بسم الله الرحمن الرحيم


تذخر بطون الكتب بالعديد من الأفكار الذهبية والعبارات المحورية الجديرة برصدها وتدوينها للوقوف على كنوز مفكرينا وكُتابنا العظام، وللانتفاع بالفائدة المرجوة منها، ولذلك حرصت خلال جولتي بين دفوف الكتب أن أرصد هذه الثروات الفكرية والتربوية والتحليلية، وأنقلها بنصها كما وردت فيها أو باختصار طفيف في بعض الأحيان، هذا كي يستفيد منها القاسي والداني، سائلا المولى أن ينفع بها الكبير والصغير، وأن يكتب لكاتبها وجامعها وقارئها الأجر والمثوبة إنه نعم المولى ونعم النصير.

(قوت الأتقياء)
حض أحد جلساء محمد بن حميد الطوسي على قتل من وقع في قبضته من أعدائه، إلا أنه أدخله مجلسه وأطعمه وأكرمه، ولم يعاتبه على جرم ولا جناية، ثم التفت إلى جلسائه، وقال لهم: إن أفضل الأصحاب من حض الصاحب على المكارم، ونهاه عن ارتكاب المآثم، وحسن لصاحبه أن يجازي الإحسان بضعفه، والإساءة بصفحه، إنا إذا جازينا من أساء فأين موقع الشكر على النعمة فيما أتيح من الظفر؟! إنه ينبغي لمن حضر مجالس الملوك أن يمسك إلا عن قول سديد وأمر رشيد، فإن ذلك أدوم للنعمة، وأجمع للألفة. [نهاية الإرب في فنون الأدب للنويري]
(إنسان العقيدة)
إن إنسان العقيدة هو النموذج المؤهل لإنهاء العدوان الواقع على أمة الإسلام، ومن سمات رجل لعقيدة الزهد، وقد كان رسول الله هو القدوة والأسوة ومازال. ينام على الحصيرة حتى تتأثر منها جنبه، يخصف نعله، يرقع ثوبه، ما أكل الخبز المرقق قط، وما شبع بيته من خبز البر ثلاثة أيام متتالية، وما يجد من رديء التمر ما يملأ بطنه، ويمضي الشهر والشهران لا يطبخون … وفي غزوة الأحزاب كان النبي يربط الحجر على بطنه من شدة الجوع، وعلى هذا الطرق سار الصحابة بتربية النفس على الجوع والعطش واحتمال الشدائد لأداء واجب الجهاد في سبيل الله … لقد تعلموا أهمية التقشف والزهد في الحروب وأن الأمة المترفة لا يمكن أن تكون أمة مجاهدة.
بهذا النموذج إنسان العقيدة الذي تربى على مقاومة الترف دانت الدنيا لأمة الإسلام على مدار ثلاثة عشر قرنا من الزمان، ودار الزمان دورته، وفتحت أبواب الدنيا على الأمة، فغرقوا في النعيم والترف وأخلدوا إلى الأرض، وعطلوا فريضة الجهاد، فضربهم الله بالذل وسلط عليهم عدوا لا يرقب فيهم إلا ولا ذمة. [الطريق إلى بيت المقدس، د. جمال عبد الهادي مسعود، دار التوزيع والنشر الإسلامية هامش ص 483]
(التقوى في الفتوى)
والإنسان حينما ينظر في الأحكام الشرعية وفي فتاويه أو في ما يقول يجب أن ينظر أولا كيف يقابل الله بما قال قبل كل شيء لأنه مسئول
فالمفتي والقاضي مبلغ لرسالة الله لقول الرسول صلى الله عليه وسلك «بلغوا عني» فيجب أن تعتبر نفسك مسئولا أمام الله ، فكل شيء تحكم به لابد أن تلاحظ سؤال الله قبل كل أحد. [ابن عثيمين في الشرح الممتع، ج6 ص 207]
(دعك من الناس)
قال الغزالي في الإحياء: الذي شغل نفسه بطلب رضا الناس عنه وتحسين اعتقادهم فيه مغرور، لأنه لو عرف الله حق المعرفة علم أن الخلق لا يغنون عنه من الله شيئا، وأن ضرره ونفعه بيد الله، ولا نافع ولا ضار سواه، وأن من طلب رضا الناس ومحبتهم بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس، بل رضا الناس غاية لا تنال، فرضا الله أولى بالطلب.
ولذلك قال الشافعي ليونس بن عبد الأعلى: والله ما أقول لك إلا نصحا: إنه ليس إلى السلامة من الناس من سبيل، فانظر ماذا يصلحك فافعله.
ولذلك قيل:
من راقب الناس مات غما ... وفاز باللذة الجسور
ونظر سهل إلى رجل من أصحابه، فقال له: اعمل كذا وكذا. لشيء أمره به. فقال: يا أستاذ لا أقدر عليه لأجل الناس، فالتفت إلى أصحابه، وقال: لا ينال عبد حقيقة من هذا الأمر حتى يكون بأحد وصفين: عبد تسقط الناس، من عينه فلا يرى في الدنيا إلا خالقه، وأن أحدا لا يقدر على أن يضره ولا ينفعه، وعبد سقطت نفسه عن قلبه فلا يبالي بأي حال يرونه.
وقال الشافعي --: ليس من أحد إلا وله محب ومبغض، فإذا كان هكذا فكن مع أهل طاعة الله.
وقيل للحسن: يا أبا سعيد، إن قوما يحضرون مجلسك ليس بغيتهم إلا تتبع سقطات كلامك وتعنيتك بالسؤال، فتبسم وقال للقائل: هون على نفسك فإني حدثت نفسي بسكنى الجنان ومجاورة الرحمن فطمعت، وما حدثت نفسي بالسلامة من الناس، لأني قد علمت أن خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم لم يسلم منهم.
وقال موسى : يا رب احبس عني ألسنة الناس. فقال: يا موسى هذا شيء لم أصطفه نفسي فكيف أفعله بك.
وأوحى الله إلى عزير: إن لم تطب نفسا بأني أجعلك علكا في أفواه الماضغين لم أكتبك عندي من المتواضعين.
فإذن من حبس نفسه في البيت ليحسن اعتقادات الناس وأقوالهم فيه فهو في عناء حاضر في الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون، فإذن لا تستحب العزلة إلا لمستغرق الأوقات بربه ذكرا وفكرا وعبادة وعلما، بحيث لو خالطه الناس لضاعت أوقاته وكثرت آفاته ولتشوشت عليه عباداته.


جمع وترتيب
د/ خالد سعد النجار
alnaggar66@hotmail.com