تحرير مسائل الأحرف السبعة. (بحث مصفى من كل الثمرات مختلف ألوانه فيه شفاء)

نتائج هذا البحث:
أولاً:
المراد بالأحرف السبعة ما كان على لغات أخرى من لغات العرب, وهو مخالف للرسم العثماني, ومنه ما كان فيه زيادة أو نقص أو تقديم أو تأخير.
ومنها ما كان موافقاً للرسم، ولكنه مختلف في الحركات أو التذكير والتأنيث أو غير ذلك.

ثانياً:
ليس في نزول القرآن على سبعة أحرف إلا حكمة واحدة, هي التي نص عليها النبي , وذكرها كثير من أهل العلم, وهي التهوين والتسهيل على الناس.

ثالثاً:
ليست الأحرف السبعة سبعة, بل كثيرة جداً, فليس العدد سبعة مراد بعينه, بل المراد به التكثير.

رابعاً:
القول الراجح أن جبريل لم ينزل على النبي إلا بحرف واحد وقراءة واحدة, ورخص للناس أن يقرؤوه بأحرف كثيرة حسب لهجاتهم وما يقدرون عليه.

خامساً:
أمر عثمان بالاقتصار على حرف واحد, وكتبه بلسان قريش, وأمر بترك بقية الأحرف وعدم القراءة بها.

سادساً:
القراءات القرآنية المعروفة هي بعض من الأحرف السبعة, وهذا قول جماهير أهل العلم من السلف والخلف.

سابعاً:
عثمان والصحابة حين كتبوا المصاحف لم يريدوا إلا قراءة واحدة ونطقاً واحداً, وهو حرف قريش الذي نزل به جبريل على النبي .

ثامناً:
طرائق الأداء كافة كالإمالة والإدغام والترقيق والتفخيم والتغليظ والروم والإشمام والتسهيل والإبدال وغير ذلك من سائر صفات الأداء ليست من الأحرف السبعة وليست من القراءات.
بل هو اختلاف طبيعي في الأداء والقراءة وفي طريقة الكلام حتى لو لم يكن إلا حرف واحد وقراءة واحدة.

وكلي أمل أن لا يتعجل متعجل باستنكار شيء منها حتى يقرأ البحث كاملاً, ليطلع على كلام أهل العلم ومآخذهم في هذه المسائل, فإنها مسائل قد خاض فيها العلماء واختلفوا, فالاختلاف فيها مقبول سائغ.

المقدمة:
الحمد لله العزيز الوهاب, أنزل على عبده الكتاب, فأنار به البصائر والألباب, وأوضح به طرق الهدى وسبيل الرشاد, ودل عباده على محجة بيضاء صافية وعلى صراط مستقيم.
والصلاة والسلام على خير البرية وأزكاها, دل أمته على أشرف العلوم وأنفعها وأعلاها, وقادها في حالك الظلمات ودياجير الجهل والتخبط إلى دروب العلم والهداية والنور والسعادة, فنالت بذلك مطلبها ومبتغاها, وتحقق لها أسمى مناها.

أما بعد:
فإن من الأمور الثابتة اليقينية المعروفة أن الله رخص لعباده المؤمنين أن يقرؤوا القرآن على أحرف متعددة, وليس على حرف واحد.
فقد قال النبي : (أنزل القرآن على سبعة أحرف).
وقال جبريل للنبي : (إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف).
وهذا الحديث من أشهر الأحاديث التي أشكلت على كثير من أهل العلم قديماً وحديثاً, وحصل في الكلام عليه وفي تصوره من الخلط والحيرة ما لم يحصل مع غيره ولله الأمر من قبل ومن بعد.
حتى عد من المشكلات ومن المتشابهات.
قال ابن الجزري في "النشر" (1/26) : "ولا زلت استشكل هذا الحديث وأفكر فيه وأمعن النظر من نيف وثلاثين سنة".
وقال الدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه "تاريخ القرآن" ص (49) : لا نرى حديثاً أثار من المشكلات العقدية والتاريخية واللغوية قدر ما أثار هذا الحديث, واتخاذ موقف معين من تحديد المراد منه يترتب عليه تفسير مشكلة القراءات جملة وتفصيلاً, ومعنى ذلك حل أعقد المشكلات في تاريخ القرآن.
ويقول ص (74) : الأحرف السبعة فيما أرى لغز الألغاز في تاريخ القرآن, بل هي مصدر مشكلات هذا التاريخ, ولذلك كثرت في تفسيرها الاجتهادات, وتعددت الآراء قديماً وحديثاً دون أن تنتهي إلى رأي قاطع أو تفسير شاف كاف... ولعل هذا التعقيد هو الذي جعل كثيراً من المؤلفين في تاريخ القرآن يكتفون بترديد بعض الآراء المنقولة التي تزيد في حيرة من يتأملها.

وقال الدكتور عبد العزيز القارئ في مقدمة كتابه "حديث الأحرف السبعة": "فقد اشتغلت بهذا البحث الجليل الشأن حقبة طويلة أكثر من عشر سنين دأباً، أجمع فيها طرق هذا الحديث ورواياته، وأتتبع كلام العلماء فيه، حريصاً على التأني، مثابراً على المقارنة والتأمل، صابراً على مشقته ووعورة مسالكه، حتى ضاق صدري به يوماً، فلجأت بعد الله تعالى إلى أحد مشايخنا وهو صاحب (أضواء البيان) الشيخ محمد الأمين الجكني الشنقيطي، فسألته عما ترجح لديه في معنى هذا الحديث، فإذا به يقول: الذي ترجح لدي أني لا أعرف معناه".
وقال ص (53) : "فذهبنا نبتغي الجواب عند العلماء المحققين وأهل الدقة والغوص في المعاني المستنبطين فإذا الأمر جلل والخطب عظيم, حتى عد هذا الحديث من المشكلات والمتشابهات" انتهى كلامه.

أقول: لو أن العلماء استقبلوا الحديث كما استقبله الصحابة والتابعون ووضعوه في حجمه الحقيقي لفهموه كما فهمه أولئك, ولما ضلت فيه الآراء واضطربت فيه الأقاويل, ولما أشكل عليهم البتة, ولكنهم وقفوا منه موقفاً مغايراً تماماً.
إن الصحابة فهموا منه فوراً التسهيل والتهوين, وأنه رخصة مفتوحة للناس أن يقرؤوا بلهجاتهم وطرائقهم غير متقيدين بالحرف الذي نزل به القرآن, ولذلك فهموه دون سؤال أو استفهام, ولم يسألوا الرسول عن المعنى والمراد, ولم يفهموا أن جبريل جاء بكل تلك الأحرف, ولذلك لم يقولوا أين هذه الأحرف نريد أن نتعلمها, ولم يسألوا أو يبحثوا عنها, ولم يولوها اهتماماً كبيراً.
إنما فهموا فقط أن المراد بذلك أن هذا القرآن المنزل على حرف واحد جاءت الرخصة أن يقرأ على حروف ولهجات مختلفة لأن الضرورة دعت إلى ذلك.
فإنهم كانوا لا يشكون أن القرآن إنما أنزل بلسان قريش, فهم عايشوا الرسول ويرون الوحي يتنزل ويكتب صباحاً ومساءً ويقرؤه النبي في الصلوات كل ذلك بلسان قريش.
والحقيقة أنك بقدر ما تنظر إلى موضوع الأحرف السبعة بأكبر قدر من البساطة والسهولة والنظرة السطحية فإنك تفهم جميع تعقيداته وتنحل عندك كافة مشكلاته, وتتكشف لك كل غوامضة.
إن التناقض والتضارب والحيرة والتعارض الذي وقع فيه كثير ممن خاض في هذه المسائل في القديم والحديث هي النظرة العميقة للموضوع, والتضخيم الكبير لموضوع القراءات حتى غدا نزول القرآن على سبعة أحرف أعظم وأهم من نزول القرآن نفسه.
فحين حدث هذا التصور وهو أن جبريل نزل بجميع الأحرف السبعة وعلمها للنبي وأقرأها النبي كلها للصحابة بجميع تفاصيلها وطرق أدائها حينئذ بدأ مشوار الحيرة والتعارض في النصوص وأصبح حديث الأحرف السبعة معضلة كبرى لم يستطع أحد حلها والاطمئنان إلى قول عالم فيها.

وقد فهّم الله بعض العلماء قديماً وحديثاً, فأصابوا في كثير من مسائل هذا الموضوع, في حين لم يوفق كثير منهم في القديم والحديث, والله تعالى يقول: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا).
وسأذكر ممن أرى أنهم وفقوا لفهم مسألة الأحرف السبعة ثلاثة من المتقدمين واثنين من المعاصرين, وهم:
الإمام ابن جرير الطبري في مقدمة تفسيره العظيم "جامع البيان".
والإمام أبو جعفر الطحاوي في كتابه "شرح مشكل الآثار".
والإمام مكي بن أبي طالب في كتابه "الإبانة عن معاني القراءات".
والأستاذ الدكتور محمد حسن حسن جبل أستاذ أصول اللغة بجامعة الأزهر في كتابه "من القضايا الكبرى في القراءات القرآنية"
والدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه "تاريخ القرآن".

وسوف أتكلم في هذا الموضوع عبر العناوين الآتية:
أولاً: القول الراجح في المراد بالأحرف السبعة.
ثانياً: الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف.
ثالثاً: هل العدد سبعة مراد بعينه أم المراد به التكثير.
رابعاً: هل الأحرف السبعة كلها نزل بها جبريل.
خامساً: هل الأحرف السبعة باقية أم قد ذهبت.
سادساً: هل القراءات القرآنية المعروفة جزء من الأحرف السبعة.
سابعاً: هل أراد عثمان بكتابته لمصحف واحد أن يبقي على قراءات متعددة.
ثامناً: هل الاختلاف في الأداء كالإمالة والإدغام وغيره هو من الاختلاف في القراءات والأحرف السبعة.
فأقول مستعيناً بالله طالباً منه التوفيق والتسديد والبصيرة.

أولاً:
المراد بالأحرف السبعة.
قد اختلف العلماء بالمراد بالأحرف السبعة اختلافاً كبيراً حتى ذكر أن أقوالهم بلغت أربعين قولاً كما ذكر السيوطي في "الإتقان" (1/164)
وقال القرطبي في "تفسيره" (1/42) : "اختلف الناس في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولاً"اهـ
وعند النظر في تلك الأقوال يتضح بجلاء بُعْدُ كثير ممن تكلم في الحديث عن التصور الصحيح لمعناه, وإذا كان هذا حال من تكلم في الحديث من أهل العلم فما حال العوام والمقلدين, والله المستعان.
وعلى أي حال أقول: الذي يستحق النظر من تلك الأقوال ثلاثة فقط.

القول الأول:
أن المراد أوجه من المعاني المتفقة المتقاربة بألفاظ مختلفة، نحو (أقبل) و(تعالى) و(هلم), فتقرأ الكلمة الواحدة على ألفاظ مختلفة مع اتحاد المعنى أو تقاربه.
وهذا قول ابن عبد البر في "التمهيد" (8/281)
وقال سفيان بن عيينة: السبعة الأحرف كقولهم: هلم أقبل تعال، أيَّ ذلك قلت أجزاك.
قال أبو الطاهر: وقاله ابن وهب. انظر: "المرشد الوجيز" ص (106)
وكذلك قال ابن سيرين: إنما هو كقولك: هلم تعال وأقبل, كما عند أبي عبيد في "غريب الحديث" (1/451)
وقد نسب ابن عبد البر هذا القول لأكثر العلماء.
ونقل أبو شامة في "المرشد الوجيز" ص (104) ما ذكره ابن عبد البر من أنه جاء عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ: للذين آمنوا انظرونا، مهلونا، أخرونا، أرجئونا، وكان يقرأ: كلما أضاء لهم مشوا فيه، مروا فيه، سعوا فيه, كل هذه الحروف كان يقرأ بها أُبيّ بن كعب t.

القول الثاني:
أن المراد لغات العرب (أي: لهجاتهم المختلفة), كلهجة هذيل, ولهجة هوازن, ولهجة تميم, ولهجة ربيعة, وهكذا.
وهذا قول أكثر العلماء, فهو قول محمد بن جرير الطبري, وأبي عبيد, والطحاوي, وابن قتيبة, وقاسم بن ثابت, والبغوي, ومكي بن أبي طالب, وأبي عمرو الداني, والبيهقي, وأبي شامة, وابن التين, وابن عطية, وغيرهم.
وإليك نصوص أقوالهم:
قال ابن الجزري في "النشر" (1/24) : "أكثر العلماء على أنها لغات".
تنبيه: (ابن قتيبة ومكي بن أبي طالب وابن الجزري هم ممن ذكر هذا القول وهم أيضاً ممن ذكروا القول الثالث كما سيأتي).

قال ابن جرير في "تفسيره" (1/20) : "معنى قول النبي : (نزل القرآن على سبعة أحرف) إنما هو أنه نزل بسبع لغات".

وقال أبو عبيد في "غريب الحديث" (1/451) : "قوله: سبعة أحرف يعني سبع لغات (لهجات) من لغات العرب ....
وذكر قول بن مسعود : (إنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال), قال: وكذلك قال ابن سيرين: وإنما هو كقولك هلم تعال وأقبل, ثم فسره ابن سيرين فقال: في قراءة بن مسعود إن كانت إلا زقية واحدة, وفي قراءتنا صيحة واحدة, والمعنى فيهما واحد وعلى هذا سائر اللغات".

وقال الطحاوي كما في "التمهيد" لابن عبد البر (8/294) , وكما في "المرشد الوجيز" ص (106) : "كانت هذه السبعة للناس في الحروف لعجزهم عن أخذ القرآن على غيرها, لأنهم كانوا أميين لا يكتبون إلا القليل منهم, فكان يشق على كل ذي لغة منهم أن يتحول إلى غيرها من اللغات, ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة, فوسع لهم في اختلاف الألفاظ إذا كان المعنى متفقاً...

وقال ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص (97) : "إن المتقدمين من الصحابة والتابعين قرؤوا بلغاتهم، وجروا على عادتهم، وخلوا أنفسهم وسوم طبائعهم...

