معالم التفسير القرآني الحديث في الاستشراق الإيطالي المعاصر... حوار ماسيمو كامبانيني.
ماسيمو كامبانيني حول التفسيرات القرآنية الحديثة.
استشرافًا لحالة الدراسات القرآنية الإيطالية تحديدًا، ومعرفة مدى مقاربتها أو مفارقتها للاستشراق الغربي عمومًا طبقًا للخصوصية الإيطالية، جذب انتباهنا كم المنجز الذي قدمه ماسيمو كامبانيني، كم يشجع على الحوار معه، وعلى الرغم من اعترافه بأن القرآن الكريم أجابه عن المشاكل اللاهوتية، والتي لم يكن راضيًا عنها في ظل المذاهب المسيحية بشأن التثليث والتجسد، بل وكشف القرآن الكريم له المعنى الحقيقي للتوحيد، وتوقف كثيرًا وطويلًا عند آيات بعينها وعلى الرغم من أنه اعترف بأن العقل والوحي لا يمكن أن يكونا في تناقض إطلاقًا، إلا أنه يجادل بإلحاح إلى ضرورة وجود تفسير حديث للقرآن وحدده بالتأويل الفلسفي دون التخلي عن الطابع "الإلهي" للكتاب في ظل تزايد الكراهية الغربية التي تواجه القرآن والمسلمين، تجملت بالصبر الجميل لأعرف غاية تصوره للتأويل الفلسفي في هذا الحوار.الصور المرفقة أغلفة لبعض كتبه.
ماسيمو كامبانيني
هو أستاذ مشارك في تاريخ الدول الإسلامية في جامعة ترينتو بإيطاليا، وحاصل على الدكتوراه في الفلسفة عام 1977 والعربية 1984، وبقوم بالتدريس في جامعتي أوربينو وميلانو في نابولي، تركز أبحاثه العلمية الآن على الدراسات القرآنية، والفكر السياسي الإسلامي والاتجاهات الإسلامية المعاصرة، ومن بين مؤلفاته كتاب الإسلام وما وراء السياسة 2015، طبعة ثالثة؛ ومدخل إلى الفلسفة الإسلامية 2008؛ والفكر المعاصر 2009؛ القرآن: التفسيرات الإسلامية الحديثة 2016؛ إسلاميكا 2012؛ تاريخ الشرق الأوسط المعاصر 2014 طبعة رابعة.
س: أولا وقبل كل شيء أتساءل ما الذي جعلك تركز على القرآن؟
كامبانيني: لقد بدأت قراءة (من الواضح من خلال الترجمة) القرآن الكريم في عام 1980، بمعنى من المعاني، توجهي للقرآن حدث عن طريق الصدفة، اهتمامي بالإسلام نشأ بعد رحلة إلى مصر عندما زرت ولأول مرة مساجد رائعة مثل الجامع الأزهر ومسجد ابن طولون في القاهرة، بعد العودة إلى إيطاليا، ذهبت مباشرة إلى مكتبة لشراء شيء ما ساعدني على فهم الإسلام واشتريت نسخة من ترجمة معاني القرآن الكريم، ثم ذهبتُ لمدرسة اللغة العربية في عام 1984م، وتمكنت في اللغة العربية لدرجة يمكنني قراءة القرآن مباشرة باللغة العربية، من حسن الحظ، أجاب القرآن أساسًا عن المشاكل اللاهوتية التي كانت تضايقني، لقد كنت غير راض وأرفض بشدة المذاهب المسيحية بشأن الثالوث والتجسد، وكشف القرآن الكريم لي المعنى الحقيقي للتوحيد، وتوقفت كثيرًا وطويلًا عند آيات بعينها خاصة سورة الإخلاص السورة رقم 112، وآية سورة النور قال تعالى:( اللَّـهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّـهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّـهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّـهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) 24:35 سورة النور، 2: 255 وآية الكرسي، وأول سورة الحديد، الآيات Q. 57: 1-6 وقوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّـهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّـهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّـهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّـهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّـهِ وَكِيلًا ﴿١٧١﴾) سورة النساء4: 171 ) فضلًا عن ذلك، كان سعيي الشخصي في القرآن وبإلحاح للحصول على رسالة تغيث ولقد وجدت هذه الآيات: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴿٢٧﴾ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ﴿٢٨﴾ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ﴿٢٩﴾ وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴿٣٠﴾) سورة الفجر Q. 89: 27-30: الخ ...
