عقد أيلال فصلا مستقلا بعنوان : (البخاري مجروح ومتروك الحديث(
قال : " لم يقف الأمر عند هذا الحد في عدم اعتبار صحيح البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله ، ولا في تضعيف أحاديث في صحيح البخاري ، بل وصل ببعض كبار الشيوخ وأعلامهم في "علم" الحديث، إلى تجريح محمد بن إسماعيل البخاري نفسه، واعتباره مجروحا ومتروك الحديث، ولعل العديد ممن لا يغوص في بطون الكتب ليقف على الحقائق سيصدم مما نسرده هنا وننقله من الحقائق التي يحاول الشيوخ إخفاءها، ويكتفون بنقل الأساطير الممجدة للبخاري ، ويخفون الحقائق المرة التي تعاكس رواياتهم ، في الانتقاص من شخص البخاري ، واتهامه في دينه ، والحاقه بزمرة الضالين المضلين ، وأصحاب الزيغ والعقائد الفاسدة." [1]
أولا : الكاتب ليس ممن يغوص في بطون الكتب ، بل أقر على نفسه بالسطو على أبحاث الغير ، و اكتفى بالنسخ و اللصق .. و لو غاص في بطون الكتب لعلم علم اليقين قيمة الإمام البخاري و تزكية الأمة له رغم أنف الحساد الحاقدين .
ثانيا : اتهامه لعلماء الأمة بإخفاء تجريح بعض أهل العلم للبخاري ، إتهام باطل و كذب مفضوح .. يعلم كل من له اطلاع على كتب الحديث او شروح الصحيح أن العلماء عقدوا فصولا في ترجمة البخاري و رد الإتهامات الموجهة لشخصه ..، أما قوله: " ويخفون الحقائق المرة التي تعاكس رواياتهم ، في الانتقاص من شخص البخاري ، واتهامه في دينه ، والحاقه بزمرة الضالين المضلين ، وأصحاب الزيغ والعقائد الفاسدة." فمن هؤلاء الذين انتقصوا من شخص البخاري و اتهموه في دينه و ألحقوه بزمرة الضالين المضلين و اصحاب العقائد الفاسدة ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم ، ستكتب مقالته هاته و يسأل عنها يوم الحساب !
فآنظر كيف اتخذ من محنة البخاري مع الذهلي ركيزة للطعن في دينه و الصاق التهم الجائرة الظالمة بحق البخاري .. و لو كان منصفا موضوعيا لرجع الى كتب التراجم و الشروح لمعرفة أسباب اتهام الذهلي للبخاري و موقف العلماء منها ، لكنه الحقد و الظلم ..

موقف الرازيان من البخاري :

قال أيلال : " ومن ذلك ما أورده الذهبي في سير أعلام النبلاء : وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " قدم محمد بن إسماعيل الري سنة خمسين ومائتين ، وسمع منه أبي وأبو زرعة ، وتركا حديثه عندما كتب إليهما محمد بن يحيى أنه أظهر عندهم بنيسابور أن لفظه بالقرآن مخلوق". سير أعلام النبلاء ط الرسالة"(12/ 462).
وعقب الذهبي على هذا بقوله:" قلت : إن تركا حديثه ، أو لم يتركاه ، البخاري ثقة مأمون محتج به في العالم" ."[2]
أولا : لم يثبت عن الإمام البخاري التلفظ بهذه المقالة ، بل أنكرها بشدة و كتب كتابه العظيم " خلق أفعال الهباد " للرد على من قال بذلك ، و تبيين الحق ي المسألة التي إختلفت فيها أنظار العلماء و وقع بسببها امتحان للناس و الطعن في دينهم و عدالتهم .
ثانيا : باستقراء ما جرى في محنة البخاري ظهر تحامل الذهلي على البخاري و إلزامه بما يقل ، و تأليب الناس عليه .
ثالثا : كان على الرازيين - و هما من أئمة علم الجرح و التعديل – أن يستقصيا الأمر و يفرغا جهدهما في الإستفسار عن صحة ما نسب الى شيخهما و رفيقهما في الطلب . خصوصا أنهما يعلمان موقفه من الفرق و أهل الأهواء و إنتصاره لعقيدة السلف في كتابه " الجامع الصحيح " مع لعلم أن البخاري حي يرزق ، معلوم مكانه .
رابعا : كيف أمكنهما ترك حديثه وهما يعلمان صحة كتابه و قوة شرطه ، و أن كلام الذهلي كان في مسألة متعلقة بالعقائد ، و أنه لم يطعن في ضبط البخاري و لا في حفظه أو عدالته ، بل لم يثبت أن الذهلي طعن في كتاب البخاري .
خامسا : لا نستطيع تفسير صنيع الرازيين – رغم جلالتهما – إلا بما يكون بين الأقران ، و إلا كيف نفسر توثيق أبو حاتم للإمام مسلم و عدم ترك حديثه ، و قد كان على مذهب شيخه البخاري ، بل إنه ترك مجلس الذهلي جهرة إنتصارا لشيخه البخاري ، و رد كل ما كتب عن الذهلي من الحديث و لم يرو عنه في صحيحه .
قال ابن ابي حاتم : كان ثقة من الحفاظ ، له معرفة بالحديث سئل أبي عنه ، فقال : صدوق [3].
سادسا : إن ترك الرواية عن البخاري جاء نتيجة تصديقهما لكتاب الذهلي إليهما ،" و على هذا فمتى سقطت صحة كلام الذهلي؛ سقط الترك رأسا، فمن رمى شخصا بتهمة ورتب أثارا على هذا، متى سقطت التهمة بعين التحقيق لم يعد للأثر من مسوغ ، ومن تمسك بأثر تهمة ساقطة فإنما يتمسك بنتيجة لا مقدمة لها.[4]

محنة البخاري مع الذهلي :