وقال ابن قتيبة أيضاً ص (94) : "ولو أن كل فريق من هؤلاء أمر أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلاً وناشئاً وكهلاً لاشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان وقطع للعادة, فأراد الله برحمته ولطفه أن يجعل لهم متسعاً في اللغات ومتصرفاً في الحركات".

وقال ابن التين كما في "الفتح" (9/21) : "جمْعُ عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القرآن حين قرؤوه بلغاتهم على اتساع اللغات... وكان قد وسع قراءته بلغة غير قريش رفعاً للحرج والمشقة في ابتداء الأمر".

وقال البيهقي في "شعب الإيمان" (2/421) : "والصحيح أن يكون المراد بالحروف السبعة اللغات السبع التي هي شائعة في القرآن".

وقال القاسم بن ثابت كما في "المرشد الوجيز" ص (128) : إن الله بعث نبيه والعرب متناؤون في المحال والمقامات، متباينون في كثير من الألفاظ واللغات... فأسقط عنهم هذه المحنة، وأباح لهم القراءة على لغاتهم، وحمل حروفه على عاداتهم".

وقال مكي بن أبي طالب في "الإبانة" ص (71) : "الذي نعتقده في ذلك ونقول به وهو الصواب إن شاء الله أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن هي لغات متفرقة في القرآن...".

وقال أبو عمرو الداني في "جامع البيان" (1/49) : "وجه إنزال القرآن على هذه السبعة أحرف توسعة من الله تعالى على عباده ورحمة لهم، وتخفيفاً عنهم عند سؤال النبي إياه لهم، ومراجعته له فيه لعلمه بما هم عليه من اختلاف اللغات...".

وقال البغوي في "شرح السنة" (3/44) : "أظهر الأقاويل وأصحها وأشبهها بظاهر الحديث أن المراد من هذه الحروف اللغات، وهو أن يقرأ كل قوم من العرب بلغتهم...".

وقال أبو شامة في "المرشد الوجيز" ص (126) : "لأنه نزل على أمة أمية لم يعتادوا الدرس والتكرار وحفظ الشيء على لفظه مع كبر أسنانهم واشتغالهم بالجهاد والمعاش، فرخص لهم في ذلك، ومنهم من نشأ على لغة يصعب عليه الانتقال عنها إلى غيرها، فاختلفت القراءات بسبب ذلك كله".

القول الثالث:
أن المراد أنواع يقع فيها الاختلاف في كلمات القرآن, كالاختلاف في الإعراب, وفي الحروف, والإفراد والتثنية والجمع, والتقديم والتأخير, والزيادة والنقصان, والتذكير والتأنيث, والقلب والإبدال, وتصريف الأفعال, وغير ذلك.
وهو قول ابن قتيبة, ومكي بن أبي طالب, وابن الجرزي وغيرهم.

قال ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص (92) : وقد تدبرت وجوه الخلاف في القراءات فوجدتها سبعة أوجه:
أولها: الاختلاف في إعراب الكلمة، أو في حركة بنائها بما لا يزيلها عن صورتها في الكتاب ولا يغير معناها.
والوجه الثاني: أن يكون الاختلاف في إعراب الكلمة وحركات بنائها... الخ كلامه.

وقال مكي في "الإبانة" ص (71) : "الذي نعتقده في ذلك ونقول به وهو الصواب إن شاء الله أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن: هي لغات متفرقة في القرآن، ومعان في ألفاظ تسمع في القراءة, مختلفة في السمع متفقة في المعنى, ومختلفة في السمع وفي المعنى.
نحو: تبديل كلمة في موضع أخرى وصورة الخط متفقة، أو مختلفة نحو:
يسيركم، وينشركم, ونحو: صيحة وزقية.
وزيادة كلمة ونقص أخرى, وزيادة حرف ونقص آخر.
وتغيير حركات في موضع حركات أخر, وإسكان حركة, وتشديد، وتخفيف.
وتقديم، وتأخير, وشبه ذلك مما يسمع ويميز بالسمع...

وقال ابن الجزري في "النشر" (1/29) : قد تتبعت القراءات صحيحها وشاذها وضعيفها ومنكرها فإذا هو يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه لا يخرج عنها, وذلك إما في الحركات بلا تغير في المعنى والصورة نحو (البخل) بأربعة أوجه و(يحسب) بوجهين.
أو بتغير في المعنى فقط نحو فتلقى آدم من ربه كلمت... الخ كلامه

والأقرب أن المراد بالأحرف السبعة هو ما جاء في القولين الثاني والثالث.
فإن الظاهر أن من الأحرف السبعة ما كان على لغات أخرى من لغات العرب, وهو مخالف للرسم العثماني, ومنه ما كان فيه زيادة أو نقص أو تقديم أو تأخير.
ومنها ما كان موافقاً للرسم، ولكنه مختلف في الحركات أو التذكير والتأنيث أو غير ذلك.

فالصواب أن كل هذه الاختلافات المذكورة ونحوها هي من الأحرف التي نزلت الرخصة بالقراءة فيها, واستمر ذلك حتى بقي من ذلك حرف قريش الذي نزل به القرآن, وما سمح به الرسم من بعض الاختلاف الجائز بأصل الرخصة.

قال أبو شامة في "المرشد الوجيز" ص (126) : "فمعنى الحديث أنهم رخص لهم في إبدال ألفاظه بما يؤدي معناها، أو يقاربه من حرف واحد إلى سبعة أحرف، ولم يلزموا المحافظة على حرف واحد, لأنه نزل على أمة أمية لم يعتادوا الدرس والتكرار وحفظ الشيء على لفظه مع كبر أسنانهم واشتغالهم بالجهاد والمعاش، فرخص لهم في ذلك، ومنهم من نشأ على لغة يصعب عليه الانتقال عنها إلى غيرها، فاختلفت القراءات بسبب ذلك كله.
ودلنا ما ثبت في الحديث من تفسير ذلك بنحو: هلم، وتعال، على جواز إبداله باللفظ المرادف، ودلنا ما ثبت من جواز غفوراً رحيماً موضع عزيزاً حكيماً على الإبدال بما يدل على أصل المعنى دون المحافظة على اللفظ، فإن جميع ذلك ثناء على الله سبحانه، هذا كله فيما يمكن القارئ عادة التلفظ به، وأما ما لا يمكنه لأنه ليس من لغته فأمره ظاهر ولا يخرج إن شاء الله شيء من القراءات عن هذا الأصل وهو إبدال اللفظ بمرادف له أو مقارب في أصل المعنى، ثم لما رسمت المصاحف هجر من تلك القراءات ما نافى المرسوم، وبقي ما يحتمله، ثم بعض ما يحتمله خط المصحف اشتهر وبعضه شذت روايته".
وقال أبو شامة أيضاً في "المرشد الوجيز" ص (95) : "قال بعض الشيوخ: الواضح من ذلك أن يكون الله تعالى أنزل القرآن بلغة قريش ومن جاورهم من فصحاء العرب، ثم أباح للعرب المخاطبين به المنزل عليهم أن يقرءوه بلغاتهم التي جرت عادتهم باستعمالها على اختلافهم في الألفاظ والإعراب، ولم يكلف بعضهم الانتقال من لغة إلى غيرها لمشقة ذلك عليهم، ولأن العربي إذا فارق لغته التي طبع عليها يدخل عليه الحمية من ذلك فتأخذه العزة، فجعلهم يقرؤونه على عاداتهم وطباعهم ولغاتهم مناً منه لئلا يكلفهم ما يشق عليهم، فيتباعدوا عن الإذعان...
قال أبو شامة: قلت: وهذا كلام مستقيم حسن، وتتمته أن يقال: أباح الله تعالى أن يقرأ على سبعة أحرف ما يحتمل ذلك من ألفاظ القرآن وعلى دونها ما يحتمل ذلك من جهة اختلاف اللغات وترادف الألفاظ توسيعاً على العباد".
وقال أبو شامة أيضاً في "المرشد الوجيز" ص (102) : العربي المجبول على لغة لا يكلف لغة قريش لتعسرها عليه, وقد أباح الله تعالى القراءة على لغته".

وقال أبو جعفر الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (8/125) : "كانت هذه السبعة للناس في هذه الحروف لعجزهم عن أخذ القرآن على غيرها مما لا يقدرون عليه، لما قد تقدم ذكرنا له في هذا الباب، وكانوا على ذلك حتى كثر من يكتب منهم, وحتى عادت لغاتهم إلى لسان رسول الله ، فقووا بذلك على تحفظ القرآن بألفاظه التي نزل بها، فلم يسعهم حينئذ أن يقرؤوه بخلافها، وبان بما ذكرنا أن تلك السبعة الأحرف إنما كانت في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورة، فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف، وعاد ما يقرأ به القرآن إلى حرف واحد".

وقال الإمام يحيى بن سعيد القطان وهو يقرر عدم وجوب الالتزام الحرفي للنص في رواية الحديث: ليس في يد الناس أشرف ولا أجل من كتاب الله تعالى, وقد رخص فيه على سبعة أحرف.
وقال: أخاف أن يضيق على الناس تتبع الألفاظ, لأن القرآن أعظم حرمة ووسع أن يقرأ على وجوه إذا كان المعنى واحداً. "الكفاية" للخطيب ص (210)

يقول الدكتور عبد الصبور شاهين في "تاريخ القرآن" ص (66) : "الذي نرجحه في معنى الأحرف السبعة ما يشمل اختلاف اللهجات, وتباين مستويات الأداء الناشئة عن اختلاف الألسن وتفاوت التعليم, وكذلك ما يشمل اختلاف بعض الألفاظ وترتيب الجمل بما لا يتغير به المعنى المراد".

وقال ابن العربي في "أحكام القرآن" (2/1040) : "لا شك في أن الاختلاف في القراءة كان أكثر مما في ألسنة الناس اليوم، ولكن الصحابة ضبطت الأمر إلى حد يقيد مكتوباً، وخرج ما بعده عن أن يكون معلوماً, حتى أن ما تحتمله الحروف المقيدة في القرآن قد خرج أكثره عن أن يكون معلوماً، وقد انحصر الأمر إلى ما نقله القراء السبعة بالأمصار الخمسة".

ثانياً:
الحكمة من نزول القرآن على سبعة أحرف.
ليس في الأمر إلا حكمة واحدة, هي التي نص عليها النبي في الأحاديث الصحيحة, وذكرها كثير من أهل العلم, وهي التهوين والتسهيل على الناس, ليقرأ كل مسلم ما يتيسر له من تلك الأحرف واللهجات.
ولهذا جاء في حديث أُبيّ بن كعب : (أرسل إليَّ أن اقرأ القرآن على حرف, فرددت إليه أن هون على أمتي...) الحديث. أخرجه مسلم (820)
وفي الحديث الآخر عن أبي بن كعب (أن النبي أتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف, فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك, ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين, فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك... ) الحديث. أخرجه مسلم (821)
قال الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (8/124) : "السبعة الأحرف كانت توسعة من الله عليهم لضرورتهم إلى ذلك وحاجتهم إليه, وإن كان الذي نزل على النبي إنما نزل بألفاظ واحدة".
وقال ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص (94) : "ولو أن كل فريق من هؤلاء أمر أن يزول عن لغته وما جرى عليه اعتياده طفلاً وناشئاً وكهلاً لاشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلا بعد رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان وقطع للعادة, فأراد الله برحمته ولطفه أن يجعل لهم متسعاً في اللغات ومتصرفاً في الحركات".

وقال ابن الجزري في "النشر" (1/22) : "فأما سبب وروده على سبعة أحرف فللتخفيف على هذه الأمة وإرادة اليسر بها والتهوين عليها شرفاً لها وتوسعة ورحمة وخصوصية لفضلها"اهـ
فليس لنزول القرآن على سبعة أحرف إلا هذه الحكمة.

وأما قول بعضهم: إن القراءات حفظت لغة العرب من الضياع والاندثار...
فهذا غريب جداً, لا يتوافق مع الشرط المهم الذي أجمع عليه القراء وهو عدم قبول القراءة إلا إذا وافقت وجهاً إعرابياً معلوماً صحيحاً, فكيف تحفظ لغة العرب وهي لا تقبل أصلاً حتى توافق لغة العرب.

وأما قولهم: إن في اختلاف القراءات فوائد في تنوع المعاني, إذ كل قراءة بمنزلة الآية، فتنوع اللفظ بكلمة يقوم مقام آيات...
فقد ذكرت في الموضوع الذي كتبته بعنوان "عشرة أدلة على أفضلية الاقتصار على قراءة واحدة وعدم القراءة بالسبع أو العشر" أن هذه الفائدة ضئيلة جداً خلاف ما هو شائع عند كثير من مشايخ القراءات, وبينت هذا بالتفصيل.
وذكرت الآيات التي اختلف فيها القراء, وذكرت أن المعنى في أغلبها متحد أو ملتقي يعود إلى معنى واحد, ولم يخرج من ذلك إلا عشر آيات فقط ذكرتها هناك.
أما الاختلاف في صفات الأداء وهو ما يسمى بالأصول على كثرته وسعته فليس فيه أي حكمة ولا فائدة تتعلق بالمعاني, فاللفظ لا يتغير معناه مهما اختلفت طريقة أداءه بالإمالة أو الإدغام أو الروم أو المد أو البدل أو التسهيل أو غير ذلك, هذا كله على القول بأن صفات الأداء من الأحرف السبعة, وسيأتي بيان أن جميع الاختلاف في الأصول وطريقة الأداء ليس من القراءات ولا من الأحرف السبعة.

ثالثاً :
هل العدد سبعة مراد بعينه أم المراد به التكثير.
المشهور عند الأكثرين من أهل العلم أن العدد مراد, وأنها سبعة أحرف لا غير, وقالوا: إن الأحاديث تضافرت في الدلالة على أن المراد بالسبعة حقيقة العدد.
والقول الثاني: أن حقيقة العدد (سبعة) ليست مرادة هنا, إنما المراد به التكثير, وبيان أن القرآن يقرأ على أوجه كثيرة.
قال السيوطي في "الإتقان" (1/164) : وإلى هذا جنح عياض ومن تبعه.
وقال الطاهر بن عاشور في "تفسيره" (1/57) : "القول الثاني لجماعة منهم عياض أن العدد غير مراد به حقيقته، بل هو كناية عن التعدد والتوسع"اهـ
ورجحه القاسمي في "تفسيره" (1/287)
ومال إليه الخطابي وأبو شامة كما سيأتي.
وذهب إليه جماعة من أهل العلم المعاصرين.