س: لقد كنت غير راض تمامًا عن المذاهب المسيحية في التثليث والتجسد وكشف لك القرآن الكريم المعنى الحقيقي للتوحيد، هل يمكنك توضيح ذلك، من فضلك؟
كامبانيني: على الرغم من أن المذاهب النصرانية في التثليث والتجسد وضعت وحدانية الله في خطر وتكاثر وهو واحد فضلًا عن السقوط في أقانيم وتخفيض الله في العالم المخلوق، ويعلمنا القرآن أن الله هو حقًا فريد من نوعه حتى في العدد هو الواحد الأحد (إنه ليس "اثنين" أو "ثلاثة"، وغيرها) ومن حيث التميز (فهو يختلف تمامًا عن جميع الأشياء المخلوقة الأخرى) مما يؤكد رفعة الله وتنزهه، فضلًا عن ذلك، فإن أحد الركائز الأساسية للتوحيد الإسلامي هي فكرة الوحدانية الإلهية الله هو متطابق مع ذاته، وهذا لا يعني فقط أنه المتعال، ولا يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أشخاص، ولكن أيضًا أن وجوده بالذات، لا يمكن إلا أن يليق بوجوده.
س: لا شك أنك قد حققت أفكارك من القرآن، وأتساءل ما الذي جعلك تركز على التعليق العلمي في التفسيرات القرآنية الحديثة؟
كامبانيني: التعليق العلمي هو السؤال المربك المحير، هناك مشكلة واسعة في العلاقة بين العقل والوحي، وبين العلوم الطبيعية والآيات القرآنية ( القرآن وهو الكتاب المقدس) ويذكر في القول المأثور أن العقل والوحي لا يمكن أن يكونا في تناقض إطلاقًا، ولكن هنا "تجليلًا"، إذا جاز التعبير: فإن القرآن ليس نصوصًا علمية ومن الخطأ أن نسعى في القرآن الكريم لاستكشاف الاكتشافات العلمية كما في الفيزياء أو الطب، القرآن هو كتاب إلهي وتوجيهي، وهكذا، شعرت بضرورة لإثبات أن القرآن هو كتاب "عقلاني" يخاطب العقل وهناك حاجة إلى التأويل الفلسفي وفقًا لذلك وكما بدا لي، يمكننا تحليل وتفسير القرآن فلسفيًا دون التخلي عن الطابع "الإلهي" للكتاب.
س: ويحك، أريد أن أعرف كيف يمكن تحليل وتفسير القرآن فلسفيًا دون التخلي عن الطابع "الإلهي" من الكتاب آمل أن تعطينا بعض الأمثلة لإثبات ذلك؟
كامبانيني: الحرف الإلهي للكتاب متأصل في حد ذاته، لذلك عندما نتقدم حسب الفهم الهرمنيوطيقي التأويلي وانطباعات المفسرين الفوريين، فإن ظاهر نص الكتاب يجب أن يخضع لتدقيق فلسفي حكيم نحن لا نعمل أية "إساءة" تمس قداسة القرآن باعتباره الوحي أو أن مؤلفه (الله)، ولكن على العكس من ذلك فإننا نؤكد على قدراته (وطاقاته الهائلة التي تدلل على عظمة مؤلفه ) وللرد على جميع تحديات الشك العقلاني المعاصر والتي تشكك بصورة نسبية في الوقت الحالي في التقاليد الدينية.
س: هل يمكنك التوسع حول دراستك تاريخية القرآن والتأويل؟
كامبانيني: كما قلت للتو، التأويل (الفلسفي) هو مفتاح التفسير والذي لا مفر منه، القرآن كلام الله، نعم كذلك بكل تأكيد، ولكن نزل القرآن الكريم في وقت معين (القرن السابع الميلادي)، لشعب معين (العرب)، في لغة معينة (اللغة العربية)، لذلك يجب تفهم سياقه التاريخي ومن الخطأ والخطر أن نعتقد أن القرآنية قانونية أو جزائية أو معايير مجهزة للعرب في القرن السابع وبالذات فيما يتعلق بالنساء ذات في هذا الشأن، بحيث يتم تفعيل قانونية القرآن وبما يتناسب مع البشر في القرن الحادي والعشرين، ويظل اللاهوت القرآني بقداسته، وتستمر الأخلاق القرآنية أبدية وعالمية؛ ولكن قانون العقوبات القرآني أو قوانين الأسرة لا نقول قد وافته المنية، فلقد أظهر العديد من المفكرين البارزين أن الرسالة القرآنية اللاهوتية عالمية خالدة وأن الأخلاق القرآنية يجب إعادة تفسيرها بما فيه كفاية للقواعد القانونية وقوانين الأسرة في العالم الحديث، يمكننا أن نفعل ذلك من خلال نهج تاريخي ومن خلال التأويل الفلسفي، ومن الواضح أن علينا أن نقول إن هناك معنى حرفي للنص، ولكن أن هناك معنى استعاري للنص أيضًا، ومن خلال تحليل شامل للغة القرآنية، وهناك حاجة لتصور شامل لمعاني واضحة لعلم التأويل الذي سوف ينقل الرسالة اللاهوتية والأخلاقية الأبدية من الله إلى الإنسانية وبالمزيد من الفهم ولبسط المزيد للمخدوعين والملحدين.