قال أيلال: " قال ابن خلكان: محمد بن يحيى المعروف بالذهلي من أكابر العلماء والحفاظ وأشهرهم، وهو أستاذ وشيخ البخاري ومسلم وأبي داود والتمرذي والنسائي وابن ماجة. (وفيات الأعيان لابن خلكان 4/ 282 ترجمة الذهلي). قال الكلاباذي الإصبهاني في كتابه الجمع بين رجال الصحيحين في ترجمة الذهلي: روى عنه البخاري في الصوم والطب والجنائز والعتق وغير موضع في ما يقرب من ثلاثين موضعا ً... إنّ البخاري لمّا دخل نيسابور شغب عليه محمد بن يحيى الذهلي في مسألة خلق اللفظ وكان قد سمع منه فلم يترك الرواية عنه ولم يصرّح باسمه".
راجع: الجمع بين رجال الصحيحين: 2/ 465 ترجمة رقم 1787) . وقال: أحمد بن حنبل لابنه وأصحابه: اذهبوا إلى أبي عبد الله الذهلي واكتبوا عنه. (تاريخ بغداد: 3/416).
قال الخطيب البغدادي: " كان البخاري خلافا ً لأكثر متكلّمي عصره يقول بأنّ لفظ القرآن مخلوق، ولمّا ورد مدنية نيسابور أفتى الذهلي - الذي تقلّد منصب الإفتاء والإمامة بنيسابور - قائلا ً: ومن ذهب بعد مجلسنا هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتّهموه فإنه لا يحضر مجلسه إلّا من كان على مثل مذهبه. (تاريخ بغداد:2/ 31) (ذهب أحمد بن حنبل إلى تكفير من يقول بخلق القرآن فقال: والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم أن القرآن كلام الله ووقف ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق فهو أخبث من الأوّل، ومن زعم أن تلفّظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوق والقرآن كلام الله فهو جهمي، ومن لم يكفر هؤلاء القوم والقائلين بخلق القرآن وكلام الله فهو مثلهم - كافر - راجع: كتاب السنة لأحمد بن حنبل 3/ 53). انتهى من كتاب أضواء على الصحيحين الصفحة 83-84
قال محمد بن يحيى: كتب إلينا من بغداد أنّ محمد بن إسماعيل يقول: بأنّ لفظ القرآن ليس قديما، وقد استتبناه في هذه ولم ينته: فلا يحقّ لأحد أن يحضر مجلسه بعد مجلسنا هذا. (تاريخ بغداد: 2/ 31، وإرشاد الساري: 1/ 38 و هدى الساري مقدمة فتح الباري: 491 وإستقصاء الأفهام: 9787).
لم يذهب الذهلي بفساد عقيدة البخاري فحسب، بل كان يرى انحراف صاحبه مسلم بن حجّاج - صاحب الصحيح - عن العقيدة السليمة، ولذا طرده عن مجلسه وحرّم على الناس حضور مجلسه. (دائرة معارف القرن العشرين: 5/ 292 مادّة سلم، وتذكرة الحفّاظ: 2/589 ترجمة مسلم بن الحجاج رقم 613)
ويظهر من هذه الأقوال بأن البخاري ومسلم كانا محل رفض وطرد من قبل أهل نيسابور وعلماء بغداد وأهلها لاعتقادهما في القرآن بأنه مخلوق، وكان هذا سببا ً لطردهما من نيسابور.
وقد حاول الذهبي في سير أعلام النبلاء الدفاع عن البخاري باتهام شيخه الذهلي –وهو من كبار الحفاظ المشهود لهم بالصلاح ، بل من التقات في الحديث- بأن السبب في اتهامه لمحمد بن اسماعيل البخاري هو الحسد ، واذا كان هذا صحيحا فالواجب ترك التحديث عنه ، لكن البخاري حدث عنه ، وان كان قد دلس اسمه مرات عديدة في صحيح البخاري كما يعتقد هؤلاء الشيوخ .
وقد أورد الذهبي مجموعة من النقول توضح تجريح الإمام الذهلي لتلميذه البخاري ، وعزا ذلك للحسد الذي تولد لدى الذهلي ازاء تلميذه ، وهو الأمر الذي دفعه إلى طرده من بلده حيث جاء في سير اعلام النبلاء ص 461" قال أحمد بن منصور الشيرازي : سمعت محمد بن يعقوب الأخرم ، سمعت أصحابنا يقولون : لما قام مسلم وأحمد بن سلمة من مجلس الذهلي ، قال الذهلي : لا يساكنني هذا الرجل في البلد . فخشي البخاري وسافر" .
والقصة معروفة عند أهل الحديث بمحنة البخاري في مسألة:" لفظي بالقرآن مخلوق المنسوبة للبخاري".[5]
أولا : الإعتماد على كتاب " أضواء على الصحيحين " للرافضي النجمي ، بحيث نقل مطاعن الرافضي بتمامها [6]، بل إنه نقل كذلك أخطاء الرافضي و كذبه على أئمة أهل السنة ، و لم يكلف أيلال نفسه الرجوع الى مصادر أهل السنة لتوثيق الكلام المنسوب ! فهذا ثمرة جهد سنوات كما يحلو للناشر أن يتفاخر بذلك كذبا !
ثانيا : نقله لكذب الرافضي على الخطيب البغدادي دون التثبت من صحة النقل ، و بالرجوع الى تاريخ بغداد لم نجد هذا القول المنسوب زورا على لسان الخطيب ، و هذا صنيع الرافضة منذ القديم ، و صح قول علمائنا أنهم أكذب الطوائف ..
و ننقل للقارئ كلام الرافضي حتى ينكشف له ادعاءات أيلال الباطلة ، و أن لا صلة له بالبحث العلمي و أنه لبلاهته كحاطب ليل لا يدري ما تجمع يداه !
قال الرافضي : " وقال الخطيب البغدادي: كان يرى الذهلي وأكثر المتكلمين في كلام الله أنه قديم، وقد قالوا بكفر وارتداد مخالفيهم الذين يرون بأن كلام الله حديث.
وقالوا: ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر، وخرج عن الإيمان، وبانت عنه امرأته، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وجعل ماله فيئا بين المسلمين، ولم يدفن في قبور المسلمين، ومن وقف وقال: لا أقول مخلوق أو غير مخلوق فقد ضاهى الكفر،
ومن زعم أن لفظ القرآن مخلوق فهذا مبتدع لا يجالس ولا يكلم.
وأضاف الخطيب قائلا: وكان البخاري خلافا لأكثر متكلمي عصره يقول بأن لفظ القرآن مخلوق، ولما ورد مدينة نيسابور أفتى الذهلي - الذي تقلد منصب الإفتاء والإمامة بنيسابور - قائلا: ومن ذهب بعد مجلسنا هذا إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه .
وكان البخاري في نظر الذهلي وأكثر علماء نيسابور في ذلك العصر مطرودا ومضلا منحرفا في العقيدة، ووصل الانزجار والنفور منه إلى حد لم يمكنه البقاء في نيسابور فرحل عنها، وقال بعض: إنهم أبعدوه عن نيسابور، وتفرق عنه كل تلامذته وأصحابه عدا مسلم وأحمد بن مسلمة. وفروا منه كفرارهم من النار كيلا يمسهم لهيب الانزجار العام وغضب الناس كما أصاب البخاري.
ذكر أصحاب التراجم هذه القصة على أنها من أسوأ المصائب والآلام التي حلت بالبخاري ويمكن أن نستنتج من هذه الواقعة التاريخية، أن صحيح البخاري وكذلك صحيح صاحبه الأوحد مسلم بن حجاج النيسابوري قد وقعا معرض النقد والإبرام والذم ما لا
يوصف من قبل العلماء والحفاظ مثل الذهلي. وإن هذين الكتابين اللذين عرفا واشتهرا اليوم باسم الصحيحين ويعدان مرجعا للتعاليم الدينية عند أهل السنة، قد كان مؤلفاهما آنذاك محل انزجار واتهام المسلمين إياهما بالكفر والزندقة.
قال الخطيب البغدادي: قال محمد بن يحيى: كتب إلينا من بغداد أن محمد بن إسماعيل يقول: بأن لفظ القرآن ليس قديم، وقد استتبناه في هذه ولم ينته: فلا يحق لأحد أن يحضر مجلسه بعد مجلسنا هذا مسلم يرفض:
لم يذهب الذهلي بفساد عقيدة البخاري فحسب، بل كان يرى انحراف صاحبه مسلم بن حجاج - صاحب الصحيح - عن العقيدة السليمة، ولذا طرده عن مجلسه وحرم على الناس حضور مجلسه . ويظهر من هاتين القصتين أن البخاري ومسلم كانا محل رفض وطرد من قبل أهل نيسابور وعلماء بغداد وأهلها لاعتقادهما في القرآن بأنه مخلوق، وكان هذا سببا لطردهما من نيسابور[7]