وهذا القول هو الأقرب, بل هو الأصح والله أعلم.
ويرجح هذا القول أمور منها:
أولاً: أن المراد بالحديث والله أعلم بيان أن القرآن أنزل على حروف متنوعة كثيرة ميسراً سهلاً يتلوه كل أحد مهما اختلفت لهجته وقبيلته, فلم ينزل بلسان قبيلة ولا قوم دون غيرهم, بل للناس كافة بشيراً ونذيراً, فالعدد غير مراد إذاً, إنما المراد بيان الكثرة والعموم, فهو الفرقان قد أنزل على محمد ليكون للعالمين نذيراً.

ثانياً: أن لفظ السبعة يطلق في لسان العرب ويراد به الكثرة في الآحاد، كما يطلق لفظ السبعين ويراد الكثرة في العشرات، والسبعمائة في المئين ولا يراد العدد المعين.
ولهذا نظائر كثيرة منها:
قوله تعالى: (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) ليس المراد أنه لو استغفر لهم أكثر غفر لهم, فليس العدد مراداً, إنما المراد نفي مغفرة الله لهم.
قوله تعالى: (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله)
قال ابن عطية في "تفسيره" (11/512) : الغرض منها الإعلام بكثرة كلمات الله تعالى وهي في نفسها غير متناهية, وإنما قرب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى، لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة، وأيضاً فإن الآية إنما تضمنت أن كلمات الله لم تكن لتنفد، وليس تقتضي الآية أنها تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور".
قول النبي : (صلاة بسواك خير من سبعين صلاة بغير سواك), وهذا الحديث وإن ضعفه بعض العلماء فالأقرب أنه يتقوى بشواهده, والمراد به المبالغة في الحث والترغيب في السواك, لا حقيقة العدد والله أعلم.
قول النبي : (المؤمن يأكل بمعى واحد, والكافر يأكل في سبعة أمعاء).
قال العلماء: مقصود الحديث التقلل من الدنيا، والحث على الزهد فيها والقناعة.

ثالثاً: أن العلماء الذين ذكروا أنها سبع لهجات اختلفوا في تعيينها, ولا دليل على تحديد سبع لهجات دون غيرها.

رابعاً: أن الصحابة لم يسألوا عن هذه السبعة, ولم يحاولوا التعرف عليها وتحديدها, وهذا يدل على أنهم لم يفهموا التحديد بل فهموا الكثرة.

خامساً: أن النص يقول: (أنزل القرآن على سبعة أحرف), فلو أخذنا بظاهره وأنها سبعة لا تزيد فيلزمنا أن نقول أيضاً: إنها سبعة لا تنقص, وهذا لم يقل به أحد, فكلهم قالوا: إنه لا يعني أن تنزل الكلمة في القرآن على سبعة أحرف.
فكيف يكون هذا, فإن النص صريح في أن القرآن أنزل على أحرف متعددة, ثم ذكر عددها فقال: سبعة, فإذا قلنا هي سبعة لا تزيد كما هو النص فيلزمنا أن نقول: هي سبعة لا تنقص كما هو النص.

سادساً: أن اللهجات العربية كثيرة جداً ليست سبعة, بل هي أكثر من مائة لهجة, فلماذا يرخص لسبع لغات دون غيرهم والقرآن نزل لجميع الناس, لا سيما إذا تذكرنا أن الحكمة من نزول الأحرف هي تسهيل القراءة وتهوينها.

سابعاً: أن في الكلمات ما قرئ على وجوه كثيرة تتجاوز السبعة.

قال أبو شامة في "المرشد الوجيز" ص (99) : قال الخطابي: قيل فيه وجه آخر، وهو أن المراد به التوسعة، ليس حصراً للعدد".
ثم قال أبو شامة: "قلت: هذا موافق لما سبق تقريره على ما روي عن علي وابن عباس ، وهو كما قيل في معنى قوله تعالى: إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم إنه جرى كالمثل في التعبير عن التكثير، لا حصراً في هذا العدد والله أعلم"اهـ

وقال ابن التين كما في "الفتح" (9/21) : "جمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القرآن حين قرؤوه بلغاتهم على اتساع اللغات, فاقتصر عثمان من سائر اللغات على لغة قريش محتجاً بأنه نزل بلغتهم".

وأما قول بعض العلماء: إن التدرج في الرخصة بالأحرف يدل على أن العدد مراد, فإنه قال: (إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف, فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك, ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين, فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك, ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف, فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك, ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف, فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا). أخرجه مسلم (821)
قالوا: فهذا التدرج لا يكون له معنى لو لم يكن تحديد العدد مراداً, ومراجعة الرسول في المرة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة كذلك تدل على أنه فهم من الأمر في كل مرة التحديد.
وسوف أجيب عن ذلك بعد نقل كلام ابن الجزري الآتي.
قال ابن الجزري في "النشر" (1/25) : "قيل: ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد بحيث لا يزيد ولا ينقص, بل المراد السعة والتيسير وأنه لا حرج عليهم في قراءته بما هو من لغات العرب من حيث إن الله تعالى أذن لهم في ذلك, والعرب يطلقون لفظ السبع والسبعين والسبعمائة ولا يريدون حقيقة العدد بحيث لا يزيد ولا ينقص, بل يريدون الكثرة والمبالغة من غير حصر قال تعالى: (كمثل حبة أنبتت سبع سنابل) وقال: (إن تستغفر لهم سبعين مرة) وقال في الحسنة: (إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة), وكذا حمل بعضهم قوله : (الإيمان بضع وسبعون شعبة).
ثم قال ابن الجزري: وهذا جيد لولا أن الحديث يأباه, فإنه ثبت في الحديث من غير وجه أنه لما أتاه جبريل بحرف واحد قال له ميكائيل: استزده, وأنه سأل الله تعالى التهوين على أمته فأتاه على حرفين, فأمره ميكائيل بالاستزادة، وسأل الله التخفيف فأتاه بثلاثة, ولم يزل كذلك حتى بلغ سبعة أحرف, وفي حديث أبي بكرة (فنظرت إلى ميكائيل فسكت فعلمت أنه قد انتهت العدة), فدل على أن إرادة حقيقة العدد وانحصاره"اهـ

والجواب عن ما سبق أن يقال: إن التدرج لم يحصل في الرواية الصحيحة المشهورة إلا ثلاث مرات ولم يتواصل حتى السبعة, ثم جاءت السبعة جملة لتدل على الكثرة وعدم التحديد, كأنه بشر بالرخصة شيئاً فشيئاً ثم جاء بها جملة لبيان أن المراد بالرخصة الرخصة العامة غير المحددة.
فإن قيل: لم حددها بسبعة بهذا اللفظ؟
فيقال: هذا أسلوب معروف يراد به الكثرة كما سبق بيانه وشواهده, وهو أنسب من قوله: (إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن بحروف كثيرة).

وأما الزيادة التي ذكرها ابن الجزري في حديث أبي بكرة , وهي قوله: (فنظرت إلى ميكائيل فسكت فعلمت أنه قد انتهت العدة) فهي زيادة تالفة واهية باطلة منكرة.
وقد أخرجها أبو عمرو الداني في "الأحرف السبعة" (7) من طريق: الحسن بن دينار, عن علي بن زيد, عن عبد الرحمن بن أبي بكرة, عن أبيه .
وقد تفرد بها الحسن بن دينار.
والحسن هذا قال فيه الفلاس: أجمع أهل العلم بالحديث أنه لا يروي عنه, وقال أبو حاتم: متروك الحديث كذاب, وقال ابن عدي: أجمع من تكلم في الرجال على ضعفه, وقال أبو خيثمة: كذاب, وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه, وقال الجوزجاني: ذاهب, وقال الساجي: كان يتهم, وقال أحمد: كان وكيع إذا أتى على حديث الحسن بن دينار قال اضرب عليه. انظر: "لسان الميزان" (2/205)

وقد أخرجه الإمام أحمد وغيره من طرق عن حماد بن سلمة, عن علي بن زيد به, ولم يذكر هذه الزيادة.

وكذلك أخرجه مسدد عن عبد الوارث, عن علي بن زيد به, كما في "إتحاف الخيرة" (6/317) , وليس فيه زيادة (فعلمت أنه قد انتهت العدة), فهي زيادة واضحة البطلان.
ثم إن الحديث مداره على علي بن زيد بن جدعان, وهو ضعيف, وقال حماد بن زيد: كان يقلب الأحاديث، وقال: كان يحدثنا اليوم بالحديث ثم يحدثنا غداً، فكأنه ليس ذاك, وذكر شعبة أنه قد اختلط. انظر: "تهذيب الكمال" (20/434)

قال الدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه "تاريخ القرآن" ص (68) : من مجانبة التوفيق في رأينا أن نحاول حصر الأحرف السبعة المرادة في ذلك العهد بسبع لغات مجتمعة ومتفرقة معينة أو شائعة, فكل ذلك خبط بغير دليل, وتيه لا هدى معه, كما أن من مجانبة التوفيق أن نحدد مستويات سبعة للاختلاف لتفسير المراد بها, مهما ساعد المنطق على تسويغ هذه المستويات".

رابعاً :
هل الأحرف السبعة كلها نزل بها جبريل.
قد ذكرت هذه المسألة المهمة في موضوع مستقل بعنوان " هل القراءات القرآنية كلها نزل بها جبريل".
وذكرت هناك أن العلماء قد اختلفوا في هذه المسألة العظيمة منذ وقت مبكر, وسبب هذا الاختلاف اختلاف ظاهر النصوص الواردة في ذلك.
وبينت القول الراجح فيها, وهو أن جبريل لم ينزل إلا بحرف واحد وقراءة واحدة, وذكرت الأدلة على ذلك.
ومن تلك الأدلة:
أولاً: النص الصريح على أن القرآن أنزل بلسان قريش.
ثانياً: أن الذي كان يكتب حين نزول الوحي إنما هو حرف واحد, وهو لغة قريش, ولم يكن يكتب بأي لهجة أخرى.
ثالثاً: أن الرسول ما كان يقرأ في الصلاة, وما كان يقرئ الصحابة إلا بلسان قريش, إلا في حالات نادرة.
رابعاً: إلغاء عثمان لبقية الأحرف وإلزام الناس بحرف واحد, وهذا يستحيل وجوده لو كانت الأحرف كلها منزلة من عند الله.
خامساً: أن الرخصة والإذن بالأحرف السبعة إنما تم في أواخر العهد المدني, ولو كانت الأحرف كلها منزلة من عند الله لكان ذلك من أول نزوله.
سادساً: أن النبي قال: (أنزل القرآن على سبعة أحرف), ولم يقل: (أنزلت سبعة أحرف) وهناك فرق بين اللفظين.
سابعاً: أن الحديث بلفظ (إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك) لا يثبت, والصواب أنه بلفظ (إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك).
ثامناً: أن الرخصة بالقراءات والأحرف المختلفة لم يأت إلا قبل وفاة النبي بسنتين أو ثلاث, فكيف يتصور في هذا الزمن القصير أن يقرئهم بكل تلك القراءات المختلفة.
وذكرت أدلة وقرائن أخرى كثيرة ونقول عن طائفة من أهل العلم المحققين.
ومنهم الإمام أبو جعفر الطحاوي, وابن جرير الطبري, وابن التين, وابن تيمية, والزركشي, وأبو الليث السمرقندي, والطاهر بن عاشور, والدكتور عبد الهادي حميتو, والأستاذ الدكتور محمد جبل, والدكتور عبد الصبور شاهين, والدكتور صبري الأشوح, وغيرهم.
ثم ذكرت ثمانية أدلة تؤيد أقوال هؤلاء العلماء.
ثم أجبت عن ظاهر بعض النصوص التي فهم كثير من أهل العلم منها أن القراءات كلها نزل بها جبريل على النبي , وأن النبي أقرأ بها جميعها.
كقول كل من عمر وهشام حين اختلفا: هكذا أقرأني رسول الله .
وقوله لكل منهما حين سمع القراءة منهما: (هكذا أنزلت).
وقوله: (أنزل القرآن على سبعة أحرف).

خامساً :
هل الأحرف السبعة باقية أم قد ذهبت.
حين حدث الاختلاف بين الناس في القراءة في زمن عثمان أمر بالاقتصار على حرف واحد, وكتبه بلسان قريش, وبقي بعض التنوع في وجوه القراءة مما يحتمله الرسم, فبقيت بعض القراءات يقرأ بها على أكثر من وجه كما هو معروف, فبعض القراءات الموجودة اليوم هي بعض من الأحرف السبعة.
فالمصاحف تشتمل على ما يحتمله الرسم من الأحرف السبعة فقط، وهو قول جماهير العلماء وقد صوبه الإمام ابن الجزري.
قال ابن الجزري في "النشر" (1/31) : ذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أن هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط.
قال ابن الجزري: "وهذا القول هو الذي يظهر صوابه, لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة المستفيضة تدل عليه وتشهد له".
وهذا القول وهو أن عثمان كتب القرآن على حرف واحد وترك ما سواه هو قول أكثر العلماء, وهو قول الحذاق من أهل النظر كما قال أبو العباس أحمد بن عمار المقرئ, كما في "المرشد الوجيز" ص (140)
وهو قول أئمة السلف والعلماء, كما قال ابن تيمية في "الفتاوى" (13/401)
وقال أيضاً (13/395) : "الذي عليه جمهور العلماء من السلف والأئمة أنها حرف من الحروف السبعة, والأحاديث والآثار المشهورة المستفيضة تدل على هذا القول"اهـ
وإلى ذلك ذهب سفيان بن عيينة, وابن وهب, وابن جرير الطبري، وأبو جعفر الطحاوي، والحارث المحاسبي، وابن عبد البر، وابن التين, وأبو عبيد الله بن أبي صفرة, والنحاس, وأبو القاسم الشاطبي, ومكي بن أبي طالب, وأبو شامة, ومحمد بن عبد الله الأصبهاني المقرئ, وغيرهم, وهو قول جمهور العلماء من السلف والأئمة والحذاق من أهل النظر كما سبق.
وسأذكر الآن أقوال هؤلاء الأئمة.
قال ابن جرير الطبري في "تفسيره" (1/28) : "جمعهم عثمان على مصحف واحد وحرف واحد, لأن أمره بالأحرف السبعة لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة".

وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (8/291) : مصحف عثمان الذي بأيدي الناس اليوم هو منها حرف واحد وعلى هذا أهل العلم فاعلم".
وقال أيضاً (8/296) : "وهذا يدلك على قول العلماء أن ليس بأيدي الناس من الحروف السبعة التي نزل القرآن عليها إلا حرف واحد, وهو صورة مصحف عثمان وما دخل فيه ما يوافق صورته من الحركات واختلاف النقط من سائر الحروف".
وقال في "الاستذكار" (24/277) : "وقد أجمع الصحابة ومن بعدهم على حرف واحد من السبعة الأحرف التي قال رسول الله أنزل القرآن عليها, ومنعوا ما عدا مصحف عثمان منها, وانعقد الإجماع على ذلك فلزمت الحجة به".

وقال أبو عبيد الله بن أبي صفرة: "هذه القراءات السبع إنما شرعت من حرف واحد من السبعة المذكورة في الحديث، وهو الذي جمع عثمان عليه المصحف، وهذا ذكره النحاس وغيره". انظر: "شرح مسلم" للنووي (6/100)

وقال القرطبي في "تفسيره" (1/46) : "قال كثير من علمائنا كالداودي وابن أبي صفرة وغيرهما: هذه القراءات السبع التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة إنما هي راجعة إلى حرف واحد من تلك السبعة، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف، ذكره ابن النحاس وغيره"

وقال مكي بن أبي طالب في "الإبانة" ص (32) : "إن هذه القراءات كلها التي يقرأ بها الناس اليوم وصحت روايتها عن الأئمة إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووافق اللفظ بها خط المصحف، مصحف عثمان الذي أجمع الصحابة فمن بعدهم عليه، واطرح ما سواه مما يخالف خطه...
وإذا كان المصحف بلا اختلاف كتب على حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن على لغة واحدة، والقراءة التي يقرأ بها لا يخرج شيء منها عن خط المصحف، فليست هي إذاً هي السبعة الأحرف التي نزل بها القرآن كلها.
ولو كانت هي السبعة كلها وهي موافقة للمصحف لكان المصحف قد كتب على سبع قراءات، ولكان عثمان قد أبقى الاختلاف الذي كرهه، وإنما جمع الناس على المصحف ليزول الاختلاف.
فصح من ذلك أن الذي يقرأ به الأئمة وكل ما صحت روايته مما يوافق خط المصحف إنما هو كله حرف من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وافق لفظها على اختلافه خط المصحف، وجازت القراءة بذلك إذ هو غير خارج عن خط المصاحف التي وجه بها عثمان إلى الأمصار وجمعهم على ذلك.
وسقط العمل بما يخالف خط المصحف من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن بالإجماع على خط المصحف.
فالمصحف كتب على حرف واحد، وخطه محتمل لأكثر من حرف, إذ لم يكن منقوطاً ولا مضبوطاً, فذلك الاحتمال الذي احتمل الخط هو من الستة الأحرف الباقية"اهـ

وقال أبو شامة في "المرشد الوجيز" ص (139) : "اختار الصحابة الاقتصار على اللفظ المنزل المأذون في كتابته وترك الباقي للخوف من غائلته, فالمهجور هو ما لم يثبت إنزاله, بل هو من الضرب المأذون فيه بحسب ما خف وجرى على ألسنتهم".
وقال ص (89) : "الصحابة خافوا من كثرة الاختلاف، وألهموا وفهموا أن تلك الرخصة قد استغني عنها بكثرة الحفظة للقرآن، ومن نشأ على حفظه صغيراً, فحسموا مادة ذلك بنسخ القرآن على اللفظ المنزل غير اللفظ المرادف له".

وقال الحارث المحاسبي كما في "الإتقان" (1/211) : "إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات, فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي نزل بها القرآن".

وقال أبو القاسم الشاطبي في قصيدته كما في "المرشد الوجيز" ص (72) :
فاستحضر الصحف الأولى التي جمعت وخص زيداً ومن قريشه نفرا
علـى لســان قـريـش فاكتبــوه كمـا على الرسول به إنزالـه انتشرا
قال أبو شامة ص (139) : "مال الشاطبي إلى قول الطبري فيما جمعه عثمان, ودل على ذلك أبياته المتقدمة".

وقال ابن التين كما في "الفتح" (9/21) : "جمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرؤوه بلغاتهم على اتساع اللغات, فأدى ذلك ببعضهم إلى تخطئة بعض, فخشي من تفاقم الأمر في ذلك, فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتباً لسوره, واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش, محتجاً بأنه نزل بلغتهم, وإن كان قد وسع قراءته بلغة غيرهم رفعاً للحرج والمشقة في ابتداء الأمر, فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت فاقتصر على لغة واحدة".

وقال أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي كما في "المرشد الوجيز" ص (140) : "أصح ما عليه الحذاق من أهل النظر في معنى ذلك أنما نحن عليه في وقتنا هذا من هذه القراءات هو بعض الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن".
وقال المهدوي: "الحروف السبعة التي أخبر النبي أن القرآن نزل عليها تجري على ضربين:
أحدهما: زيادة كلمة ونقص أخرى، وإبدال كلمة مكان أخرى وتقدم كلمة على أخرى وذلك نحو ما روي عن بعضهم (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج) وروي عن بعضهم (حم سق) و(إذا جاء فتح الله والنصر) فهذا الضرب وأشباهه متروك لا تجوز القراءة به, لإجماع الأمة على اتباع المصحف المرسوم.
والضرب الثاني: ما اختلف القراء فيه ... فهذا الضرب هو المستعمل في زماننا هذا وهو الذي عليه خط مصاحف الأمصار، سوى ما وقع في حروف يسيرة, فثبت بهذا أن القراءات التي نقرؤها هي بعض من الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن, فهذا أصح ما قال العلماء".

وقال أبو جعفر الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (8/117) : "كان أهل لسانه أميين لا يكتبون إلا القليل منهم كتاباً ضعيفاً, وكان يشق عليهم حفظ ما يقرؤه عليهم بحروفه التي يقرؤه بها عليهم، ولا يتهيأ لهم كتاب ذلك وتحفظهم إياه, لما عليهم في ذلك من المشقة, وإذا كان أهل لسانه في ذلك كما ذكرنا كان من ليس من أهل لسانه من بعد أخذ ذلك عنه بحروفه أوكد, وكان عذرهم في ذلك أبسط, لأن من كان على لغة من اللغات ثم أراد أن يتحول عنها إلى غيرها من اللغات لم يتهيأ ذلك له إلا بالرياضة الشديدة والمشقة الغليظة، وكانوا يحتاجون إلى حفظ ما قد تلاه عليهم مما أنزله الله عليه من القرآن, ليقرءوه في صلاتهم، وليعلموا به شرائع دينهم، فوسع عليهم في ذلك أن يتلوه وإن خالفت ألفاظهم التي يتلونه بها ألفاظ نبيهم التي قرأه بها عليهم، فوسع لهم في ذلك...
وكانوا على ذلك حتى كثر من يكتب منهم, وحتى عادت لغاتهم إلى لسان رسول الله ، فقرؤوا بذلك على تحفظ القرآن بألفاظه التي نزل بها، فلم يسعهم حينئذ أن يقرؤوه بخلافها، وبان بما ذكرنا أن تلك السبعة الأحرف إنما كانت في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورة، فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف، وعاد ما يقرأ به القرآن إلى حرف واحد".

وقال أبو الطاهر كما في "التمهيد" (8/293) : "سألت سفيان بن عيينة عن اختلاف قراءة المدنيين والعراقيين هل تدخل في السبعة الأحرف, فقال: لا وإنما السبعة الأحرف كقولهم: هلم أقبل تعالى, أي ذلك قلت أجزاك, قال أبو الطاهر: وقاله ابن وهب.
قال أبو بكر محمد بن عبد الله الأصبهاني المقرئ: ومعنى قول سفيان هذا أن اختلاف العراقيين والمدنيين راجع إلى حرف واحد من الأحرف السبعة, وبه قال محمد بن جرير الطبري".

قال ابن الجزري في "منجد المقرئين" ص (181) : "الذي لا يشك فيه أن قراءة الأئمة السبعة والعشرة والثلاثة عشر وما وراء ذلك بعض الأحرف السبعة من غير تعيين".

هذه إذاً أقوال أولئك الأئمة المحققين واضحة ناصعة مؤيدة بدلائل المنقول والمعقول.
لكن قد اعترض بعض أهل العلم على هذا القول وأعظموا فيه النكير, وقالوا: إن من أبطل الأقوال القول بأن عثمان ألغى الأحرف السبعة وأبقى على واحد, وقالوا: إنه لا يجوز على الأمة أن تهمل شيئاً من الأحرف السبعة.
وذهب إلى ذلك طوائف من الفقهاء والقراء وأهل الكلام.

وانقسم القائلون بهذا القول إلى فريقين:
الفريق الأول: قالوا: إن الأحرف السبعة باقية كلها في المصاحف التي نسخها عثمان, ولا يجوز للأمة أن تهمل أو تلغي شيئاً منها, وما كان لعثمان أن ينهى عن بعض الأحرف السبعة التي أنزلها الله لجميع الأمة إلى يوم القيامة, وعثمان لم يفعل ذلك, بل الأحرف السبعة كلها باقية وموجودة في المصحف.

قال بهذا أبو عمرو الداني, والباقلاني, وابن حزم, والسخاوي.
وسأذكر أقوالهم ثم أبين ضعفها الواضح.
قال أبو عمرو الداني في "جامع البيان" (1/67) : "وأن أمير المؤمنين عثمان ومن بالحضرة من جميع الصحابة قد أثبتوا جميع تلك الأحرف في المصاحف, وأخبروا عن صحتها وأعلموا بصوابها, وخيروا الناس فيها كما كان صنع رسول الله.... وأن عثمان تعالى والجماعة إنما طرحوا حروفاً وقراءات باطلة غير معروفة ولا ثابتة، بل منقولة عن الرسول نقل الأحاديث التي لا يجوز إثبات قرآن وقراءات بها".

وقال القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني كما في "المرشد الوجيز" ص (142) : الذي لم يثبت ولم تقم به الحجة هو الذي حرقه عثمان ، وأخذهم بالمستيقن المعلوم من قراءات الرسول .
فأما أن يستجيز هو أو غيره من أئمة المسلمين المنع من القراءة بحرف ثبت أن الله تعالى أنزله، ويأمر بتحريقه والمنع من النظر فيه والانتساخ منه، ويضيق على الأمة ما وسعه الله تعالى ويحرم من ذلك ما أحله، ويمنع منه ما أطلقه وأباحه، فمعاذ الله أن يكون ذلك كذلك.
وقال أيضاً: ليس الأمر على ما توهمتم من أن عثمان جمعهم على حرف واحد وقراءة واحدة، بل إنما جمعهم على القراءة بسبعة أحرف وسبع قراءات، كلها عنده وعند الأمة ثابتة عن الرسول .
وقال أيضاً كما في "البرهان" للزركشي (1/223) : الصحيح أن هذه الأحرف السبعة ظهرت واستفاضت عن رسول الله، وضبطها عنه الأئمة، وأثبتها عثمان والجماعة في المصحف، وأخبروا بصحتها، وإنما حذفوا منها ما لم يثبت متواتراً.

وقال السخاوي في "جمال القراء" ص (262) : "ليس في قدرة أحد من البشر أن يرفع ما أطبقت عليه الأمة واجتمعت عليه الكافة, وأن يختم على أفواههم فلا تنطق به، ولا أن يمحوه من صدورهم بعد وعيه وحفظه.
ولو تركوه في الملأ لم يتركوه في الخلوة، ولكان ذلك كالحامل لهم على أدائه والجد في حراسته, كي لا يذهب من هذه الأمة كتابها وأصل دينها.
ولو أراد بعض ولاة الأمر في زماننا هذا أن ينزع القرآن والعياذ بالله من أيدي الأمة أو شيئاً منه ويعفي أثره لم يستطع ذلك, فكيف يجوز ذلك في زمن الصحابة والتابعين.
والذي ادعاه الطبري من أن عثمان إنما كتب حرفاً واحداً من الأحرف السبعة التي أنزلها الله لا يوافق عليه ولا يسلم له، وما كان عثمان يستجيز ذلك، ولا يستحل ما حرم الله من هجر كتابه وإبطاله وتركه".
وقال ص (268) : فإن قيل: فأين السبعة الأحرف التي أخبر رسول الله أن القرآن أنزل عليها في قراءتكم هذه المشهورة؟
قلت: هي متفرقة في القرآن نحو (يسيركم) و(ينشركم) ونحو (ويقض)
و(يقص) و(تحتها) و(من تحتها) ونحو (لنبؤنهم) و(لثوينهم)".

وقال ابن حزم في "الأحكام في أصول الأحكام" (4/674) : "دعواهم أن عثمان أسقط ستة أحرف من جملة الأحرف السبعة المنزل بها القرآن من عند الله عظيمة من عظائم الإفك والكذب, ويعيذ الله تعالى عثمان من الردة بعد الإسلام".
واستشاط غضباً سامحه الله وعفا عنه حتى حكم بالردة والخروج من الإسلام على من يعتقد ذلك.
ولو تفطن إلى أن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان لما قال ما قال, فإن الأحرف السبعة ليست هي القرآن إنما هي طرائق النطق بالقرآن, رخص أن يقرأ بها في وقت معين فقط, وعثمان إنما أبقى على النص الذي كان يكتب في حياة النبي , فإن القرآن قرآن واحد لم يترك منه حرف, كما سبق بيانه في غير هذا الموضع.
هذه إذاً أقوالهم وسأناقشها بعد ذكر قول الفريق الآخر.

