أين المختص في قول الله تعالى:
(إِنَّمَا یَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَـٰۤؤُا۟)؟
إن الآية أسلوب قصر، قَصَرَ (خشية الله) على العلماء لبيان أنهم أكثر الناس خشية لله، وتأكيدا على أن خشية العلماء مِن الله أعظم مِن غيرهم لأنهم أعلم الناس بالله.
إن أسلوب القصر من حيث بنائه قسمان: مقصور ومقصور عليه
(خشية الله: مقصور)، (العلماء: مقصور عليه)
ومن المعلوم أن المختص في أسلوب القصر بـ (إنما) والقصر بـ (النفي والاستثناء) يكون في المتأخر، كقول الله :
- (قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡـَٔایَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَاۤ أَنَا۠ نَذِیرࣱ مُّبِینٌ)
فالمختص في الآية: (عند الله) ، (نذير)
وقول الله :
- (إِنۡ أَنتَ إِلَّا نَذِیرٌ)
حيث إن المختص في الآية: (نذير).

فلماذا قدم المفعول لفظ الجلالة (الله) وأخَّرَ الفاعل (العلماء) في الآية (إِنَّمَا یَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَـٰۤؤُا۟)؟!
ذلك لسببين:
الأول: لأن في تقديم الفاعل تغيير للمختص؛ فإن قولك: (إنما يخشى العلماءُ اللهَ) قَصَرَ خشيةَ العلماء على الله فقط، وهذا مخالف للفطرة؛ لأنهم قد يخشون سلطانا أو ظالما أو غير ذلك.
الثاني: أن الغرض من القصر تأكيد خشية العلماء لله، واختصاصهم بتلك المكانة من دون الناس، فكان لابد من تأخيرهم لبيان أنهم هم المختص المقصود.
وإليكم مثالا يبين ذلك ويؤكده:
- ما ضرب زيدا إلا عمرو.
- ما ضرب عمرو إلا زيدا.
فالقصد في الجملة الأولى مختلف تماما عنه في الثانية:
- ففي الأولى يقصد بيان الضارب.
- وفي الثانية يقصد بيان المضروب.
وتلك بعض خصائص أسلوب القصر وأثره في المعنى وبلاغته.
د. محمد الجبالي