ثالثا : كذبه المفضوح أن البخاري و مسلما قالا بخلق القرآن – تقليدا للرافضي - !
فهذه فرية و بهتان عظيم ، أول من قال بها مسلمة بن القاسم ، و هو اتهام باطل نقله عنه الحافظ في التهذيب ، و قال : " إنما أوردت كلام مسلمة هذا لأبين فساده ، فمن ذلك إطلاقه بأن البخاري كان يقول بخلق القرآن ، و هو شيء لم يسبقه إليه أحد ، و قد قدمنا ما يدل على بطلان ذلك " [8]
رابعا : هل طرد مسلم من مجلس الذهلي و من قبل علماء بغداد ؟
لقد أوتي أيلال من جهله و عدم اطلاعه على قصة البخاري مع الذهلي من مصادرها المعتبرة ، بل اكتفى بنقل كلام صاحب "أضواء على الصحيحين ط دون تثبت .
و لو كحل عينيه بمراجعة كتب التراجم و التواريخ لعلم أن مسلم كان مناصرا لشيخه البخاري ، و أنه ترك حلقة الذهلي و قام على رؤوس الأشهاد لما بالغ الذهلي في الحط من البخاري ، بل أرسل إليه كل ما كتب عنه ، مع استحضار مكانة الذهلي في نيسابور و قوة سطوته و نفوذه .
قال محمد بن يعقوب بن الأخرم: لما استوطن البخاري نيسابور أكثر مسلم الاختلاف إليه، فلما وقع بين الذهلي وبين البخاري ما وقع ونادى عليه ومنع الناس عنه انقطع أكثرهم غير مسلم.
فقال الذهلي يوما: ألا من قال باللفظ لا يحل له أن يحضر مجلسنا. فأخذ مسلم الرداء فوق عمامته وقام على رءوس الناس. وبعث إلى الذهلي بما كتب عنه على ظهر حمال . وتبعه في القيام أحمد بن سلمة.[9]
خامسا : قوله : وقد حاول الذهبي في سير أعلام النبلاء الدفاع عن البخاري باتهام شيخه الذهلي –وهو من كبار الحفاظ المشهود لهم بالصلاح ، بل من التقات في الحديث- بأن السبب في اتهامه لمحمد بن اسماعيل البخاري هو الحسد ، واذا كان هذا صحيحا فالواجب ترك التحديث عنه ، لكن البخاري حدث عنه ، وان كان قد دلس اسمه مرات عديدة في صحيح البخاري كما يعتقد هؤلاء الشيوخ " فهذا قول جديد ابتدعه العلامة المحدث أيلال ، بحيث أصبح الحسد موجبا لترك الرواية عن الرواة ! فمن قال بهذا الرأي اللقيط ؟ ثم إن عدم ترك البخاري الرواية عن الذهلي رغم ظلمه له ، يعد من أكبر مناقبه و دليل على ورعه و كبير منزلته .
سادسا : قوله عن الإمام النووي ( الفاضل النووي) خلافا لما إصطلح عليه العلماء ، بل هو نقل حرفي لما في كتاب "أضواء على الصحيحين " !

سابعا : لم يذكر أيلال أقوال البخاري في نفي هذه التهمة عن نفسه ، و هذه مخالفة صريحة لأبجديات البحث العلمي الموضوعي البعيد عن الهوى و الأحكام المسبقة . قال محمد بن نصر المروزي : سمعت محمد بن اسماعيل يقول : من قال عني إني قلت لفظي بالقرآن مخلوق ، فقد كذب .[10]
بين الذهلي و البخاري

تعظيم ثم جفاء
محمد بن يحيى الذهلي معدود في الطبقة الرابعة من شيوخ البخاري كعبد بن حميد و أحمد بن النضر و غيرهما ، و هم رفقاؤه في الطلب و من سمع قبله قليلا . [11] و إنما يخرج عنهم ما فاته عن مشايخه ، أو لم يجده عند غيرهم .
و الذهلي لم يطعن في حديث من أحاديث الصحيح ، رغم شدته على البخاري ، إذ لو وجد أي مطعن في طتاب الجامع الصحيح لاتخذه ذريعة قوية للنيل من مكانة البخاري الحديثية .
و تجمع التراجم أنه كان شديد التمسك بالسنة ، شديد على أهل البدع ، له منزلة و صولة في نيسابور ، كبير علمائها و اليه يرجع في الفتيا .
كما تجمع المراجع أنه كان من المعظمين للبخاري ، فقد أخرج الخطيب البغدادي بسنده الى الحسن بن محمد بن جابر قال : سمعت محمد ابن يحيى يقول: لما ورد محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور قال: اذهبوا إلى هذا الرجل العالم الصالح فاسمعوا منه. ..[12]
و قد أرجع كثير من المؤرخين و العلماء تغير موقف الذهلي إلى ما يكون بين الأقران من المنافسة و الحسد .