الفريق الآخر قالوا: إن كثيراً من الأحرف نسخت في العرضة الأخيرة ولم يبق منها إلا القليل وهو الذي أثبته عثمان في المصحف.
قال بهذا ابن الجزري.
قال ابن الجزري في "النشر" (1/31) : وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أن هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي على جبريل، متضمنة لها لم تترك حرفا منهاً.
قال: وهذا القول هو الذي يظهر صوابه, لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المستفيضة تدل عليه، وتشهد له".

وهذان القولان اللذان ذكرتهما كلاهما ضعيف غاية الضعف, لا تؤيده البراهين الواضحة الناصعة.
أما القول الأول وهو أن جميع الأحرف السبعة باقية في المصاحف التي نسخها عثمان فإنه يرده الواقع المشاهد المحسوس, فإن المصاحف العثمانية ليس فيها إلا رسم واحد لكل كلمة, ليس فيها كلمات مكررة, مع أنه معلوم بالضرورة أن كثيراً مما خالف الرسم قد صح عن الصحابة ، وعن النبي .
ثم كيف يقال: إن جميع الأحرف السبعة باقية, وعثمان قد قال: (اكتبوه بلسان قريش).
ما فائدة قوله هذا إن كان لم يلغ شيئاً من الأحرف.
إن هذا النص من عثمان يدل بكل وضوح أن هناك لهجات أخرى غيرها, ولكنه أمر أن يقتصر على لهجة قريش, وهو أمر مشهور معروف عند كل أحد.
إلا أن يقال: إن الأحرف السبعة كانت كلها بلسان قريش, وهذا لم يقل به أحد, فإن المراد بالأحرف السبعة التسهيل والتيسير على الأمة.
ثم إن الذين قالوا بهذا القول غفلوا عن أمرين هما في غاية الأهمية:
أولهما:
أن عثمان بكتابة المصحف على حرف واحد ومنع الناس من سواه لم يحذف شيئاً من القرآن, فإن القرآن باق لا يمكن أن يذهب منه حرف واحد ولو أجمع الإنس والجن على ذلك وكان بعضه لبعض ظهيراً.
ولكن الذي ألغاه عثمان إنما هو بعض طرائق النطق بالقرآن, وهو ما يعبر عنه بالأحرف السبعة, فإن القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان كما سبق ذكره, فالقرآن هو الوحي المنزل, والقراءات اختلاف ألفاظ هذا الوحي, فطريقة اللفظ بهذا الوحي مختلفة لكن حقيقته قرآن ووحي واحد منزل على محمد .
وإنما ألغاها عثمان لزوال الحاجة إليها, فإن الرخصة كانت لزمن معين وقد انتهى, ولأنها صار سبباً في الاختلاف والتنازع.
وثانيهما:
أن القراءات المثبتة في كتب القراءات كالنشر وغيره ليست إلا قليلاً من كثير وقطرة من بحر بالنسبة للقراءات التي تركت ولم تدون, فكيف يدعى أن الذي في المصحف الآن جميع الأحرف السبعة, وأن عثمان لم يحذف منها شيئاً.
قال ابن الجزري في "النشر" (1/33) : "فإن القراءات المشهورة اليوم عن السبعة والعشرة والثلاثة عشرة بالنسبة إلى ما كان مشهوراً في الأعصار الأول قل من كثر ونزر من بحر, فإن من له اطلاع على ذلك يعرف علمه العلم اليقين, وذلك أن القراء الذين أخذوا عن أولئك الأئمة المتقدمين من السبعة وغيرهم كانوا أمماً لا تحصى، وطوائف لا تستقصى، والذين أخذوا عنهم أيضاً أكثر وهلم جراً".
وقال في "المسائل التبريزية: "ما التزمنا في "النشر" أن نذكر كل ما صح من الروايات والقراءات, بل اخترنا ذلك من الصحيح, ولكن في نفسي أن أجمع كتاباً في القراءات, وأعتمد فيه على كل ما صح عندنا إن شاء الله"اهـ
وهذا يعني بكل وضوح أن ذهاب كثير من القراءات الصحيحة لا يعني ذهاب شيء من القرآن, وإنما القراءات طرائق مختلفة لقراءة القرآن, الغاية منها التسهيل والتيسير والتهوين.
وقال في "منجد المقرئين" (93) : "المصاحف العثمانية لم تكن محتوية على جميع الأحرف السبعة التي أبيحت بها قراءة القرآن كما قال جماعة من أهل الكلام وغيرهم, بناء منهم على أنه لا يجوز على الأمة أن تهمل نقل شيء من الأحرف السبعة، لأننا إذا قلنا إن المصاحف العثمانية محتوية على جميع الأحرف السبعة التي أنزلها الله تعالى كان ما خالف الرسم يقطع بأنه ليس من الأحرف السبعة، وهذا قول محظور لأن كثيراً مما خالف الرسم قد صح عن الصحابة ، وعن النبي "اهـ
ثم قال ابن الجزري : والحق ما تحرر من كلام الإمام محمد بن جرير الطبري, وأبي عمر بن عبد البر, وأبي العباس المهدوي, ومكي بن أبي طالب القيسي, وأبي القاسم الشاطبي, وابن تيمية, وغيرهم أن الصحابة أجمعوا على كتابة القرآن العظيم على العرضة الأخيرة التي قرأها النبي على جبريل عام قبض، وعلى ما أنزل الله تعالى دون ما أذن فيه".

قال الأستاذ الدكتور محمد حسن جبل في كتابه "من القضايا الكبرى في القراءات" ص (174) : قول الإمام أبي عمرو الداني: إن جميع هذه السبعة أحرف قد كانت ظهرت واستفاضت عن رسول الله وضبطتها الأمة على اختلافها وتلقتها منه هو تبرع لا أساس له".

وقال محمد جبل : "أنا أعجب أشد العجب من إقدام إمام في جلالة قدر الإمام الداني على الزعم (بأن أمير المؤمنين والصحابة قد أثبتوا جميع تلك الأحرف السبعة في المصاحف وأخبروا بصحتها وأعلموا الناس بثبوتها وخيروا الناس فيها كما صنع رسول الله ).
ولا أدري كيف قال الإمام الداني ذلك مع أنه هو روى عن الذين رأوا مصاحف عثمانية رأي العين, ورأى هو مصاحف منقولة من المصاحف العثمانية, وهي ليس فيها إلا رسم واحد لكل كلمة, نعم قد تتأتى منه قراءات ولكنه رسم واحد, بل إن بعض المصاحف العثمانية أو صوراً منها متاحة الآن في متاحف الآثار في مصر وغيرها, وليس فيها كلمات مكررة حسب القراءات... وكلام الإمام الداني لا يجوز إلا إذا فسر بأنه يقصد أن المصاحف تشتمل على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة مثل (ملك/ مالك) ونحو هذا فهذا يقبل, وعليه استقر جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين"اهـ
قلت: لكن الإمام الداني ذكر القول الصواب في أرجوزته المنبهة حينما قال:
فـكثـر الخـلاف والمـراء ...... حينئـذ واختلـف القراء
في أحرف الذكر وفي اللغات ...... فاجتمع الكل على القراة
بواحد من الحروف السبعـه ....... إذ فيـه مقنع لهم ومتـعـه

وأترك القارئ الكريم مع الإمام مكي بن أبي طالب ليرد على هذا القول بالمعقول والحجة البينة.
قال الإمام مكي في "الإبانة" ص (36) : "ذلك غلط عظيم, لأن فيه إبطالاً أن يكون ترك العمل بشيء من الأحرف السبعة، وأن يكون عثمان ما أفاد فائدة بما صنع من حمل الناس على مصحف واحد وحرف واحد, ويجب منه أن يكون ما لم يقرأ به هؤلاء السبعة متروكاً، إذ قد استولوا على السبعة الأحرف عنده، فما خرج عن قراءتهم فليس من السبعة عنده.
ويجب من هذا القول أن نترك القراءة بما روي عن أئمة هؤلاء السبعة من التابعين والصحابة مما يوافق خط المصحف، مما لم يقرأ به هؤلاء السبعة.
ويجب منه ألا تروى قراءة عن ثامن فما فوقه, لأن هؤلاء السبعة عند معتقد هذا القول قد أحاطت قراءتهم بالأحرف السبعة, وقد ذكر الناس من الأئمة في كتبهم أكثر من سبعين ممن هو أعلى رتبة وأجل قدراً من هؤلاء السبعة.
على أنه قد ترك جماعة من العلماء في كتبهم في القراءات ذكر بعض هؤلاء السبعة واطرحهم.
قد ترك أبو حاتم وغيره ذكر حمزة والكسائي وابن عامر، وزاد نحو عشرين رجلاً من الأئمة ممن هو فوق هؤلاء السبعة.
وكذلك زاد الطبري في كتاب القراءات له على هؤلاء السبعة نحو خمسة عشر رجلاً.
وكذلك فعل أبو عبيد، وإسماعيل القاضي...
وأيضاً فإن هؤلاء السبعة قد روى كل واحد منهم عن جماعة لم يختص واحد بعينه، وروى عنه جماعة، فيجب أن تكون قراءة كل من روى عنه باختلاف أحد الحروف السبعة، فيبلغ عدد الحروف السبعة إلى ما لا يحصى"اهـ

وقال أبو حيان الأندلسي كما في "النشر" (1/41) : "وهل هذه المختصرات التي بأيدي الناس اليوم كالتيسير والتبصرة والعنوان والشاطبية بالنسبة لما اشتهر من قراءات الأئمة السبعة إلا نزر من كثر، وقطرة من قطر، وينشأ الفقيه الفروعي فلا يرى إلا مثل الشاطبية والعنوان فيعتقد أن السبعة محصورة في هذا فقط، ومن كان له اطلاع على هذا الفن رأى أن هذين الكتابين ونحوهما من السبعة (كثغبة من دأماء وتربة في بهماء), هذا أبو عمرو بن العلاء الإمام القارئ الذي يقرأ أهل الشام ومصر بقراءته اشتهر عنه في هذه الكتب المختصرة اليزيدي وعنه رجلان الدوري والسوسي, وعند أهل النقل اشتهر عنه سبعة عشر راوياً: اليزيدي، وشجاع، وعبد الوارث، والعباس بن الفضل، وسعيد بن أوس، وهارون الأعور، والخفاف، وعبيد بن عقيل، وحسين الجعفي، ويونس بن حبيب واللؤلؤي، ومحبوب، وخارجة، والجهضمي، وعصمة، والأصمعي، وأبو جعفر الرؤاسي.
فكيف تقصر قراءة أبي عمرو على اليزيدي ويلغى من سواه من الرواة على كثرتهم وضبطهم ودرايتهم وثقتهم, وربما يكون فيهم من هو أوثق وأعلم من اليزيدي؟
وننتقل إلى اليزيدي فنقول: اشتهر ممن روى عن اليزيدي الدوري، والسوسي، وأبو حمدان، ومحمد بن أحمد بن جبير، وأوقية أبو الفتح، وأبو خلاد، وجعفر بن حمدان سجادة، وابن سعدان، وأحمد بن محمد بن اليزيدي، وأبو الحارث الليث بن خالد.
فهؤلاء عشرة فكيف يقتصر على أبي شعيب والدوري ويلغى بقية هؤلاء الرواة الذين شاركوهما في اليزيدي, وربما فيهم من هو أضبط منهما وأوثق؟
وننتقل إلى الدوري فنقول: اشتهر ممن روى عنه ابن فرح وابن بشار وأبو الزعراء وابن مسعود السراج والكاغدي وابن برزة وأحمد بن حرب المعدل.
وننتقل إلى ابن فرح فنقول: روى عنه مما اشتهر: زيد ابن أبي بلال، وعمر بن عبد الصمد، وأبو العباس ين محيريز، وأبو محمد القطان، والمطوعي.
وهكذا ننزل هؤلاء القراء طبقة طبقة إلى زماننا هذا فكيف وهذا نافع الإمام الذي يقرأ أهل المغرب بقراءته اشتهر عنه في هذه الكتب المختصرة ورش وقالون وعن أهل النقل اشتهر عنه تسعة رجال: ورش، وقالون، وإسماعيل بن جعفر، وأبو خليد، وابن جماز، وخارجة، والأصمعي، وكردم، والمسيبي.
وهكذا كل إمام من باقي السبعة قد اشتهر عنه رواة غير ما في هذه المختصرات, فكيف يلغي نقلهم ويقتصر على اثنين؟ وأي مزية وشرف لذينك الاثنين على رفقائهما وكلهم أخذوا عن شيخ واحد وكلهم ضابطون ثقات؟
أيضاً فقد كان في زمان هؤلاء السبعة من أئمة الإسلام الناقلين القراءات عالم لا يحصون وإنما جاء مقرئ اختار هؤلاء وسماهم, ولكسل بعض الناس وقصر الهمم وإرادة الله أن ينقص العلم اقتصروا على السبعة, ثم اقتصروا من السبعة على نزر يسير منها". انتهى

وقال ابن الجزري في "النشر" (1/36) : "وربما كان كثير مما لم يكن في الشاطبية والتيسير وعن غير هؤلاء السبعة أصح من كثير مما فيهما"اهـ

وأما القول الثاني وهو القول بأن كثيراً من الأحرف نسخت في العرضة الأخيرة ولم يبق منها إلا القليل وهو الذي أثبته عثمان في المصحف فمما يدل على ضعفه أن الرخصة بالأحرف لم يأت إلا في أخر العهد المدني قبل وفات النبي بسنتين كما بينته في موضع آخر فكيف تلغى الرخصة في العرضة الأخيرة وما فائدة الرخصة إذاً.
ثم إنه لا يوجد دليل البتة على أن العرضة الأخيرة قد نسخ فيها شيء من الأحرف أو القراءات, بل فيها نسخ لبعض الآيات من أصلها, ولم يرد في شأن العرضة الأخيرة إلا هذا كما بينته في موضوع العرضة الأخيرة.
ثم إن الأحرف لم ينزل بها جبريل إنما نزل بحرف واحد وهو لسان قريش, ورخص للناس أن يقرؤوه بلهجاتهم.
وقد بينت هذا أتم بيان بحمد الله في موضوع مستقل بعنوان " هل القراءات القرآنية كلها نزل بها جبريل".
فلا يستقيم القول بأنه حصل نسخ لبعض الأحرف في العرضة الأخيرة, لأنها لم تنزل أصلاً حتى تنسخ, وإنما هي رخصة فحسب.

