بين العطاء والايتاء ــ تأملات في كتاب الله ... الحلقة الثانية

رابعا : سورة النساء :-

ــ (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ) (55) سورة النساء
ــ السياق عن اليهود الذين حسدوا المسلمين على النبوة والقبلة والتأمين خلف الامام وغير ذلك وكلها أمور ايمانية دينية ( معنوية ) فهي تناسب الايتاء وليس العطاء ــ كما ناسب الايتاء الكتاب والحكمة ــ أما الملك العظيم هنا فقد جاء مقرونا بالايتاء وليس العطاء فيرجح أنه ( جعْل ابراهيم إماما في الدين ) ويعضد ذلك آية سورة البقرة وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) سورة البقرة
فالملك العظيم في آية سورة النساء = هو الامامة الدينية على الناس في آية سورة البقرة
( ومنهم من صد عنه ) في آية سورة النساء = هم ( الظالمين ) في آية سورة البقرة .
إذن مُلك ابراهيم كان دينيا ايمانيا ( معنويا ) فناسب معه الايتاء بينما مُلك سليمان ( في سورة ص ) كان دنيويا حسيا مطلقا فناسب معه العطاء هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) سورة ص

ــ مقارنة بين ملك ابراهيم وملك سليمان .

1 ــ ملك ابراهيم ( وهو الامامة الدينية ) ــ ناسب معه الايتاء وليس العطاء .
أولا : هو ملك معنوي ايماني وليس ماديا حسيا .
ثانيا : جاء مقرونا بابتلاء ابراهيم بالكلمات ومجاهدة عظيمة منه ( فهو كالأجر له وليس من باب الهبة ) .
ثالثا : جاء مشروطا ( أن لا يناله الظالمين ) .
رابعا : يمكن اكتساب ما يشابهه باتخاذ الأسباب وهي الصبر واليقين مثل في بني اسرائيل وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) سورة السجدة .

2 ــ ملك سليمان ( وهو تسخير الرياح والجن والطير ... ) ناسب معه العطاء وليس الايتاء .
أولا : أنه ملك أو نعم حسية دنيوية .
ثانيا : أنه ايتاء مطلق بلا اتخاذ أسباب أو تعب أو مشقة فهو يأمر فيطاع دون بذل جهد .
ثالثا : له تصرف مطلق كما يشاء من العطاء أو المنع دون محاسبة فهو عطاء ليس مشروطا .
رابعا : لا يستطيع تحصيله أحد لأن أسباب ملكه ليست متاحة للبشر .

أما ملك ذي القرنين فهو ايتاء وليس عطاء إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) سورة الكهف

3 ــ ملك ذي القرنين :-
أولا : هذا الملك يلزمه اتخاذ أسبابه وبذل الجهد والمشقة ( كما في مراحل بناء السد ) وليس يأمر فيطاع مثل سليمان .
ثانيا : كما أنه لم يعط التصرف المطلق في العطاء والمنع فهو يعذب عذابا مقيدا بمن ظلم ــ ويجازي بالحسنى لمن آمن وعمل صالحا .
ثالثا : ويرجح والله أعلم أنه آوتي علما وأسبابا لتحصيل القوة ولم يؤت القوة الحسية مباشرة ــ فهو يشبه ملك قارون ( مع فارق الايمان والكفر ) ــ قال تعالى ... وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ .. (76) .. أُوتِيتُهُ عَلَى علم عندي .. (78) ( فيما آتاك الله ) ( مثل ما أوتي قارون ) سورة القصص ــ فقارون والله أعلم أوتي علما وأسبابا لتحصيل الأموال والكنوز ولم يؤت الأموال والكنوز مباشرة فهو يعالج الأسباب ويبذل مجهودا ليحصل على نتيجة فهو ايتاء وليس عطاء .
ــ كذلك ملك داوود ( .. وءاتاه الله الملك ) سورة البقرة ــ فهو من جنس ملك ذي القرنين وليس من جنس ملك سليمان ــ لماذا ؟ لأن داوود كان يعمل بيديه ويصنع صنعة لبوس ويعالج أسباب الصناعة .
ــ كذلك ملك يوسف ( .. رب قد ءاتيتني من الملك ) سورة يوسف ــ فهو من جنس ملك ذي القرنين ــ فهو ملك وتمكين في الأرض ولكنه مقرون باتخاذ أسبابه وسننه وقيوده وشروطه .

........... يتبع إن شاء الله تعالى