قال أبو احمد بن عدي : ذكر لي جماعة من المشايخ أن محمد بن إسماعيل البخاري لما ورد نيسابور واجتمع الناس وعقد به المجلس حسده من كان في ذلك الوقت من مشايخ نيسابور لما رأوا إقبال الناس إليه واجتماعهم عليه فقيل يا أصحاب الحديث إن محمد بن إسماعيل يقول اللفظ بالقرآن مخلوق فامتحنوه في المجلس فلما حضر الناس مجلس البخاري قام إليه رجل فقال يا أبا عبد الله ما تقول في اللفظ بالقرآن مخلوق هو أم غير مخلوق فأعرض عنه البخاري ولم يجبه فقال الرجل يا أبا عبد الله وأعاد عليه القول فأعرض عنه البخاري فلم يجبه ثم قال في الثالثة فالتفت إليه محمد بن إسماعيل فقال القرآن كلام الله غير مخلوق وأفعال العباد مخلوقه والإمتحان بدعة فشغب الرجل وشغب الناس وتفرقوا عنه وقعد البخاري في منزله.[13]
قال الحسن بن محمد بن جابر : سمعت محمد ابن يحيى يقول: لما ورد محمد بن إسماعيل البخاري نيسابور قال: اذهبوا إلى هذا الرجل العالم الصالح فاسمعوا منه. قال: فذهب الناس إليه واقبلوا على السماع منه حتى ظهر الخلل في مجالس محمد بن يحيى، فحسده بعد ذلك وتكلم فيه.[14]
قال ابن القم : و ساعد ذلك نوع حسد باطن للبخاري لما كان الله نشر له من الصيت و المحبة في قلوب الخلق و اجتماع الناس عليه حيث حل ، حتى هضم كثيرا من رياس أهل الهلم و امتضوا لذلك ، فوافق الهوى الباطن الشبهة الناشئة من القول المجمل ..[15]
قال التاج السبكي : و لا يرتاب المنصف في أن محمد بن يحيى الذهلي لحقته آفة الحسد التي م يسلم منها إلا أهل العصمة ..[16]
بل إن البخاري نفسه إعتبر ما أصابه من الذهلي سببه الحسد في العلم ، قال : كم يعتري محمد بن يحيى الحسد في العلم ، و العلم رزق الله يعطيه من يشاء ..[17]
قال أحمد بن سلمة النيسابوري : دخلت على البخاري فقلت يا أبا عبد الله إن هذا رجل يعني الذهلي مقبول بخراسان خصوصا في هذه المدينة وقد لح في هذا الحديث حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه فما ترى فقبض على لحيته ثم قال وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشرا ولا بطرا ولا طلبا للرئاسة وإنما أبت علي نفسي الرجوع إلى الوطن لغلبة المخالفين وقد قصدني هذا الرجل حسدا لما آتاني الله لا غير ثم قال يا أحمد إني خارج غدا لتتخلصوا من حديثه لأجلي.[18]
طرح الجرح المبني على تعصب مذهبي
قال السبكي : قاعدة في الجرح والتعديل ضرورية نافعة لا تراها في شيء من كتب الاصول فانك اذا سمعت ان الجرح مقدم على التعديل ورايت الجرح والتعديل وكنت غرا بالامور او فدما مقتصرا على منقول الاصول حسبت ان العمل على جرحه فاياك ثم اياك والحذر كل الحذر من هذا الحسبان بل الصواب عندنا أن من ثبتت إمامته وعدالته وكثر مادحوه ومزكوه وندر جارحوه وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه ونعمل فيه بالعدالة وإلا فلو فتحنا هذا الباب وأخذنا بتقديم الجرح على اطلاقه لما سلم لنا احد من الاثم اذ ما من امام الا وقد طعن فيه طاعنون وهلك فيه هالكون .[19]
و قال أيضا : ومما ينبغي ان يتفقد عند الجرح حال العقائد واختلافها بالنسبة الى الجارح والمجروح فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة فجره لذلك واليه اشار الرافعي بقوله وينبغي ان يكون المزكون براء من الشحناء والعصبية في المذهب خوفا من ان يحملهم ذلك على جرح عدل او تزكية فاسق وقد وقع هذا لكثير من الائمة جرحوا بناء على معتقدهم وهم المخطئون والمجروح مصيب وقد اشار شيخ الاسلام سيد المتاخرين تقي الدين ابن دقيق العيد في كتابه الاقتراح الى هذا وقال اعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس المحدثون والحكام قلت ومن امثلة ما قدمنا قول بعضهم في البخاري تركه ابو زرعة وابو حاتم من اجل مسالة اللفظ فيالله والمسلمين أيجوز لاحد ان يقول البخاري متروك وهو حامل لواء الصانعة ومقدم اهل السنة والجماعة ثم يالله والمسلمين أتجعل ممادحه مذام فان الحق في مسالة اللفظ معه اذ لا يستريب عاقل من المخلوقين في ان تلفظه من افعاله الحادثة التي هي مخلوق لله تعالى وانما انكرها الامام احمد لبشاعة لفظها ..[20]
قال ابن عبد البر : الصحيح في هذا الباب أن من صحت عدالته و ثبتت فب العلم إمامته ، و بانت ثقته و بالعلم عنايته ، لم يلتفت فيه الى قول أحد إلا أن يأتي في جرحه ببينة عادلة يصح بها جرحه على طريق الشهادات ، و العمل فيها من المشاهدة و المعاينة لذل بما يوجب تصديقه فيما قاله لبراءته من الغل و الحسد و العداوة و المنافسة ، و سلامته من ذلك كله . فذلك كله يوجب قبول قوله من جهة الفقه و النظر ..[21] ثم ذكر أمثلة لكلام بعض العلماء في أقرانهم ، قال : و نحن نورد في هذا الباب من قول الأئمة الجلة الثقات السادة بعضهم في بعض مما لا يجب أن يلتفت فيهم إليه و لا يعرج عليه و ما يوضح صحة ما ذكرنا.[22]
فهل يترك عطاء و طاووس و مجاهد لكلام حماد بن أبي سليمان فيهم .؟
و هل يترك أبو الزناد و ربيعة لقول ابن شهاب الزهري .؟
و هل يترك إبراهيم النخعي لقول الشعبي فيه ؟ و يترك الشعبي لقول إبراهيم ؟.
و هل يترك عكرمة لكلام سعيد بن المسيب ؟.
و هل يترك ابن إسحاق و عبد الله بن زياد لكلام ملك فيهما ؟.
و هل يترك الشافعي لقول يحي بن معين ؟.
و هل يترك مالك لقول ابن ابي ذئب ؟.
و هل يترك أحمد لقول الكرابيسي ؟.
و هل يترك ابن المديني لقول أبي زرعة فيه ؟.
الطعن في البخاري مبني على إلزامه بما لم يقل
إتفق السلف أن كلام الله غير مخلوق ، و أن أفعال العباد مخلوقة ، و لكن هذه الجملة ( لفظ العبد بالقرآن ) و نحو هذا الكلام من الأقوال المجملة التي تحتمل عدة معان ، حصل بسببها نوع نزاع لأنها من الكلمات المجملة التي قد يراد باللفظ الملفوظ ( القرآن) و قد يراد بها فعل العبد و حركاته . و لذلك وقع النزاع فيها و وقع الغلو من الطرفين ، المثبتة و النفاة . فقام الأئمة من التحذير و التنفير من التصريح به و الزجر عن الخوض فيه لما يجر ذلك من القول بمذهب المعتزلة .
و لما أوعز الذهلي الى بعض الناس بسؤال البخاري عن اللفظ بالقرآن ، قال : يا أبا عبد الله ما تقول في اللفظ بالقرآن مخلوق هو أم غير مخلوق ؟ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه فقال الرجل يا أبا عبد الله وأعاد عليه القول فأعرض عنه البخاري فلم يجبه ثم قال في الثالثة فالتفت إليه محمد بن إسماعيل فقال القرآن كلام الله غير مخلوق وأفعال العباد مخلوقه والإمتحان بدعة." و وقع بذلك تشغيب و ألزموا البخاري ما لم يقل و نسبوا إليه القول " لفظي بالقرآن مخلوق"
قال الذهبي في ترجمة علي بن حجر : و أما البخاري فكان من كبار الأئمة الأذكياء ، فقال : ما قلت ألفاظنا بالقرآن مخلوقة ، و إنما حركاتهم و أصواتهم و أفعالهم مخلوقة ، و القرآن المسموع المتلو الملفوظ المكتوب في المصاحف كلام الله غير مخلوق ، و صنف في ذلك كتاب ( أفعال العباد ) مجلد ، فأنكر عليه طائفة ، و ما فهموا مرامه ، كالذهلي و أبي زرعة و أبي حاتم و أبي بكر الأعين و غيرهم .[23]
إن الذي يضاف الى المرء هو ما قال أو رواه عنه ثقة ، و أما تقويل الإنسان ما لم يقل و إلزامه إياه ، و أخذ نتائج منه ، فهذا لا يدل عليه منقول ، و لا يؤيده معقول ، و لا جرى عليه التلبعون بإحسان .[24]
حقيقة مذهب البخاري
القرآن كلام الله غير مخلوق :
كان الإمام البخاري على عقيدة سليمة موافقة لما كان عليه أئمة السلف ، يثبت لله صفاته التي ثبتت في القرآن الكريم و السنة الصحيحة من غير تعطيل و لا تشبيه و لا تأويل . و من أمعن النظر في أبواب بعض كتب " الجامع الصحيح "مثل كتب الإيمان ، الفتن ، الأحكام ، الإعتصام بالكتاب و السنة ، التوحيد . يقف على عقيدة البخاري السلفية ، و يلمس في تراجم تلك الأبواب ردوده على أقوال الفرق و الطوائف القائمة في عصره ، و التنبيه على أخطاء أصحابها و أوهامهم دون ذكر بدعتهم أو إظهار أسمائهم ،و هذا أسلوب لا يقدر عليه إلا أولو العزم من الأئمة ، و هو منهج قرآني و مسلك نبوي .[25]
و قد أفرد كتابا مستقلا هو ( خلق أفعال العباد ) ، أسهب في الإستدلال و الرد على من زعم أن القرآن مخلوق ، و أن التلاوة و المتلو شيء واحد ، أي مخلوقان . و بين فيه معتقد الأئمة في هذه المسألة .
قال محمد بن أحمد بن محمد البخاري المعروف بغنجار : حدثنا أبو الحسين محمد بن مران بن موسى الجرجاني ، قال : سمعت أبا محمد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن البخاري – بالشاش – يقول : سمعت أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول : لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم ، أهل الحجاز ، و مكة ، و المدينة ، و الكوفة ، و البصرة ، و واسط ، و بغداد ، و الشام ، و مصر .. فما رأيت واحدا منهم يختلف في هذه الأشياء : أن الدين قول و عمل ، و ذلك لقول الله تعالى و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ، و يقيموا الصلاة و يؤتوا الزكاة و ذلك دين القيمة ( البينة 5) ، و أن القرآن كلام الله . قال أبو عبد الله : كلام غير مخلوق لقوله إن ربكم الله الذي خلق السماوات و الأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا و الشمس و القمر و النجوم مسخرات بأمره ( الأعراف 54) . قال أبو عبد الله : قال ابن عيينة : فبين الله الخلق من الأمر لقوله ألا له الخلق و الأمر تبارك الله رب العالمين ( الأعراف 54).[26]
قال أبو عبد الله الحاكم : سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول : سمعت محمد بن نعيم يقول : سألت محمد بن إسماعيل – لما وقع في شأنه ما وقع – عن الإيمان ؟ قال : قول و عمل ، و يزيد و ينقص ، والقرآن كلام الله غير مخلوق ..[27]
مسألة أفعال العباد
إن البخاري صرح بأن أفعال العباد مخلوقة ، و لم يصح عنه أنه قال : لفظي بالقرآن مخلوق ، مع أن هذه العبارة صحيحة نقلا و عقلا ، و الحق فيها بجانبه بكل حال صرح بها أم لم يصرح .[28]
قال أبو عبد الله: فأما أفعال العباد فقد حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا أبو مالك عن ربعي بن حراش، عن حذيفة ، قال النبي : «إن الله يصنع كل صانع وصنعته» وتلا بعضهم عند ذلك: والله خلقكم وما تعملون [الصافات: 96] ، فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة . حدثنا محمد، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة : «إن الله خلق كل صانع وصنعته، إن الله خلق صانع الخزم وصنعته» رواه وكيع عن الأعمش .[29]
قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل: سمعت عبيد الله بن سعيد يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما زلت أسمع من أصحابنا يقولون: «إن أفعال العباد مخلوقة» قال أبو عبد الله: " حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة، فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصحف المسطور المكتوب الموعى في القلوب فهو كلام الله ليس بخلق، قال الله: بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم [العنكبوت: 49] " وقال إسحاق بن إبراهيم: «فأما الأوعية فمن يشك في خلقها؟» قال الله تعالى: وكتاب مسطور في رق منشور [الطور: 3] ، وقال: بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ [البروج: 21] «، فذكر أنه يحفظ ويسطر» . قال: وما يسطرون [القلم: 1][30]
حدثنا محمد بن كثير، حدثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة وقال غيره ابن أبي المغيرة، عن سالم هو ابن أبي الجعد، عن جابر أن النبي قال: «ألا رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي» قال أبو عبد الله: " فبين النبي أن الإبلاغ منه، وأن كلام الله من ربه، ولم يذكر عن أحد من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان خلاف ما وصفنا، وهم الذين أدوا الكتاب والسنة بعد النبي قرنا بعد قرن، قال الله تعالى: لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا [البقرة: 143] " قال النبي : «أنتم شهداء الله في الأرض».
حدثنا إسحاق، حدثنا أبو أسامة، قال الأعمش: حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله : " يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب، فتسأل أمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقال: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمته، فيجاء بكم فتشهدون، ثم قرأ النبي : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا [البقرة: 143] قال أبو عبد الله: هم الطائفة التي قال النبي : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم» حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسماعيل، عن قيس، عن المغيرة بن شعبة ، عن النبي قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون» ويروى نحوه عن أبي هريرة، ومعاوية، وجابر، وسلمة بن نفيل، وقرة بن إياس عن النبي قال أبو عبد الله: " ولم يكن بين أحد من أهل العلم في ذلك اختلاف، إلى زمن مالك، والثوري، وحماد بن زيد، وعلماء الأمصار ثم بعدهم ابن عيينة في أهل الحجاز، ويحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي في محدثي أهل البصرة، وعبد الله بن إدريس، وحفص بن غياث، وأبو بكر بن عياش، ووكيع وذووهم ابن المبارك في متبعيه، ويزيد بن هارون في الواسطيين إلى عصر من أدركنا من أهل الحرمين مكة والمدينة، والعراقيين، وأهل الشام، ومصر، ومحدثي أهل خراسان، منهم محمد بن يوسف في منتابيه وأبو الوليد هشام بن عبد الملك في مجتبيه، وإسماعيل بن أبي أويس مع أهل المدينة، وأبو مسهر في الشاميين، ونعيم بن حماد مع المصريين، وأحمد بن حنبل مع أهل البصرة، والحميدي من قريش، ومن أتبع الرسول من المكيين، وإسحاق بن إبراهيم وأبو عبيد في أهل اللغة، وهؤلاء المعروفون بالعلم في عصرهم بلا اختلاف منهم، أن القرآن كلام الله، إلا من شذها، أو أغفل الطريق الواضح فعمي عليه، فإن مرده إلى الكتاب والسنة، قال الله تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول [النساء: 59] " حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا إسحاق بن جعفر بن محمد، حدثني كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، أن النبي كتب: «وإنكم ما اختلفتم في شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد».
وقال النبي «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» ، حدثنا بذلك العلاء بن عبد الجبار، حدثنا عبد الله بن جعفر المخرمي، عن سعد بن إبراهيم، عن القاسم، عن عائشة عن النبي بذلك «وأمر عمر أن ترد الجهالات إلى الكتاب والسنة» قال أبو عبد الله: " وكل من لم يعرف الله بكلامه أنه غير مخلوق فإنه يعلم، ويرد جهله إلى الكتاب والسنة، فمن أبى بعد العلم به، كان معاندا، قال الله تعالى: وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون [التوبة: 115] ، ولقوله: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا [النساء: 115] ، فأما ما احتج به الفريقان لمذهب أحمد ويدعيه كل لنفسه، فليس بثابت كثير من أخبارهم، وربما لم يفهموا دقة مذهبه، بل المعروف عن أحمد وأهل العلم أن كلام الله غير مخلوق، وما سواه مخلوق، وأنهم كرهوا البحث والتنقيب عن الأشياء الغامضة، وتجنبوا أهل الكلام، والخوض والتنازع إلا فيما جاء فيه العلم، وبينه رسول الله " حدثنا إسحاق، أنبأ عبد الرزاق، أنبأ معمر، عن الزهري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سمع النبي قوما يتدارءون فقال: «إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا، فلا تضربوا بعضه بعضا، ما علمتم منه فقولوا، وما لا، فكلوه إلى عالمه» قال أبو عبد الله: «وكل من اشتبه عليه شيء فأولى أن يكله إلى عالمه» كما قال عبد الله بن عمرو ، عن النبي : «وما أشكل عليكم فكلوه إلى عالمه، ولا يدخل في المتشابهات إلا ما بين له» وقد حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا يزيد بن إبراهيم، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة ، قالت: تلا رسول الله : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب، قالت: قال رسول الله : «فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه منه فهم الذين عنى الله فاحذروهم» وقال ابن مسعود : " من علم علما فليقل به، ومن لا، فليقل: الله أعلم، فإن من علم الرجل أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، فإن الله قال لنبيه: قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين [ص: 86] "..[31]
و قال : قال أبو عبد الله: «ولقد بين نعيم بن حماد أن كلام الرب ليس بخلق، وأن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل، فمن كان له فعل فهو حي ومن لم يكن له فعل فهو ميت، وأن أفعال العباد مخلوقة، فضيق عليه حتى مضى لسبيله، وتوجع أهل العلم لما نزل به، وفي اتفاق المسلمين دليل على أن نعيما ومن نحا نحوه ليس بمفارق ولا مبتدع، بل البدع والرئيس بالجهل بغيرهم أولى، إذ يفتون بالآراء المختلفة، مما لم يأذن به الله»[32]
قال أبو عبد الله: " واختلف الناس في الفاعل والمفعول والفعل، فقالت القدرية: الأفاعيل كلها من البشر ليست من الله، وقالت الجبرية: الأفاعيل كلها من الله، وقالت الجهمية: الفعل والمفعول واحد، لذلك قالوا: لكن مخلوق، وقال أهل العلم: التخليق فعل الله، وأفاعيلنا مخلوقة لقوله تعالى: وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق [الملك: 13] ، يعني السر والجهر من القول، ففعل الله صفة الله، والمفعول غيره من الخلق، ويقال لمن زعم أني لا أقول: القرآن مكتوب في المصحف ولكن القرآن بعينه في المصحف، يلزمك أن تقول: إن من ذكر الله في القرآن من الجن والإنس والملائكة والمدائن ومكة والمدينة وغيرهما وإبليس وفرعون وهامان وجنودهما والجنة والنار عاينتهم بأعيانهم في المصحف، لأن فرعون مكتوب فيه، كما أن القرآن مكتوب، ويلزمك أكثر من هذا حين تقول في المصحف، وهذا أمر بين لأنك تضع يدك على هذه الآية وتراها بعينك: الله لا إله إلا هو الحي القيوم [البقرة: 255] ، فلا يشك عاقل بأن الله هو المعبود، وقوله: الله لا إله إلا هو الحي القيوم [البقرة: 255] هو قرآن، وكذلك جميع القرآن هو قوله، والقول صفة القائل موصوف به فالقرآن قول الله ، والقراءة والكتابة والحفظ للقرآن هو فعل الخلق لقوله: فاقرءوا ما تيسر منه فقوله: فاقرءوا ما تيسر منه والقراءة فعل الخلق وهو طاعة الله، والقرآن ليس هو بطاعة إنما هو الأمر بالطاعة، ودليله قوله: وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث [الإسراء: 106] ، وقال: إن الذين يتلون كتاب الله [فاطر: 29] ، ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر [القمر: 17] " حدثنا أبو نعيم، ثنا زهير، عن أبي إسحاق أنه سمع رجلا سأل الأسود: " فهل من مذكر أو مدكر؟ فقال: سمعت عبد الله يقرؤها: «مدكر» ، وقال: سمعت رسول الله يقرؤها: «فهل من مدكر» دالا. حدثنا حفص بن عمر، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن عبد الله ، قال: كان رسول الله يقرأ: «فهل من مدكر» حدثنا عبدان، أخبرني أبي، عن شعبة بهذا. حدثنا خالد بن يزيد، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق بهذا. حدثنا نصر بن علي، ثنا أبو أحمد، عن سفيان، عن أبي إسحاق بهذا قال أبو عبد الله: " وقال الله : بلغ ما أنزل إليك من ربك [المائدة: 67] ، فذلك كله مما أمر به، ولذلك قال: أقيموا الصلاة [البقرة: 43] ، فالصلاة بجملتها طاعة الله، وقراءة القرآن من جملة الصلاة، فالصلاة طاعة الله، والأمر بالصلاة قرآن وهو مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، مقروء على اللسان، والقراءة والحفظ والكتابة مخلوق، وما قرئ وحفظ وكتب ليس بمخلوق، ومن الدليل عليه أن الناس يكتبون الله ويحفظونه ويدعونه، فالدعاء والحفظ والكتابة من الناس مخلوق، ولا شك فيه، والخالق الله بصفته، ويقال له: أترى القرآن في المصاحف؟ فإن قال: نعم، فقد زعم أن من صفات الله ما يرى في الدنيا، وهذا رد لقول الله : لا تدركه الأبصار [الأنعام: 103] في الدنيا وهو يدرك الأبصار [الأنعام: 103] وإن قال يرى كتابة القرآن فقد رجع إلى الخلق، ويقال له: هل تدرك الأبصار إلا اللون؟ فإن قال: لا، قيل له: وهل يكون اللون إلا في الجسم؟ فإن قال: نعم، فقد زعم أن القرآن جسم يرى "..[33]