إذاً فالصواب في المسألة أن عثمان قد أبقى من الأحرف الحرف الذي نزل به جبريل, وهو حرف قريش, وهو قول جماهير أهل العلم من السلف والخلف كما سبق.

وقد عجبت من الدكتور عبد العزيز القارئ في كتابه "حديث الأحرف السبعة" حين قال عفا الله عنه ص (66) : ولم يختلف أهل التحقيق في أن القراءات العشر المتواترة مشتملة على معظم تلك الأحرف, بل هي مشتملة على جميع الأحرف التي أثبتت في العرضة الأخيرة".
وقال مثل هذا ص (160) , وقال: "إن هذا هو الحق الذي يعرفه كل محقق".
أقول: سامحه الله كيف حكم بهذه السهولة على عدد من كبار أهل العلم والتحقيق والسبق في ذلك أنهم ليسوا من أهل التحقيق, كما يفهم من كلامه حين قال: (ولم يختلف أهل التحقيق), كالإمام سفيان بن عيينة, وابن وهب, وابن جرير الطبري, وأبي جعفر الطحاوي, والحارث المحاسبي, وابن عبد البر, والمهدوي, وابن التين, وأبي عبيد الله بن أبي صفرة, والنحاس, ومحمد بن عبد الله الأصبهاني, ومكي بن أبي طالب, وأبي شامة, والشاطبي, وغيرهم.
وسبق أن هذا القول هو قول أكثر العلماء, وهو قول الحذاق من أهل النظر كما قال أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي, كما في "المرشد الوجيز" ص (140)
وهو قول أئمة السلف والعلماء, كما قال ابن تيمية في "الفتاوى" (13/401)
وقال أيضاً (13/395) : "الذي عليه جمهور العلماء من السلف والأئمة أنها حرف من الحروف السبعة, والأحاديث والآثار المشهورة المستفيضة تدل على هذا القول"اهـ

سادساً:
هل القراءات القرآنية المعروفة جزء من الأحرف السبعة.

هذه مسألة يحصل اللبس فيها عند بعضهم خاصة عند من لا يملك تصوراً واضحاً عن حقيقة الأحرف السبعة وما يتعلق بها.
وهذا اللبس منشؤه الاعتقاد الصحيح أن عثمان قد كتب المصحف على حرف واحد وهو حرف قريش, وهو بذلك قد ألغى بقية الأحرف كما تم تقريره في المبحث السابق.
فيحصل اللبس هنا عند البعض, فيتصورون أن القراءات القرآنية المختلفة لا علاقة لها بالأحرف السبعة, فإن الأحرف في تصورهم قد ذهبت جملة وتفصيلاً.
ثم يظنون أن القراءات كلها راجعة إلى حرف واحد.
ولو قيل لأحدهم: ما دام الحرف واحداً فكيف حصل هذا الاختلاف بين القراء في الحروف والإعراب وغير ذلك من أنواع الاختلاف لما وجد إجابة على ذلك.
الحقيقة أن القراءات المختلفة المتعلقة بالإعراب أو في اللفظ من غيبة وخطاب أو تذكير وتأنيث أو تخفيف وتشديد أو إسناد الفعل إلى متكلم أو غائب أو مخاطب أو غائب أو إلى معلوم أو مجهول والاختلاف في الأسماء في الإفراد أو الجمع وغير ذلك من أنواع الاختلاف بين القراء هي بعض من الأحرف السبعة.
فإن عثمان حين جمع الناس على حرف واحد وهو حرف قريش كان رسم المصحف غير منقوط ولا مشكول, كما هو حال الكتابة في ذلك الزمن من غير نقط ولا شكل, فصارت بعض الكلمات تقرأ على أكثر من وجه, وصار ذلك مقبولاً ما دام متوافقاً مع رسم وخط المصحف, وترك من الأحرف كل ما يخالف الرسم, فمن هنا نشأت القراءات المختلفة.
فهي إذاً جزء من الأحرف السبعة.
وسبب وجودها مع أن عثمان ما كتب المصحف إلا على حرف واحد ونطق واحد كما سيأتي يجب عنه الإمام مكي بن أبي طالب حيث يقول في كتابه "الإبانة" ص (48) :
"ولما مات النبي خرج جماعة من الصحابة في أيام أبي بكر وعمر إلى ما افتتح من الأمصار، ليعلموا الناس القرآن والدين فعلم كل واحد منهم أهل مصره على ما كان يُقرَأ على عهد النبي , فاختلفت قراءة أهل الأمصار على نحو ما اختلفت قراءة الصحابة الذين علموهم.
فلما كتب عثمان المصاحف وجهها إلى الأمصار، وحملهم على ما فيها وأمرهم بترك ما خالفها قرأ أهل كل مصر مصحفهم الذي وجه إليهم على ما كانوا يقرؤون قبل وصول المصحف إليهم مما يوافق خط المصحف، وتركوا من قراءتهم التي كانوا عليها مما يخالف خط المصحف, فاختلفت قراءة أهل الأمصار لذلك بما لا يخالف الخط، وسقط من قراءتهم كلهم ما يخالف لخط.
ونقل ذلك الآخر عن الأول في كل مصر، فاختلف النقل لذلك، حتى وصل النقل إلى هؤلاء الأئمة السبعة على ذلك، فاختلفوا فيما نقلوا على حسب اختلاف أهل الأمصار، لم يخرج واحد منهم عن خط المصحف فيما نقل، كما لم يخرج واحد من أهل الأمصار عن خط المصحف الذي وجه إليهم.
فلهذه العلة اختلفت رواية القراء فيما نقلوا، واختلفت أيضاً قراءة من نقلوا عنه لذلك".
والقول بأن القراءات المعروفة بعض من الأحرف السبعة هو قول جماهير أهل العلم من السلف والخلف.
قال ابن الجزري في "النشر" (1/31) : ذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أن هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة.
وقال في "منجد المقرئين" ص (181) : "الذي لا يشك فيه أن قراءة الأئمة السبعة والعشرة والثلاثة عشر وما وراء ذلك بعض الأحرف السبعة من غير تعيين".
وقال مكي بن أبي طالب في "الإبانة" ص (32) : "إن هذه القراءات كلها التي يقرأ بها الناس اليوم وصحت روايتها عن الأئمة إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن".
وقال أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي كما في "المرشد الوجيز" ص (140) : "أصح ما عليه الحذاق من أهل النظر في معنى ذلك أنما نحن عليه في وقتنا هذا من هذه القراءات هو بعض الحروف السبعة التي نزل عليها القرآن".

إذا ملخص ما سبق أن القراءات القرآنية المعروفة إنما هي بعض من الأحرف السبعة التي كانت رخصة في صدر الإسلام ثم ألغاها عثمان , وبقي ما بقي منها وتناقلها القراء, ودونت وحفظت وبقيت.
واختفى كل ما يخالف رسم المصحف وكثير مما لا يخالف الرسم, لأنه لم ينقل.

سابعاً:
هل أراد عثمان بكتابته لمصحف واحد أن يبقي على بعض القراءات؟

هل أراد عثمان وجود ذلك الاختلاف أم هو أمر حدث ولم يكن عثمان يريد إلا قراءة واحدة دون اختلاف؟
إن الأدلة والقرائن ونصوص الأئمة تدل على أن عثمان والصحابة لم يريدوا إلا قراءة واحدة, وهو حرف قريش الذي نزل به جبريل, ولذلك قال عثمان للكتبة: (اكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم), وهو الحرف الذي كان جبريل يتنزل به على النبي .

وقبل الخوض في هذه المسألة المهمة أريدك أخي الكريم أن تتأمل معي هذا القول من الإمام مكي بن أبي طالب .
قال في "الإبانة" ص (34) : "فلا بد أن يكون عثمان إنما أراد لفظاً واحداً أو حرفاً واحداً لكنا لا نعلم ذلك بعينه، فجاز لنا أن نقرأ بما صحت روايته مما يحتمله ذلك الخط لنتحرى مراد عثمان t ومن تبعه من الصحابة وغيرهم.
ولا شك أن ما زاد على لفظ واحد في كل حرف اختلف فيه ليس مما أراد عثمان, فالزيادة لابد أن تكون من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن, فإن لم تكن كذلك وقد صح أن عثمان لم يردها كلها إذ كتب المصحف إنما أراد حرفاً واحداً فهي إذا خارجة عن مراد عثمان وعن السبعة الأحرف...
وقد أجمع المسلمون على قبول هذه القراءات التي لا تخالف المصحف.
ولو تركنا القراءة بما زاد على وجه واحد من الحروف لكان لقائل أن يقول: لعل الذي تركت هو الذي أراد عثمان، فلا بد أن يكون ذلك من السبعة الأحرف التي نزل بها القرآن على ما قلنا"اهـ

وهذا النص من كتاب "الإبانة" للإمام مكي صريح في أن عثمان ومن معه من الصحابة الكرام إنما أرادوا لفظاً وقراءة واحدة بالحرف الذي نزل به جبريل على النبي .
ولم يكن الإمام مكي منفرداً بهذا القول بل قال نحو ذلك جماعة من الأئمة كما سأنقل أقوالهم بعد قليل.
وهذا القول هو الذي يؤيده النظر الصحيح والفهم العميق لمقاصد الصحابة وكل ما ورد عنهم من وقائع وأحوال.
ومما يؤيد هذا القول ويؤكده أن عثمان إنما كانت غايته من كتابة مصحف واحد إلغاء الخلاف وتوحيد الناس على قراءة واحدة, ولو كان يريد أن يثبت مصحفاً يحوي كلمات تحتمل قراءات متعددة ولم يبين بالضبط نوع تلك القراءات وليس في الرسم ما يحدد كيفية نطقها بوضوح فإنه بذلك لم يلغ الخلاف فكأنه لم يصنع شيئاً, وهذا بعيد جداً.

فعثمان إنما كانت غايته إلغاء الخلاف وتوحيد الناس على قراءة واحدة.
ومن الأمور اليقينية أن القرآن كان يتنزل على النبي بلفظ واحد, وكان يكتب أمام النبي بلفظ واحد وطريقة واحدة, وهذا الذي كتب في وقت النبي هو الذي جمع على عهد أبي بكر, فقد اعتمد في جمعه على ما كتب في زمن النبي بذلك اللفظ الواحد, وانتقلت الصحف نفسها إلى حفصة وأخذها عثمان من حفصة فكتبها.
قال أبو عبد الرحمن السلمي كما في "المرشد الوجيز" ص (68) : "كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة، كانوا يقرؤون قراءة العامة، وهي القراءة التي قرأها رسول الله على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه"اهـ

يقول الدكتور غانم قدوري في كتابه "رسم المصحف" ص (472) : "المصحف العثماني لم يكتب إلا لتمثيل القراءة العامة المشهورة في المدينة آنذاك"اهـ

فعثمان يعلم أن القرآن أنزل بلسان قريش, وأن تلك الصحف لم تكتب إلا بلسان قريش, فلم يكن في باله وقصده إلا أن يثبت هذه القراءة, وهي قراءة النبي التي نقلت عنه, وهي القراءة العامة التي كان يقرؤها في الصلاة, ويقرؤها على الصحابة, وكان يأمر كتاب الوحي بكتابتها, ثم جمعت في عهد أبي بكر, ونسخت فيما بعد في مصاحف عثمان.
وإذا كان جمعهم على حرف واحد وهو حرف قريش الذي نزل به جبريل والذي كان يكتب بين يديه , ويقرؤه النبي في الصلاة وغيرها, فيعني هذا أن عثمان حين جمع المصحف ما أراد إلا كتابة هذا الحرف, ولم يرد أن يختلف الناس في القراءة مذاهب شتى, وإن كان هذا حصل تلقائياً حين كان رسم المصحف غير منقوط ولا مشكول لأن الكتابة حينذاك لم تكن تنقط أصلاً, فصارت القراءات المختلفة سائغة بأصل الرخصة أن يقرأ القرآن على أحرف متعددة, فالقرآن أنزل بلسان عربي مبين, وكل هذه القراءات المختلفة لا تخرج عن اللسان العربي المبين.
ومما يؤيده ويؤكده أيضاً أنه لم يرد عن عثمان أو أحد من كتاب المصحف أي إشارة لهذا الغرض, ولم يرد عن عثمان أنه وجه الكتبة إلى أن يكون الرسم محتملاً لقراءات متعددة, بل التوجيه صريح من عثمان أن يكتب بلسان قريش, وهو قد نزل بلسانهم, وذلك بقوله لهم: (اكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم).
فكان الكتبة لمصاحف عثمان حين يرسمون الكلمات لا يريدون إلا تمثيل نطق واحد معين.

والقول بأن المصحف كتب هكذا ليكون محتملاً لأكثر من قراءة إنما جاء متأخراً بعد زمن الصحابة حين كثرت القراءات وكان الرسم محتملاً لقراءات متعددة, وكان أول من قال به أبو عمرو الداني كما سيأتي.
أما عثمان والصحابة فلم يشيروا لذلك لا من قريب ولا من بعيد, بل النص الوارد عنهم يدل بكل وضوح على أنهم ما يريدون إلا قراءة واحدة.
قال الدكتور غانم قدوري في كتابه "رسم المصحف" ص (110) : "تضافرت الأسباب والدوافع التي جعلت عثمان يفكر في جمع الناس على مصحف موحد في رسمه وهجائه, يجمعهم على قراءة واحدة, القراءة العامة التي كان يقرؤها عامة الصحابة, وهي القراءة التي كتب عليها زيد القرآن زمن النبي , وفي خلافة الصديق"اهـ
ولكن صحت هذه القراءات المختلفة عن القراء باعتبار أصل الرخصة أن القرآن يقرأ على أكثر من حرف.
ومما يؤيده ويؤكده أيضاً أنه لو كان رسم المصحف جرد من النقط ليحتمل أكثر من قراءة لما جردوا كل كلمات القرآن ولاقتصروا على تجريد كلمات معينة, وهي التي تشتمل على أكثر من قراءة.

