بسم الله الرحمن الرحيم


تذخر بطون الكتب بالعديد من الأفكار الذهبية والعبارات المحورية الجديرة برصدها وتدوينها للوقوف على كنوز مفكرينا وكُتابنا العظام، وللانتفاع بالفائدة المرجوة منها، ولذلك حرصت خلال جولتي بين دفوف الكتب أن أرصد هذه الثروات الفكرية والتربوية والتحليلية، وأنقلها بنصها كما وردت فيها أو باختصار طفيف في بعض الأحيان، هذا كي يستفيد منها القاسي والداني، سائلا المولى أن ينفع بها الكبير والصغير، وأن يكتب لكاتبها وجامعها وقارئها الأجر والمثوبة إنه نعم المولى ونعم النصير.

)أسباب انحسار القدرات العقلية في الأمة المسلمة)
أولا: التقليد المذموم والإخلاد إلى الكسل الفكري . وكان الذي ساعد على ذلك ظهور التصوف الذي يعتمد على ( الذوق ) و ( الرؤى ) وليس على المناهج الصحيحة السليمة، وخاصة عندما انحرف بعد القرن الثالث نحو ( الفناء ) [ أي ليس موجودا إلا الله ، وكل ما عداه ليس له وجود حقيقي، وهذه هي وحدة الوجود المناقضة لعقيدة التوحيد التي جاء بها الأنبياء ] و ( الغنوصية ) [ وهي التي ترى أن المعرفة تأتي عن طريق الغيبة عن النفس وعن العالم والمحسوس، وتلقى إلقاء عند تطهير النفس ]
كما يعتمد التصوف على الانقياد للشيخ انقيادا أعمى . وهذا يعني إلغاء دور العقل، بل يعتبر العقل عندهم عائقا من عوائق الطريق إلى الله !! ومن يقرأ كتب القوم مثل (الطبقات الكبرى للشعراني) فسيجد أن المجاذيب والبلهاء مقدمون على العلماء والفقهاء، حتى أصبحنا سخرية لأهل الأديان المنسوخة كما يقول الإمام الألوسي
وكان لظهور الفرق التي تؤمن بالإمام المعصوم أثر في وجود الشيخ المعصوم، وإن لم يصرحوا بعصمته، ولكن واقع الحال يدل عليه، وهذا مما يريح بعض الناس من عناء التفكير، فالإمام هو الذي يفكر عنه ويعطيه النتائج جاهزة
ثانيا: غلبة التقليد وفشو التعصب المذهبي، فعاش الطلبة على المختصرات والحواشي، ونظم المختصرات وشرح النظم، ولا يرجعون إلى المطولات والأصول ليتمرنوا على الاجتهاد، وليؤدوا واجب العلماء، بل تعدى التقليد في المذهب على التقليد في كل شيء، فكان من جراء ذلك الجمود والبعد عن شئون الحياة، ولا يعني هذا عدم وجود من وصل إلى رتبة الاجتهاد في كل عصر، ولكن الاتجاه العام كان أقرب إلى التقليد
ثالثا: عندما غالت بعض الفرق القديمة ومن تأثر بهم في الحديث في تعظيم العقل، وإدخاله في غير مجاله، وظنهم أنه يمكن أن يتعارض العقل والنقل، وردوا الأحاديث الصحيحة بزعم مخالفتها لعقولهم، ووقعوا في المماحكات النظرية والجدل العقيم، عندما حدث هذا كانت ردة الفعل عند معارضيهم شديدة، فوقعوا في الطرف الآخر المناقض حتى للعقل الفطري البديهي الذي لا يتعارض أبدا مع نصوص الوحي، وابتعد هؤلاء عن تعليل الأحكام الشرعية وإظهار الحكمة فيها، معارضة للفرقة الأولى التي تدخل التعليل في كل شيء
هذا في القديم وفي العصر الحديث وقع ما يشبه ذلك أو أشد منه، فإن بعض المسلمين أصيبوا حساسية من كل شيء فيه استعمال للنظر أو العقل، أو قياس الغائب على الشاهد، فلا يرغبون في تحليل أو تعليل، وكل ذلك ردة فعل على الاتجاه الذي يسمونه بـ ( العقلانية ) وهكذا فإننا نجد الواحد من هؤلاء يمكن أن يصدق أحداثا وأخبارا لا تقبلها بدائة العقول أو المنطق العلمي، لأنه لا يحب أن يقع في دائرة ( التفكير ) وحتى لا يتهم بأنه قريب من ( العقلانيين ) وهذا داء خفي، فهذا الصنف من الناس وإن كان يحارب التقليد إلا أنه وقع في تقليد أشد مما وقع فيه الآخرون . يقول ابن تيمية: " قال طائفة من العلماء: الالتفات في الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل
رابعا: ما ابتلي به المسلمون في العصور المتأخرة من طرق التعليم التي تركز على السرد والحفظ والتلقين، وتتجنب الحوار والمناقشة والاستنباط والتعليل، فنتج عن ذلك نمو ذاكرة الحفظ، وضعف التفكير العميق، وأصبح من السهل على المسلم أن يخطب، ولكن من الصعوبة عليه أن يناقش ويتعمق في المسائل، وقد كانت طرق التعليم في العصور الأولى تتبع طريقة الحفظ والفهم، كما قال الإمام عبد الله بن المبارك: " أول العلم النية ثم الاستماع ثم الفهم ثم الحفظ ثم العدل ثم النشر " وعلى هذه الطريقة تخرج أمثال أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني في حلقة أبي حنيفة، ولا يعني هذا التقليل من ملكة الحفظ، ولكننا نتحدث عن التوازن، فالخطاب الإسلامي ما يزال في عمومه خطابا عاطفيا، استطاع أن يجمع الناس على القول بالمشروع الإسلامي، ولكنه لم يستطع إنشاء مؤسسات علمية، وصياغة مشروع علمي عملي، والفرد الذي لم تنضج قدراته العقلية يصاب بالحيرة حينما تواجهه مشكلة ما، فإما أن يستسلم للحل السهل أو ينفعل ويركب رأسه، ولا يتخذ الخطوات المناسبة، ويقفز إلى العمل النهائي مباشرة. [تأملات في الفكر والدعوة، محمد العبدة، دار الجوهري للنشر والتوزيع عمان – الأردن، ص 71 – 75 بتصرف يسير]
(عمارة بن حمزة)
دخل عمارة بن حمزة على أمير المؤمنين المنصور وقعد في مجلسه -وكان ذا عزَّةٍ وثروة ونفس أبيَّة- فقام رجل، وقال: مظلوم يا أمير المؤمنين، فقال: من ظلمك؟ قال: عمارة بن حمزة غصبني ضيعتي، فقال المنصور: يا عمارة قم فاقعد مع خصمك، فقال: يا أمير المؤمنين ما هو لي بخصم، إن كانت الضيعة له فلست أنازعه فيها، وإن كانت لي فقد وهبتها له، ولا أنزل عن مقام شرَّفني به أمير المؤمنين لأجل ضيعة.[كتاب (الحديقة)، تأليف العلامة محب الدين الخطيب 12/19]
(الأمن الداخلي)
إن من أصعب الأمور على الإنسان أن يعيش خائفا يترقب، فكيف إذا امتد هذا الخوف سنين وسنين، وإذا كان هذا الخوف من عدو معروف بعداوته فالخطب يسير، فالمسلم يصبر وينتظر الأجر، إما إذا كان من داخل المجتمع المسلم، فهذه هي الحالقة التي تحلق الدين، وهذا الذي يمزق العلاقات الاجتماعية ويشيع القلق وعدم الطمأنينة، ولذلك حارب الإسلام وشنع على الناس عادات الغيبة والنميمة، وطلب منهم الابتعاد عن خصال الأراذل مثل الهمز واللمز، ولم يبح هجر المسلم لأخيه إلا لأسباب معينة، وحرم التجسس وتتبع العورات، وإشاعة الفاحشة وقالة السوء، كل هذا حتى يعيش المسلم في أمن نفسي، وحتى يتفرغ لأمور كبيرة وبهمة عالية، والحقيقة التي يجب أن نعترف بها أن هذه الأمراض الفتاكة موجودة داخل الصف الإسلامي باسم " مصلحة الدعوة "و " مصلحة التنظيم " وما هي بمصلحة ولكنها الأهواء التي أفسدت الصف الإسلامي وجعلت الفرقة تنشب فيه ولا تتركه، إنك تجد المسلم الذي يصلي ويصوم وتبدو عليه ملامح الخير ولكنه بسيط ساذج يسخر التجسس على إخوانه باسم المصلحة، ولا تسأل بعد ذلك ما يجره من تمزق في العلاقات الأخوية، وما يتبع من أمراض اجتماعية [تأملات في الفكر والدعوة، محمد العبدة، دار الجوهري للنشر والتوزيع عمان – الأردن]


جمع وترتيب
د/ خالد سعد النجار
alnaggar66@hotmail.com