نفي البخاري التهمة عن نفسه
قال إبراهيم بن محمد : أنا توليت دفن محمد بن إسماعيل لما أن مات بخرتنك، أردت حمله إلى مدينة سمرقند أن أدفنه بها فلم يتركني صاحب لنا فدفناه بها، فلما أن فرغنا ورجعت إلى المنزل الذي كنت فيه، قال لي صاحب القصر: سألته أمس فقلت: يا أبا عبد الله ما تقول في القرآن؟ فقال: القرآن كلام الله غير مخلوق.
قال فقلت له إن الناس يزعمون أنك تقول ليس في المصاحف قرآن، ولا في صدور الناس قرآن. فقال: استغفر الله أن تشهد على بشيء لم تسمعه مني. أقول كما قال الله تعالى: والطور وكتاب مسطور
أقول في المصاحف قرآن وفي صدور الناس قرآن، فمن قال غير هذا يستتاب، فإن تاب وإلا فسبيله سبيل الكفر.[34]
و عن أحمد بن نصر بن إبراهيم النيسابوري المعروف بالخفاف قال : كنا يوما عند محمّد بن إسحاق القيسي ومعنا محمد بن نصر المروزي، فجرى ذكر محمد بن إسماعيل البخاري فقال محمّد ابن نصر: سمعته يقول: من زعم أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله. فقلت له: يا أبا عبد الله قد خاض الناس في هذا وأكثروا فيه؟ فقال: ليس إلا ما أقول وأحكي لك عنه. قَالَ أبو عمرو الخفاف فأتيت محمد بن إسماعيل فناظرته في شيء من الأحاديث حتى طابت نفسه، فقلت: يا أبا عبد الله، ها هنا أحد يحكى عنك أنك قلت هذه المقالة. فقال: يا أبا عمرو احفظ ما أقول لك، من زعم من أهل نيسابور، وقومس، والري، وهمذان، وحلوان، وبغداد، والكوفة، والمدينة، ومكة، والبصرة أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقل هذه إلا أني قلت:
أفعال العباد مخلوقة.[35]
من انتصر لمذهب البخاري و عقيدته :
ابن تيمية : قال موضحا عقيدة البخاري في اللفظ بالقرآن : " وكذلك يقولون: إنه يتكلم بمشيئته وقدرته، وكلامه هو حديث، وهو أحسن الحديث، وليس بمخلوق باتفاقهم، ويسمى حديثًا وحادثًا. وهل يسمى محدثًا؟ على قولين لهم. ومن كان من عادته أنه لا يطلق لفظ المحدث إلا على المخلوق المنفصل ـ كما كان هذا الاصطلاح هوالمشهور عند المتناظرين الذين تناظروا في القرآن في محنة الإمام أحمد ـ ـ وكانوا لايعرفون للمحدث معنى إلا المخلوق المنفصل ـ فعلى هذا الاصطلاح لا يجوز عند أهل السنة أن يقال: القرآن محدث، بل من قال: إنه محدث، فقد قال: إنه مخلوق. ولهذا أنكر الإمام أحمد هذا الإطلاق على [داود] لما كتب إليه أنه تكلم بذلك، فظن الذين يتكلمون بهذا الاصطلاح أنه أراد هذا فأنكره أئمة السنة. وداود نفسه لم يكن هذا قصده، بل هو وأئمة أصحابه متفقون على أن كلام الله غير مخلوق، وإنما كان مقصوده أنه قائم بنفسه، وهو قول غير واحد من أئمة السلف، وهو قول البخاري وغيره.
والنزاع في ذلك بين أهل السنة لفظي؛ فإنهم متفقون على أنه ليس بمخلوق منفصل، ومتفقون على أن كلام الله قائم بذاته، وكان أئمة السنة، كأحمد وأمثاله، والبخاري وأمثاله، وداود وأمثاله، وابن المبارك وأمثاله، وابن خزيمة، وعثمان بن سعيد الدارمي، وابن أبي شيبة وغيرهم، متفقين على أن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، ولم يقل أحد منهم: إن القرآن قديم، وأول من شهر عنه أنه قال ذلك هو ابن كُلاب.
وكان الإمام أحمد يحذر من الكُلابية، وأمر بهجر الحارث المحاسبي لكونه كان منهم، وقد قيل عن الحارث: إنه رجع في القرآن عن قول ابن كُلاب، وإنه كان يقول: إن الله يتكلم بصوت. وممن ذكر ذلك عنه الكلاباذي في كتاب [التعرف لمذهب التصوف] .[36]