وأيضاً مما يؤيد ويؤكد أن عثمان إنما أراد حرفاً واحداً وقراءة واحدة أن العلماء نصوا على أن عثمان t إنما جمع الناس على حرف واحد, وإليك بعضاً من أقوالهم.

وإليك بعض نصوص لبعض العلماء والتي يقررون بها أن القرآن كتب على لفظ واحد.
قال ابن جرير الطبري في "تفسيره" (1/28) : "جمعهم عثمان على مصحف واحد وحرف واحد".
وقال مكي بن أبي طالب في "الإبانة" ص (34) : "فلا بد أن يكون عثمان إنما أراد لفظاً واحداً أو حرفاً واحداً لكنا لا نعلم ذلك بعينه، فجاز لنا أن نقرأ بما صحت روايته مما يحتمله ذلك الخط لنتحرى مراد عثمان t ومن تبعه من الصحابة وغيرهم.
ولا شك أن ما زاد على لفظ واحد في كل حرف اختلف فيه ليس مما أراد عثمان...".
وقال أبو شامة في "المرشد الوجيز" ص (139) : "اختار الصحابة الاقتصار على اللفظ المنزل المأذون في كتابته وترك الباقي للخوف من غائلته, فالمهجور هو ما لم يثبت إنزاله, بل هو من الضرب المأذون فيه بحسب ما خف وجرى على ألسنتهم".

وقال ص (89) : "الصحابة خافوا من كثرة الاختلاف، وألهموا وفهموا أن تلك الرخصة قد استغني عنها بكثرة الحفظة للقرآن، ومن نشأ على حفظه صغيراً, فحسموا مادة ذلك بنسخ القرآن على اللفظ المنزل غير اللفظ المرادف له".

وقال الحارث المحاسبي كما في "الإتقان" (1/211) : "إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات, فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي نزل بها القرآن".

وقال ابن التين كما في "الفتح" (9/21) : "جمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرؤوه بلغاتهم على اتساع اللغات, فأدى ذلك ببعضهم إلى تخطئة بعض, فخشي من تفاقم الأمر في ذلك فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتباً لسوره, واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجاً بأنه نزل بلغتهم, وإن كان قد وسع قراءته بلغة غيرهم رفعاً للحرج والمشقة في ابتداء الأمر, فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت فاقتصر على لغة واحدة".

وقال أبو جعفر الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (8/117) : "بان بما ذكرنا أن تلك السبعة الأحرف إنما كانت في وقت خاص لضرورة دعت إلى ذلك، ثم ارتفعت تلك الضرورة، فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف، وعاد ما يقرأ به القرآن إلى حرف واحد".

وأما القول بأن الصحابة كتبوا المصحف من غير نقط ليكون محتملاً لأكثر من قراءة فأول من قال به أبو عمرو الداني المتوفى في القرن الخامس, حيث يقول في كتابه "المحكم في نقط المصاحف" ص (3) : "وإنما أخلى الصدر منهم المصاحف من ذلك ومن الشكل من حيث أرادوا الدلالة على بقاء السعة في اللغات والفسحة في القراءات التي أذن الله تعالى لعباده في الأخذ بها والقراءة بما شاءت منها".
(والغريب أن أبا عمرو الداني قد خالف قوله هذا, فقد نص في أكثر من موضع من كتبه على أن العرب لم تكن أصحاب شكل ونقط كما سيأتي).

وقول أبي عمرو الداني الذي انفرد به ولم يعرف قائل له قبله قد تلقفه ابن الجزري وغيره فاشتهر حتى لا يكاد يعرف غيره.
حتى إن ابن تيمية ذكره كما في "الفتاوى" (13/402)
وبعض الناس قد استدل عليه بما روي عن ابن مسعود وغيره من قولهم: (جردوا القرآن).
وهو استدلال غير صحيح, فإن المراد بقولهم: (جردوا القرآن) لا تخلطوه بغيره, ولا تكتبوا معه غيره حتى لا يختلط بغيره.
وليس المراد تجريده عن النقط والشكل.

اعتراضان وجوابهما:
الاعتراض الأول:
أنه لو كان عثمان والصحابة ما أرادوا الإبقاء على بعض الاختلاف في القراءة لما كتبوا المصحف مجرداً من النقط والشكل, ولكتبوه منقوطاً مشكلاً واضحاً حتى لا يحصل الاختلاف, فإنهم لم يكونوا ليغفلوا عن أن كتابته هكذا من أقوى الأسباب للاختلاف في القراءة, وهذا من أبين الأدلة على أنهم أرادوا الإبقاء على الاختلاف الذي لا يتنافر مع رسم المصحف.

والجواب عن هذا الاعتراض:
أن المعروف من تاريخ الكتابة العربية أنهم لم يكونوا يستعملون نظاماً لنقاط الإعجام وللحركات, ولم يعرف ذلك إلا على يد أبي الأسود الدؤلي المتوفى سنة (69) هـ, والخليل بن أحمد المتوفى سنة (170) هـ, وغيرهما.
ففي زمن الصحابة لم تكن الكتابة تنقط أو تشكل, ولم يطرأ عليها النقط والشكل إلا بعد ذلك.

قال أبو عمرو الداني في "المحكم في نقط المصاحف" ص (176) : "العرب لم تكن أصحاب شكل ونقط... ومما يدل على أنهم لم يكونوا أصحاب شكل ونقط أنهم كانوا يفرقون بين المشتبهين في الصورة بزيادة الحروف إلحاقهم الواو في عمرو فرقاً بينه وبين عمر, وإلحاقهم إياها في أولئك فرقاً بينه وبين إليك, وفي أولى فرقاً بينه وبين إلى, وإلحاقهم الياء في قوله: (والسماء بنيناها بأييد) فرقا بين الأيد الذي معناه القوة وبين الأيدي التي هي جمع يد, وإلحاقهم الألف في مائة فرقاً بينه وبين منة ومية من حيث اشتبهت صورة ذلك كله في الكتابة".

وقال الدكتور غانم قدوري في كتابه "رسم المصحف" ص (151) : "ليس هناك دليل على أن الكتابة العربية كانت في تلك الفترة منقوطة أو مشكولة, بل إن الآثار المكتوبة تنفي ذلك".

الاعتراض الثاني:
أنه قد ثبت زيادات أحرف في بعض المصاحف التي كتبت زمن عثمان ووجهت للأمصار, وهذا مما يدل على أن مصاحف عثمان كتبت مراعية لاختلاف القراءات ومن أمثلة ذلك:
(سارعوا) (وسارعوا) (يقول) (ويقول) (الذين) (والذين) (يرتد) (يرتدد)
(وأوصى) (ووصى) (خيراً منها) (خيراً منهما) (فتوكل) (وتوكل) (بما كسبت) (فبما كسبت)(ما تشتهي الأنفس) (ما تشتهيه الأنفس) (ولا يخاف عقباها) (فلا يخاف عقباها), وغير ذلك.

والجواب عن ذلك:
أن هذه الزيادات لا يمكن الجزم بأنها مقصودة من أجل الاختلاف في القراءات, فإنه من المعلوم أن الوجوه المخالفة للرسم من القراءات أكثر بكثير من هذه الحروف المعدودة التي اختلف رسمها في المصاحف.

ولكن كما قال الإمام مكي في النقل الذي نقلته عنه "فلا بد أن يكون عثمان إنما أراد لفظاً واحداً أو حرفاً واحداً، لكنا لا نعلم ذلك بعينه، فجاز لنا أن نقرأ بما صحت روايته مما يحتمله ذلك الخط لنتحرى مراد عثمان t ومن تبعه من الصحابة وغيرهم"اهـ
فمن قرأ بهذه الحروف الزائدة في بعض المصاحف أو لم يقرأ بها فهو على صواب.

وسبب زيادة هذه الأحرف ونحوها في بعض المصاحف والله أعلم هو ما ذكره الدكتور غانم قدوري الحمد في كتابه "رسم المصحف" حيث يقول ص (705) : "القول الأقرب إلى الواقع في تفسير هذه الظاهرة أن الوجهين الذين يروى عليهما الحرف الواحد قد صارا من الشهرة والذيوع بحيث استوى إثبات أي منهما عند الصحابة الذين تولوا نسخ المصاحف, فأثبتوا أحدهما في مصحف وأثبتوا الآخر في مصحف ثان, وكأنهم لم يكتبوا إلا حرفاً واحداً, فما كتب في المصاحف الأئمة هو حرف واحد أي قراءة واحدة".

وقال أيضاً: "قد أشير من قبل أكثر من مرة إلى أن الراجح هو أن تكون المصاحف العثمانية قد رسمت على قراءة واحدة, ومن ثم فإن دعوى أن إثبات هذه الحروف هو محافظة على ما لا يحتمله رسمها من وجوه القراءات المختلفة تصبح موضع نظر, فالقصد من توحيد المصاحف كان إثبات وجه واحد, وإن الوجوه المخالفة للرسم أكثر من هذه الحروف المعدودة التي اختلف رسمها في المصاحف"اهـ

ومما يدل أيضاً على أن هذه الحروف التي زادت في بعض المصاحف العثمانية ليس الغرض منها اختلاف القراءة أنه قد كتبت كلمات في المصحف فيها زيادات حروف أو نقصها, وليس لها علاقة باختلاف القراءة, وقد تكتب الكلمة برسم معين ثم تكتب هي نفسها في مواضع آخر برسم مختلف.
ومن الأمثة على ذلك:
في سورة النمل الآية رقم (21) (لأاذبحنه) بزيادة الألف في حين أن كلمة (لأعذبنه) في الآية نفسها كتبت بدون ألف.
وفي الفرقان (21) (وعتو) بدون ألف بعد الواو وفي السورة نفسها (أتوا) و(دعوا) بإثبات الألف.
وفي فاطر (6) (يدعوا حزبه) بإثبات الألف بعد الواو مع أنها ليست واو جماعة
وأحياناً يحصل العكس.
فقد جاءت بدون ألف مع أنها بصيغة الجمع.
كما في البقرة (6) (وباءو بغضب من الله) وفي الأعراف (116) (وجاءو بسحر عظيم)
وفي الأنعام (34) (من نبإي المرسلين) وفي القصص (3) (نتلوا عليك من نبإ موسى)
وفي فصلت (12) (فقضاهن سبع سموات) وفي سائر المصحف كتبت هكذا (سموت) بدون ألف بعد الواو.
وفي النساء (23) (وبناتكم) (وبنات الأخ) (وبنات الأخت) وفي مواضع أخرى كثيرة كتبت (بنات) بدون ألف هكذا (بنت)
وفي الكهف (23) (ولا تقولن لشايء) وفي النحل (40) (إنما قولنا لشيء) بدون ألف.
وفي الأعراف (150) (قال ابن أم) وفي طه (94) (قال يبنؤم) هكذا.
وفي البقرة (83) (وبالوالدين إحساناً) وفي النساء (36) (وبالوالدين إحسنا) بدون ألف.
وفي البقرة (220) (قل إصلاح لهم خير) وفي النساء (114) (أو إصلح بين الناس) بدون ألف.
وفي المائدة (29) (وذلك جزؤا الظالمين) بحذف الألف بعد الزاي وزيادة ألف في آخر الكلمة وفي السورة نفسها (85) (وذلك جزاء المحسنين) بدون حذف ولا زيادة.
وفي البقرة (231) (واذكروا نعمت الله عليكم) وفي المائدة (7) (واذكروا نعمة الله عليكم) بالتاء المربوطة.
وفي فاطر (43) (فلن تجد لسنت الله تبديلاً) وفي الفتح (23) (فلن تجد لسنة الله تبديلاً) بالتاء المربوطة.
وفي الواقعة (89) (وجنت نعيم) وفي سائر القرآن بالتاء المربوطة.
وفي آل عمران (61) (فنجعل لعنت الله) وفي السورة نفسها (87) (أن عليهم لعنة الله) بالتاء المربوطة.
وفي الشعراء (176) (كذب أصحاب لئيكة) وفي ق (14) (وأصحاب الأيكة)
وفي هود (14) (فإلم يستجيبوا لكم) وفي القصص (50) (فإن لم يستجيبوا لكم)

وقد تعرض الدكتور غانم قدوري في كتابه "رسم المصحف" لهذا الموضوع, واستطرد في ذكر كلام أهل العلم في أسباب ذلك وتعليلاته, ولكنه في كثير من الأحيان يصرح بأن هذه التفسيرات والتعليلات غير مقنعة وغير مقبولة.

وعلى سبيل المثال تراه يقول ص (428) فيما يتعلق بزيادة كتابة الألف في كلمة (لشيء) كما في سورة الكهف (23) (ولا تقولن لشايء): "لا يكاد يبين سر إثبات هذه الألف, ولا تعطي توجيهات وأقوال السلف في هذه الظاهرة تفسيراً مقبولاً أو مقنعاً".

وقال ص (347) حين ذكر رمز الألف بعد الواو المتطرفة وذكر تعليلات بعض العلماء: "ومهما يكن من شيء فإن أياً من تعليلات علماء السلف لا يعطي تفسيراً مقبولاً وواضحاً لزيادة تلك الألف".

وقال ص (389) لما ذكر رسم الهمزة بألف وواو كمثل (سأوريكم) وذكر تعليلات بعض العلماء قال: "ومع ذلك فإن أياً من تلك التعليلات المتعددة المتداخلة والغامضة أحياناً لا يقدم التفسير الصحيح الشامل لكل أمثلة الظاهرة".

وقال ص (410) لما ذكر زيادة الألف في مثل (لا أذبحنه) وذكر تعليلات بعضهم: "وتبقى هذه الظاهرة من غير تفسير مقنع".