س: آمل ألا تقترح أن قوانين العقوبات في القرآن أو قوانين الأسرة قد وافتها المنية، وأنت تعرف أن العقوبات القرآنية ما زالت تستخدم في الشريعة الإسلامية في المملكة العربية السعودية حتى اليوم.
كامبانيني: الشريعة هي الأولى من كل وسيلة وطريق إلى الجهد والتغيير، والدعوة الأخلاقية لتحقيق المساواة والعدالة (والمقاصد)، وليست فقط على المستوى الثاني مجموعة من القواعد، نعم صحيح أن العقوبات وقوانين الأسرة المستمدة من الآيات القرآنية والشريعة لا تزال تستخدم على سبيل المثال في المملكة العربية السعودية، ولكن أعتقد أن تطبيق الشريعة ينبغي أن ينظر من خلال روحها من حيث المساواة والعدالة والحرية، الشريعة هي الحرية لا للقمع من قبل الشرطة الدينية في الدول الإسلامية أيضًا.
س: بكل تأكيد، هل يمكنك أن تعطينا بعض الأمثلة على النتائج الخاصة بك في القرآن والنظم؟
كامبانيني: من أجل أن نقدر نظم القرآن لدينا:
أ) دراسة لقواعد ومعايير الخطاب السامي- العربي.
ب) السعي للحصول على أمر من داخل سورة واحدة، خطاب السامية (العربية) خطاب يختلف كثيرًا عن الخطاب الغربي والشعرية الغربية، ينبغي علينا ليس فقط التسلح بالمعرفة العميقة في اللغة العربية الفصحى والنحو، ولكن أيضًا علينا بالتزود بأدوات النقد الأدبي واللغوي الغربي الحديثة، بما يتعين علينا أن نحاول اكتشاف هيكل الحجج في السورة الواحدة، والتحدي الحقيقي هو قراءة السورة رقم 2 (سورة البقرة)، على ما يبدو عشوائية جدًا في تنظيمها، وعلى الرغم من إنني لست قادرًا على إثبات وجهة نظري هنا، ولكن أعتقد أنه من الممكن أن تقسم سورة البقرة في عدد من الأجزاء المحبوكة جيدًا جنبًا إلى جنب مع البنية الخطابية السامية في الأساليب العربية.
س: يستحق عملك أن يقرأ على نطاق واسع ورحب جدًا، ماذا عن الإضافات الخاصة بك والتي تأمل في أن تضاف إلى فهمنا للقرآن الكريم في العصر الحديث؟
كامبانيني: أكتب كتابًا عن "وجهات نظر فلسفية في التفسير القرآني الحديث" والذي سيتم نشره (في سلسلة وخضع لمراجعة أخيرة قام بها مصطفي شاه المحاضر الكبير بسواس وعبد الحكيم المتارودي الأستاذ الزائر بسواس) هذا العام إن شاء "الله، في هذا الكتاب، وأقوم بتطوير بعض الأفكار في التأويل لافتًا إلى:
أ) ضرورة التغلب على الحرفية من خلال الفلسفة والنقد الأدبي والتأطير التاريخي وغيرها.
ب) ضرورة إعادة النظر الجديدة في الأهداف التاريخية لرسالة الوحي.
ج) ضرورة وجود علاقة أكثر دقة بين البشر والاحتياجات الاجتماعية والسياسية باعتبارها أوروبية، وغربية، وأنا أعلم كم هذا صعب في الوقت الحاضر بشأن الحديث عن الإسلام الذي تتخلله (في كثير من الأحيان كراهية الإسلام) من قبل الجمهور الغربي، هذا هو السبب لإيجاد طرق جديدة لنهج الكتاب المقدس كأمر حتمي.
عبد الرحمن: الحق هناك كراهية واضحة وكم هو صعب في الوقت الحاضر الحديث عن الإسلام بقواسم مشتركة (في كثير من الأحيان هناك كراهية) من قبل الجمهور، شكرًا جزيلًا لك، بروفيسور ماسيمو.
ماسيمو كامبانيني: آمل أن تكون هذه المقابلة ما هي إلا بداية للحوار.