التاج السبكي : قال معقبا على قول الذهلي : ( من زعم أن لفظى بالقرآن مخلوق فهو مبتدع لا يجالس ولا يكلم ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر ) : و إنما أراد محمد بن يحيى والعلم عند الله ما أراده أحمد بن حنبل كما قدمناه فى ترجمة الكرابيسى من النهى عن الخوض فى هذا ولم يرد مخالفة البخارى وإن خالفه وزعم أن لفظه الخارج من بين شفتيه المحدثتين قديم فقد باء بأمر عظيم والظن به خلاف ذلك وإنما أراد هو وأحمد وغيرهما من الأئمة النهى عن الخوض فى مسائل الكلام وكلام البخارى عندنا محمول على ذكر ذلك عند الاحتياج إليه فالكلام فى الكلام عند الاحتياج واجب والسكوت عنه عند عدم الاحتياج سنة
فافهم ذلك ودع خرافات المؤرخين واضرب صفحا عن تمويهات الضالين الذين يظنون أنهم محدثون وأنهم عند السنة واقفون وهم عنها مبعدون وكيف يظن بالبخارى أنه يذهب إلى شئ من أقوال المعتزلة وقد صح عنه فيما رواه الفربرى وغيره أنه قال إنى لأستجهل من لا يكفر الجهمية
ولا يرتاب المنصف فى أن محمد بن يحيى الذهلى لحقته آفة الحسد التى لم يسلم منها إلا أهل العصمة
وقد سأل بعضهم البخارى عما بينه وبين محمد بن يحيى فقال البخارى كم يعترى محمد بن يحيى الحسد فى العلم والعلم رزق الله يعطيه من يشاء
ولقد ظرف البخارى وأبان عن عظيم ذكائه حيث قال وقد قال له أبو عمرو الخفاف إن الناس خاضوا فى قولك لفظى بالقرآن مخلوق يا أبا عمرو احفظ ما أقول لك من زعم من أهل نيسابور وقومس والرى وهمذان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة أنى قلت لفظى بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإنى لم أقله إلا أنى قلت أفعال العباد مخلوقة
قلت تأمل كلامه ما أذكاه ومعناه والعلم عند الله إنى لم أقل لفظى بالقرآن مخلوق لأن الكلام فى هذا خوض فى مسائل الكلام وصفات الله التى لا ينبغى الخوض فيها إلا للضرورة ولكنى قلت أفعال العباد مخلوقة وهى قاعدة مغنية عن تخصيص هذه المسألة بالذكر فإن كل عاقل يعلم أن لفظنا من جملة أفعالنا وأفعالنا مخلوقة فألفاظنا مخلوقة لقد أفصح بهذا المعنى فى رواية أخرى صحيحة عنه رواها حاتم بن أحمد بن الكندى قال سمعت مسلم بن الحجاج فذكر الحكاية وفيها أن رجلا قام إلى البخارى فسأله عن اللفظ بالقرآن فقال أفعالنا مخلوقة وألفاظنا من أفعالنا
وفى الحكاية أنه وقع بين القوم إذ ذاك اختلاف على البخارى فقال بعضهم قال لفظى بالقرآن مخلوق وقال آخرون لم يقل
قلت فلم يكن الإنكار إلا على من يتكلم فى القرآن
فالحاصل ما قدمناه فى ترجمة الكرابيسى من أن أحمد ابن حنبل وغيره من السادات الموفقين نهوا عن الكلام فى القرآن جملة وإن لم يخالفوا فى مسألة اللفظ فيما نظنه فيهم إجلالا لهم وفهما من كلامهم فى غير رواية ورفعا لمحلهم عن قول لا يشهد له معقول ولا منقول ومن أن الكرابيسى والبخارى وغيرهما من الأئمة الموفقين أيضا أفصحوا بأن لفظهم مخلوق لما احتاجوا إلى الإفصاح هذا إن ثبت عنهم الإفصاح بهذا وإلا فقد نقلنا لك قول البخارى أن من نقل عنه هذا فقد كذب عليه
فإن قلت إذا كان حقا لم لا يفصح به
قلت سبحان الله قد أنبأناك أن السر فيه تشديدهم فى الخوض فى علم الكلام خشية أن يجرهم الكلام فيه إلى ما لا ينبغى وليس كل علم يفصح به فاحفظ ما نلقيه إليك واشدد عليه يديك .[37]