وقال الدكتور قدوري ص (261) : "لكن الكاتب قد يجد نفسه في بعض الأحيان متردداً بين أن يلتزم بأصل كتابة الكلمة وبين أن يستجيب لواقع نطقها في السياق, ولهذا فقد جاءت بعض الكلمات التي أولها لام ودخلت عليها (أل) المعرفة مكتوبة بلامين في الغالب, وبلام واحدة في بعض الأحيان, فقد كتبت الكلمات الآتية بلامين (اللعنون) (اللعنة) (اللغو) (اللهو)...
وجاءت كلمات أخرى بلام واحدة مثل (اليل), وبعض الأسماء الموصولة, مثل (الذي) (الذان)...".

وقال ص (408) : "عدم استمرار الكُتَّاب على طريقة واحدة كان هناك ما يسوغه بل يدفع إليه, حين يجد الكاتب نفسه بين أن يلتزم رسماً شائعاً للكلمة لكنه قاصر عن تمثيل أصواتها التي يسمعها, وبين أن يستجيب للنطق الفعلي ويغير قليلاً في رسم الكلمة لتمثيل النطق المسموع تمثيلاً أكثر دقة, في وقت لم تكن قواعد الكتابة والهجاء قد استقرت وعرفت من قبل الكتاب جميعاً بدرجة واحدة, وثم ثم ظهرت بعض الأمثلة المتشابهة مرسومة بأكثر من طريقة".

وقال ص (386) : "هناك ما يشير إلى أن الكتاب في تلك الفترات المتقدمة كانوا أقل تمسكاً بالقواعد المطردة, وكانت أقلامهم تستجيب لنطق الكلمات وهي في السياق إلى جانب حرصهم على صور هجاء الكلمات التي تمثل نطقها مبدوءاً بها وموقوفاً عليها.
فقد يتخلى الكتاب عن المعروف من صور هجاء بعض الكلمات, ويرسمون ما يحسونه في النطق الواقع فعلاً..."اهـ

وقال ص (262) : "ومما يتعلق بموضوع تأثر الأصوات بمجاورتها لغيرها فيجري الكاتب في الكتابة على نحو ما ينطق به اقتران السين والطاء في كلمة واحدة, ولما كانت الطاء مطبقة والسين غير ذلك والأصوات تميل غالباً إلى التماثل والتقارب في الصفات النطقية فقد يغلب الإطباق على السين فتصير سيناً مطبقة أي صاداً.
وهنا يجد الكاتب نفسه بين أن يستجيب للنطق أو يلتزم بالأصل المعروف لأصوات الكلمة, وقد أجاز النحويون في كل سين وقعت بعدها غين أو خاء أو قاف أو طاء أن تبدل صاداً.
ويقول المبرد: إن السين إذا كانت مع أحد الحروف المستعلية في كلمة جاز قلبها صاداً, وكلما قرب منها كان أوجب.
ولذلك فقد جاءت بضعة كلمات في الرسم العثماني مكتوبة بالصاد على ما آلت إليه في النطق, من ذلك (المصيطرون) في الطور, و(بمصيطر) في الغاشية, و(الصراط), ومنها ما جاء بالسين في الغالب, مثل (يبسط), وبالصاد في مكان واحد (يبصط) في البقرة, ومنها ما جاء بالسين مرة, مثل (بسطة) في البقرة, وبالصاد مرة أخرى (بصطة) في الأعراف".

تنبيه:
هذا الكلام الذي سبق إنما هو فيما يتعلق بالاختلاف بين القراء في فرش الحروف فحسب, أما اختلافهم في الأداء وهو ما يعبر عنه بالأصول فسيأتي في آخر البحث أنه ليس من الأحرف ولا من القراءات, بل اختلاف طبيعي نشأ بسبب طبيعة اختلاف القراء في لهجاتهم وأدائهم للحروف, وتأثرهم بطبيعة لهجات القبائل العربية, كما سيتضح في المبحث الآتي.

ثامناً:
هل الاختلاف في طرائق الأداء كالإمالة والإدغام والترقيق والتفخيم والتغليظ والتسهيل والاختلاف في المدورد وغيرها هو من الأحرف السبعة ومن القراءات.

الأقرب والله تعالى أعلم أن طرائق الأداء كافة كالإمالة والإدغام والترقيق والتفخيم والتغليظ والروم والإشمام والتسهيل والإبدال وغير ذلك من سائر صفات الأداء ليست من الأحرف السبعة وليست من القراءات.
فإن الأحرف السبعة كما سبق فيها إبدال للكلمات أو الحروف من أصلها, أو تغيير للإعراب, أو اختلاف في اللفظ من غيبة وخطاب أو تذكير وتأنيث أو تخفيف وتشديد, أو تقديم وتأخير, أو إسناد الفعل إلى متكلم أو غائب أو مخاطب أو غائب أو إلى معلوم أو مجهول.
أو الاختلاف في الأسماء في الإفراد أو الجمع, أو اختلاف اللفظ في الأسماء مثل (البخل) و(الطير) و(جبريل) و(ميكائيل) وغير ذلك من أنواع الاختلاف.

أما الاختلاف في الأداء فهو اختلاف طبيعي في طريقة الكلام حتى لو لم يكن إلا حرف واحد وقراءة واحدة.
فلو لم يكن ثَمَّ أحرف ولا قراءات فإنك ستجد من القراء من يميل لأن لسانه لا يعرف إلا الإمالة فلا يقدر إلا عليها, وستجد من يرقق أو يغلظ أو يفخم بعض الحروف, وستجد من يدغم ومن يمد ويغن وستجد الروم والإشمام وتسهيل الهمز, وستجد ضم ميم الجمع وصلتها وهكذا سائر صفات أداء القراءة.
كما أنك لو كتبت كلاماً فقرأه مصري وشامي وعراقي ويمني ونجدي فإن الكلام واحد والحرف واحد, ولكن طريقة كل واحد ستختلف اختلافاً كبيراً في قراءة ذلك المكتوب, فدل هذا على أن طريقة الأداء فطرة إنسانية لا يمكن أن يتفق الناس على أداء واحد, حتى لو نزل القرآن بحرف واحد.

قال ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" (13/392) :"وأما ما اتحد لفظه ومعناه وإنما يتنوع صفة النطق به كالهمزات والمدات والإمالات ونقل الحركات والإظهار والإدغام والاختلاس وترقيق اللامات والراءات أو تغليظها ونحو ذلك مما يسمى القراءات الأصول فهذا أظهر وأبين في أنه ليس فيه تناقض ولا تضاد مما تنوع فيه اللفظ أو المعنى, إذ هذه الصفات المتنوعة في أداء اللفظ لا تخرجه عن أن يكون لفظاً واحداً".

وقال ابن الجزري في "النشر" (1/30) : "ما اتحد لفظه ومعناه مما يتنوع صفة النطق به كالمدات وتخفيف الهمزات والإظهار والإدغام والروم والإشمام وترقيق الراءات وتفخيم اللامات ونحو ذلك مما يعبر عنه القراء بالأصول فهذا عندنا ليس من الاختلاف الذي يتنوع فيه اللفظ أو المعنى, لأن هذه الصفات المتنوعة في أدائه لا تخرجه عن أن يكون لفظاً واحداً".

قال الأستاذ الدكتور محمد حسن جبل في كتابه "من القضايا الكبرى في القراءات القرآنية" ص (76) : "فما كان في هذه القراءات اللهجية من باب الأداء فإنه لا يغير الكلام, وليس أحد من أهل العلم على وجه الأرض يقول: إن الكلمة إذا نطقت ممالة فإنها تغاير نفس الكلمة إذا نطقت بغير إمالة, وكذلك سائر التغيرات اللهجية"اهـ
ولنقف الآن على مثال واحد فقط يتعلق بمسألة الإمالة.
فإنه من المعروف أن القراء حمزة والكسائي وأبا عمرو البصري اشتهروا بالإمالة دون قراء مكة والمدينة والشام.
والسبب هو أن هؤلاء القراء عاشوا في بيئات أهلها لهجتهم الإمالة.
يقول الدكتور غانم قدوري الحمد في كتابه "رسم المصحف" ص (321) : "أشهر من رويت عنهم الإمالة من القراء العشرة هم حمزة والكسائي وخلف, وهم من أئمة القراءة في الكوفة, أما قراء الحجاز أمثال ابن كثير المكي وأبي جعفر ونافع المدنيين فلا تعرف قراءتهم الإمالة إلا نادراً, ومعنى ذلك أن اللغة السائدة في الحجاز والقراءة التي كان قراء مكة والمدينة يقرؤونها هي بصورة عامة الفتح دون الإمالة, أي أن الإمالة لم تكن لغة الذين ولوا نسخ المصاحف"اهـ

وقال الدكتور عبد الفتاح شلبي في كتابه "الإمالة في القراءات واللهجات العربية" ص (159) : "ونستطيع أن نستخلص أن المميلين من القراء عاشوا في بيئة عراقية (في الكوفة والبصرة)...
وعلى ذلك نستطيع أن نرجع مذهب كل إمام من هؤلاء الأئمة إلى أحد عاملين أو هما معاً:
الأول: شيوخه الذين قرأ عليهم وأخذ عنهم.
الثاني: البيئات التي توطنوها وما شاع فيها من لهجة الفتح أو الإمالة".
ثم أخذ في تطبيق ذلك على القراء قارئاَ قارئاً.
ومما قاله في أبي عمرو البصري: "والأمر مع أبي عمرو البصري واضح, فهو تميمي أولاً وتظهر عنده ظهوراً واضحاً, ومذهبه في الإكثار من الإمالة يتسق هو وهذه البيئة..."اهـ

ومن الأدلة على أن صفات الأداء والتي تسمى بالأصول ليست من الأحرف السبعة ولا من القراءات أن ابن قتيبة ومكي بن أبي طالب وغيرهما حين ذكروا وجوه الاختلافات السبعة في القرآن لم يذكروا أي شيء يتعلق بالاختلاف في الأداء, كصلة الهاء والإمالة والإدغام والمدود وغير ذلك.

فقد قال ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص (92) : وقد تدبرت وجوه الخلاف في القراءات فوجدتها سبعة أوجه:
أولها: الاختلاف في إعراب الكلمة، أو في حركة بنائها بما لا يزيلها عن صورتها في الكتاب ولا يغير معناها.
والوجه الثاني: أن يكون الاختلاف في إعراب الكلمة وحركات بنائها... الخ كلامه.

وقال مكي في "الإبانة" ص (71) : "الذي نعتقده في ذلك ونقول به وهو الصواب إن شاء الله أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن هي لغات متفرقة في القرآن، ومعان في ألفاظ تسمع في القراءة, مختلفة في السمع متفقة في المعنى, ومختلفة في السمع وفي المعنى.
نحو: تبديل كلمة في موضع أخرى وصورة الخط متفقة، أو مختلفة نحو:
يسيركم، وينشركم, ونحو: صيحة وزقية.
وزيادة كلمة ونقص أخرى, وزيادة حرف ونقص آخر.
وتغيير حركات في موضع حركات أخر, وإسكان حركة, وتشديد، وتخفيف.
وتقديم وتأخير, وشبه ذلك مما يسمع ويميز بالسمع...

وقال ابن حجر في "الفتح" (9/23) : "باب أنزل القرآن على سبعة أحرف أي: على سبعة أوجه يجوز أن يقرأ بكل وجه منها، فإن قيل: فإنا نجد بعض الكلمات يقرأ على أكثر من سبعة أوجه، فالجواب أن غالب ذلك إما لا يثبت الزيادة, وإما أن يكون من قبيل الاختلاف في كيفية الأداء, كما في المد والإمالة ونحوهما".

فتبين بما سبق أن سائر صفات الأداء والتي يعبر عنها بالأصول ليست من الأحرف السبعة, فليست من القراءات إذاً, وإنما هو اختلاف في الأداء مصدره اختلاف القراء بطبيعتهم وجبلتهم وطرائقهم في القراءة.
وقد بينت هذا أتم بيان بحمد الله في بحث مستقل مطول في أكثر من مائة صفحة موجود على الشبكة بعنوان " اختلاف القراء في صفات أداء التلاوة هل هو مسند إلى النبي . (بحث في الأدلة والقرائن)

بل ذهب الإمامان ابن عيينة وابن جرير إلى أن الاختلاف في الحركات والإعراب ليس من الأحرف السبعة.
قال أبو الطاهر كما في "التمهيد" (8/293) : "سألت سفيان بن عيينة عن اختلاف قراءة المدنيين والعراقيين هل تدخل في السبعة الأحرف, فقال: لا وإنما السبعة الأحرف كقولهم: هلم أقبل تعالى, أي ذلك قلت أجزاك, قال أبو الطاهر: وقاله ابن وهب.
قال أبو بكر محمد بن عبد الله الأصبهاني المقرئ: ومعنى قول سفيان هذا أن اختلاف العراقيين والمدنيين راجع إلى حرف واحد من الأحرف السبعة, وبه قال محمد بن جرير الطبري"اهـ

وقال ابن جرير في "تفسيره" (1/29) : "وأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف وجره ونصبه، وتسكين حرف وتحريكه، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة، فمن معنى قول النبي : (أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف) بمعزل.
لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن مما اختلفت القراءة في قراءته بهذا المعنى يوجب المراء به كفر المماري به في قول أحد من علماء الأمة.
وقد أوجب عليه الصلاة والسلام بالمراء فيه الكفر، من الوجه الذي تنازع فيه المتنازعون إليه، وتظاهرت عنه بذلك الرواية".
وما ذهب إليه ابن عيينة وابن جرير عليهما رحمت الله فيه بعد والله أعلم, لكن ما ذكرته من أن صفات الأداء ليست من الأحرف السبعة هو الذي يهدي إليه التحقيق والتدقيق والتأمل العميق, والله تعالى أعلم.

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا الإخلاص في القول والعمل وزدنا علماً وعملاً وهداية.
اللهم صل على نبينا محمد وآله وأصحابه وأتباعه المؤتمين به وسلم تسليماً كثيراً.
والحمد لله رب العالمين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم ومحبكم صالح بن سليمان الراجحي
Alrajhi.sr@gmail.com