمر عليها أكثر الناس بمجرد التقليد أو بمجرد كلمات جدلية حررها المتعصبون للمذاهب وألقوها إليهم.
فأما العلم الحقيقي الذي هو الكشف والمشاهدة بنور البصيرة فكيف يكون حجاباً وهو منتهى المطلب؟ وهذا التقليد قد يكون باطلاً فيكون مانعاً كمن يعتقد في الاستواء على العرش التمكن والاستقرار فإن خطر له مثلاً في القدوس أنه المقدس عن كل ما يجوز على خلقه لم يمكنه تقليده من أن يستقر ذلك في نفسه.. ولو استقر في نفسه لانجر إلى كشف ثان وثالث ولتواصل . ولكن يتسارع إلى دفع ذلك عن خاطره لمناقضته تقليده الباطل. وقد يكون حقاً ويكون أيضاً مانعاً من الفهم والكشف لأن الحق الذي كلف الخلق اعتقاده له مراتب ودرجات وله مبدأ ظاهر وغور باطن وجمود الطبع على الظاهر يمنع من الوصول إلى الغور الباطن - كما ذكرناه في الفرق بين العلم الظاهر والباطن في كتاب قواعد العقائد .


ثالثها
: أن يكون مصرّاً على ذنب أو متصفاً بكبر أو مبتلى في الجملة بهوى في الدنيا مطاع فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصدئه، وهو كالخبث على المرآة فيمنع جلية الحق من أن يتجلى فيه وهو أعظم حجاب للقلب وبه حجب الأكثرون. وكلما كانت الشهوات أشد تراكماً كانت معاني الكلام أشد احتجاباً وكلما خف عن القلب أثقال الدنيا قرب تجلى المعنى فيه. فالقلب مثل المرآة والشهوات مثل الصدأ ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة. والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل تصقيل الجلاء للمرآة ولذلك قال "إذا عظمت أمتي الدينار والدرهم نزع منها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرموا بركة الوحي" قال الفضيل: يعني حرموا فهم القرآن. وقد شرط الله الإنابة في الفهم والتذكير فقال تعالى "تبصرة وذكرى لكل عبد منيب" وقال "وما يتذكر إلا من ينيب" وقال تعالى "إنما يتذكر أولو الألباب" فالذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة فليس من ذوي الألباب ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب.


رابعها
: أن يكون قد قرأ تفسيراً ظاهراً واعتقد أنه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وأن ما وراء ذلك تفسير بالرأي ، وأن من فسر القرآن برأيه فقد تبوأ مقعده من النار فهذا أيضا من الحجب العظيمة.



أبى حامد الغزالى -إحياء علوم الدين- الجزء الأول- صفحة 368-