الذهبي : قال في ترجمة علي بن حجر : و أما البخاري فكان من كبار الأئمة الأذكياء ، فقال : ما قلت ألفاظنا بالقرآن مخلوقة ، و إنما حركاتهم و أصواتهم و أفعالهم مخلوقة ، و القرآن المسموع المتلو الملفوظ المكتوب في المصاحف كلام الله غير مخلوق ، و صنف في ذلك كتاب ( أفعال العباد ) مجلد ، فأنكر عليه طائفة ، و ما فهموا مرامه ، كالذهلي و أبي زرعة و أبي حاتم و أبي بكر الأعين و غيرهم .[38]
و قال : كان الذهلي شديد التمسك بالسنة . قام على محمد بن إسماعيل لكونه أشار في مسألة خلق العباد إلى أن تلفظ القارئ بالقرآن مخلوق ، فلوح و ما صرح و الحق أوضح . و لكن أبى البحث في ذلك أحمد بن حنبل و أبو زرعة و الذهلي ، و التوسع في عبارات المتكلمين سدا للذريعة ، فأحسنوا أحسن الله جزاءهم . و سافر ابن إسماعيل مختفيا من يسابور ، و تألم من فعل محمد بن يحيى ، و ما زال كلام الكبار المتعاصرين بعضهم في بعض لا يلوى عليه بمفرده .[39]
ابن القيم : وقد اختلف الناس هل التلاوة غير المتلو أم هي المتلو؟ على قولين، والذين قالوا: التلاوة هي المتلو، فليست حركات الإنسان عندهم هي التلاوة، وإنما أظهرت التلاوة وكانت سببا لظهورها، وإلا فالتلاوة عندهم هي نفس الحروف والأصوات وهي قديمة، والذين قالوا التلاوة غير المتلو طائفتان:
إحداهما قالت: التلاوة هي هذه الحروف والأصوات المسموعة، وهي مخلوقة، والمتلو هي المعنى القائم بالنفس وهو قديم، وهذا قول الأشعري.
والطائفة الثانية قالوا: التلاوة هي قراءتنا وتلفظنا بالقرآن، والمتلو هو القرآن العزيز والمسموع بالآذان بالأداء من في رسول الله وهي (المص) (حم) (عسق) (كهيعص) حروف وكلمات وسور وآيات تلاه عليه جبرائيل كذلك وتلاه هو على الأمة كما تلاه عليه جبرائيل، وبلغه جبرائيل عن الله تعالى كما سمعه، وهذا قول السلف وأئمة السنة والحديث، فهم يميزون بين ما قام بالعبد وما قام بالرب، والقرآن عندهم جميعه كلام الله، حروفه ومعانيه، وأصوات العباد وحركاتهم، وأداؤهم وتلفظهم، كل ذلك مخلوق بائن عن الله.
فإن قيل: فإذا كان الأمر كما قررتم فكيف أنكر الإمام أحمد على من قال: لفظي بالقرآن مخلوق. وبدعه ونسبه إلى التجهم، وهل كانت محنة أبي عبد الله البخاري إلا على ذلك حتى هجره أهل الحديث ونسبوه إلى القول بخلق القرآن.
قيل: معاذ الله أن يظن بأئمة الإسلام هذا الظن الفاسد، فقد صرح البخاري في كتابه (خلق أفعال العباد) وفي آخر (الجامع) بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وقال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: أدركت مشيختنا منذ سبعين سنة، منهم عمرو بن دينار يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق.
قال البخاري: وقال أحمد بن الحسين حدثنا أبو نعيم حدثنا سليم القاري قال سمعت سفيان الثوري يقول: قال حماد بن أبي سليمان: أبلغ أبا فلان المشرك أني بريء من دينه، وكان يقول: القرآن مخلوق، ثم ساق قصة خالد بن عبد الله القسري وأنه ضحى بالجعد بن درهم وقال إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما ثم نزل فذبحه.
هذا مذهب الإمام البخاري ومذهب الإمام أحمد وأصحابهما من سائر أهل السنة، فخفي تفريق البخاري وتمييزه على جماعة من أهل السنة والحديث، ولم يفهم بعضهم مراده وتعلقوا بالمنقول عن أحمد نقلا مستفيضا أنه قال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي: ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع، وساعد ذلك نوع حسد باطن للبخاري لما كان الله نشر له من الصيت والمحبة في قلوب الخلق واجتماع الناس عليه حيث حل، حتى هضم كثير من رياسة أهل العلم وامتعضوا لذلك، فوافق الهوى الباطن الشبهة الناشئة من القول المجمل، وتمسكوا بإطلاق الإمام أحمد وإنكاره على من قال لفظي بالقرآن مخلوق وأنه جهمي، فتركب من مجموع هذه الأمور فتنة وقعت بين أهل الحديث.
قال الحاكم أبو عبد الله: سمعت أبا القاسم طاهر بن أحمد الوراق يقول: سمعت محمد بن شاذان الهاشمي يقول: لما وقع بين محمد بن يحيى ومحمد بن إسماعيل دخلت على محمد بن إسماعيل فقلت: يا أبا عبد الله إيش الحيلة لنا فيما بينك وبين محمد بن يحيى، كل من يختلف إليك يطرد من منزله وليس لكم منزل، قال: محمد بن يحيى كم يعتريه الحسد في العلم، والعلم رزق من الله تعالى يعطيه من يشاء، فقلت: يا أبا عبد الله، هذه المسألة التي تحكى عندك، فقال لي هذه مسألة مشئومة رأيت أحمد بن حنبل وما ناله من هذه المسألة جعلت على نفسي لا أتكلم فيها، والمسألة التي كانت بينهما كان محمد بن يحيى لا يجيب فيها إلا ما يحكيه عن أحمد بن حنبل، فسئل محمد بن إسماعيل فوقف عنها، وهي أن اللفظ بالقرآن مخلوق، فلما وقف عنها البخاري تكلم فيه محمد بن يحيى وقال: قد أظهر هذا البخاري قول اللفظية، واللفظية شر من الجهمية. قال الحاكم: سمعت أبا محمد عبد الله بن محمد العدل يقول: سمعت أبا حامد بن الشرقي يقول: سمعت محمد بن يحيى يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وهو قول أئمتنا مالك بن أنس، وعبد الرحمن بن عمر والأوزاعي وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري، والكلام كلام الله غير مخلوق من جميع جهاته، وحيث تصرف، فمن لزم ما قلنا استغنى عن اللفظ وعما سواه من الكلام في القرآن، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر وخرج من الإيمان وبانت منه امرأته يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وجعل ماله فيئا بين المسلمين، ولم يدفن في مقابر المسلمين، ومن زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع ولا يجالس ولا يكلم، ومن وقف وقال لا أقول مخلوق ولا غير مخلوق فقد ضاهى الكفر، ومن ذهب بعد مجلسنا هذا إلى مجلس محمد بن إسماعيل فاتهموه فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مذهبه.
قال الحاكم: وسمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول: سمعت محمد بن نعيم يقول سألت محمد بن إسماعيل البخاري لما وقع ما وقع من شأنه عن الإيمان فقال: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وأفضل أصحاب رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، على هذا حييت وعليه أموت وعليه أبعث إن شاء الله تعالى، ثم قال أبو الوليد: أي عين أصابت محمد بن إسماعيل بما نقم عليه محمد بن يحيى، فقلت له إن محمد بن إسماعيل قد بوب في آخر الجامع الصحيح بابا مترجما (ذكر قراءة الفاجر والمنافق وأن أصواتهم لا تجاوز حناجرهم) نذكر فيه حديث قتادة عن أنس عن أبي موسى عن النبي " «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة» . . . " الحديث، وحديث أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي " «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان. . .» " الحديث، فقال لي كيف قلت؟ فأعدته عليه، فأعجبه ذلك، وقال: ما بلغني هذا عنه.
ومراد أبي عبد الله بهذا الاستدلال أن الثقل في الميزان والخفة على اللسان متعلق بفعل العبد وكسبه، وهو صوته وتلفظه لا يعود إلى ما قام بالرب تعالى من كلامه وصفاته، وكذلك قراءة البر والفاجر، فإن قراءة الفاجر لا تجاوز حنجرته، فلو كانت قراءته هي نفس ما قام بالرب من الكلام وهي غير مخلوقة لم تكن كذلك، فإنها متصلة بالرب حينئذ.
فالبخاري أعلم بهذه المسألة وأولى بالصواب فيها من جميع من خالفه، وكلامه أوضح وأمتن من كلام أبي عبد الله، فإن الإمام أحمد سد الذريعة حيث منع إطلاق لفظ المخلوق نفيا وإثباتا على اللفظ، فقالت طائفة: أراد سد باب الكلام في ذلك، وقالت طائفة منهم ابن قتيبة: إنما كره أحمد ذلك ومنع ; لأن اللفظ في اللغة الرمي والإسقاط يقال لفظ الطعام من فيه ولفظ الشيء من يده إذا رمى به، فكره أحمد إطلاق ذلك على القرآن، وقال طائفة: إنما مراد أحمد أن اللفظ غير الملفوظ فلذلك قال: إن من زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق فهو جهمي.
وأما منعه أن يقال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فإنما منع ذلك لأنه عدول عن نفس قول السلف، فإنهم قالوا القرآن غير مخلوق، والقرآن اسم يتناول اللفظ والمعنى، فإذا خص اللفظ بكونه غير مخلوق كان ذلك زيادة في الكلام أو نقصا من المعنى، فإن القرآن كله غير مخلوق، فلا وجه لتخصيص ذلك بألفاظ خاصة، وهذا كما لو قال قائل: السبع الطوال من القرآن غير مخلوقة فإنه وإن كان صحيحا، لكن هذا التخصيص ممنوع منه، وكل هذا عدول عما أراده الإمام أحمد. وهذا المنع في النفي والإثبات من كمال علمه باللغة والسنة وتحقيقه لهذا الباب فإنه امتحن به ما لم يمتحن به غيره، وصار كلامه قدوة وإماما لحزب الرسول إلى يوم القيامة، والذي قصده أحمد أن اللفظ يراد به أمران أحدهما: الملفوظ نفسه وهو غير مقدور للعبد ولا فعل له، الثاني: التلفظ به والأداء له وفعل العبد، فإطلاق الخلق على اللفظ قد توهم المعنى الأول وهو خطأ، وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الثاني وهو خطأ، فمنع الإطلاقين.
وأبو عبد الله البخاري ميز وفصل وأشبع الكلام في ذلك وفرق بين ما قام بالرب وبين ما قام بالعبد، وأوقع المخلوق على تلفظ العباد وأصواتهم وحركاتهم وأكسابهم، ونفى اسم الخلق عن الملفوظ وهو القرآن الذي سمعه جبرائيل من الله تعالى وسمعه محمد من جبرائيل، وقد شفى في هذه المسألة في كتاب (خلق أفعال العباد) وأتى فيها من الفرقان والبيان بما يزيل الشبهة، ويوضح الحق، ويبين محله من الإمامة والدين، ورد على الطائفتين أحسن الرد.[40]


عبد الحميد بن محمد المير.



[1] صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص145

[2] صحيح البخاري نهاية الأسطورة، ص145

[3] الجرح و التعديل 8/182-183

[4] بيع الوهم 48

[5] ص 145-156-147

[6] ص 87 و ما بعدها

[7] ص 82-83-84

[8] تهذيب التهذيب 9/46-47

[9] تاريخ الإسلام للذهبي

[10] تهذيب التهذيب 9/54

[11] الهدي 479

[12] تاريخ بغداد2/30 . تقييذ المهمل1/34 . ابن عساكر 52/91. السبكي 2/228. التغليق 5/430

[13] اسامي من روى عنهم البخاري ص 64-65 . تقييد المهمل 1/49-50

[14] تاريخ بغداد2/30 . تقييذ المهمل1/34 . ابن عساكر 52/91. السبكي 2/228. التغليق 5/430

[15] مختصر الصواعق المرسلة ص 662

[16] طبقات الشافعية

[17] السير 12/456

[18] السير 12/459.التغليق 5/434. الهدي 491

[19] قاعدة في الجرح و التعديل ص 19-20

[20] قاعدة في الجرح و التعديل ص 35-36

[21] جامع بيان العلم و فضله ص 1093-1094 طبعة ابي الأشبال

[22] نفس المصدر

[23] السير 12/510-511

[24] تاريخ الجهمية و المعتزلة للقاسمي ص 35

[25] راجع كتاب : البخاري أستاذ الأستاذين ص 92

[26] شرح أصول اعتقاد اهل السنة للالكائي 1/174-176 . ابن عساكر 52/58-60. السير 12/407 .الفتح 1/47

[27] التغليق 5/935. الهدي 491 . تهذيب التهذيب 9/45

[28] أستاذ الاستاذين ص 125

[29] خلق أفعال العباد ص 46

[30] نفس المصدر ص 47

[31] نفس المصدر ص 60-63

[32] ص 85 خلق أفعال العباد

[33] ص 114-115-116

[34] تاريخ بغداد 2/31

[35] تاريخ بغداد 2/31. تقييد المهمل 1/37. طبقات الحنابلة 1/277-278 . ابن عساكر 52/95-96 . السير 12/457-458. طبقات السبكي 2/230 . التغليق5/433. الهدي 491

[36] شرح حديث النزول ص 154-155

[37] طبقات الشافعية 2/239-231

[38] السير 12/510-511

[39] السير 12/285-286

[40] مختصر الصواعق المرسلة 509-513