بسم الله الرحمن الرحيم


تذخر بطون الكتب بالعديد من الأفكار الذهبية والعبارات المحورية الجديرة برصدها وتدوينها للوقوف على كنوز مفكرينا وكُتابنا العظام، وللانتفاع بالفائدة المرجوة منها، ولذلك حرصت خلال جولتي بين دفوف الكتب أن أرصد هذه الثروات الفكرية والتربوية والتحليلية، وأنقلها بنصها كما وردت فيها أو باختصار طفيف في بعض الأحيان، هذا كي يستفيد منها القاسي والداني، سائلا المولى أن ينفع بها الكبير والصغير، وأن يكتب لكاتبها وجامعها وقارئها الأجر والمثوبة إنه نعم المولى ونعم النصير.

(رحمة مهداة)
قال : «أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة»
اجتمع لرسول الله ما لم يجتمع لإنسان قط، فكل ما تفرق في البشر من الصفات العالية، والأخلاق السامية، متضمن في أخلاقه وصفاته، بل اجتمع ما يصعب أن يجتمع في شخص واحد، كالتواضع مع المهابة، والحياء مع الشجاعة، والكرم العظيم مع البعد عن الفخر، وقد وُصف في الكتب السابقة بأنه (الضحوك القتال) وقد قال عن نفسه: «أنا نبي الملحمة، أنا نبي المرحمة» فكان يقود المعارك ويجيش الجيوش مع رحمة وشفقة بالغتين، تقول عائشة : ما ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا ضرب خادما ولا امرأة. ويقول ابن مسعود: كنا مع النبي فمررنا بقرية نمل قد احترقت، فغضب النبي وقال: «لا ينبغي لبشر أن يعذب بعذاب الله » ومر ابن عمر بنفر قد نصبوا دجاجة يترامونها فقال: من فعل هذا؟ إن رسول الله لعن من فعل هذا.
وقد كان بعيدا عن التنعم في الدنيا، وما أكل على خوان ولا خُبر له مرقق، ولكن كان يستعذب له الماء من بئر السقيا كما تقول عائشة ، وروى مسلم أن رجلا من الأنصار كان يبرد الماء لرسول الله في أشجاب له، وكان يمزح ولا يقول إلا حقا، يجالس أصحابه وهم يتناشدون الشعر، ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت، وربما تبسم معهم، مشغول الفكرة بهموم المسلمين، ولا يفوته أمر من أمور بيته وأزواجه وأولاده، قال عبد الله بن عمرو بن العاص : قرأت في التوراة صفة النبي : محمد رسول الله عبدي ورسولي، سميته المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، بل يعفو ويصفح، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله.
أليس هذا من دلائل نبوته ودلائل اختياره واجتنابه؟ بلى، والله، فإنه لم يسمع ولم ير قط كصبره، ولا كحلمه، ولا كوفائه، ولا كجوده، ولا كنجدته، ولا كتواضعه، ولا كعلمه، ولا كعفوه، ولم نجد شجاعا إلا وقد جال جولة، وفر فرة، وانحاز مرة من معدودي شجعان الإسلام، ومشهوري فرسان الجاهلية، ولا يستطيع منافق أو زنديق أن يحدث أن محمدا جال جولة قط، أو فر فرة قط، ولا هاب من كاثرة.
وقد عرفت قريش أخلاقه كل المعرفة، وجربوا عاداته وأعماله، ولم يكن غريبا عليهم، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [يونس:16] واستدل (هرقل) ملك الروم على نبوته بالسؤال عن أخلاقه وسيرته، كما جاء في الحوار المشهور بينه وبين أبي سفيان بن حرب، ثم إن هذه الآيات ليست في أخلاقه فقط بل في خَلقه أيضا، فقد وصف بأنه ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم، ولا بالجعد القطِط ولا بالسَّبِط، إذا مشى تكفأ، وإذا أشار أشار بيده (لحيويته الكاملة).
ومن آيات نبوته وعظمته أنه: نهض وحيدا فريدا يدعو الناس كافة إلى التوحيد، قام بهذه الدعوة العظمى وحده ولا حول له ولا قوة، كل هذا كان فيه والناس أحباء ما ألفوا، وأعداء ما جهلوا، كل هذا والقوم حواليه أعداء أنفسهم، وعبيد شهواتهم، ولكنه في فقره وضعفه يقارعهم الحجة، ويناضلهم بالدليل، ويأخذهم بالنصيحة، ويزعجهم بالزجر، ما هذه القوة في ذلك الضعف؟ ما هذا السلطان في مظنة العجز؟ ما هذا العلم في تلك الأمية؟ ما هذا الرشاد في غمرات الجاهلية؟ إن هو إلا نداء العناية العليا، ذلك نداء أمر الله الصادع يقرع الآذان، ويشق الحجب، ويمزق الغلف، أي برهان على النبوة أعظم من هذا.
أليس من آيات نبوته أنه لم يجتمع حول نبي من الأنبياء كما اجتمع حول رسول الله من أمثال الصديق والفاروق وبقية العشرة المبشرين بالجنة، ومن أمثال القادة العظام كسعد وخالد وأبي عبيدة وعمرو بن العاص، ومن أمثال العلماء والحكماء الربانيين كعمر وعلى وابن مسعود وابن عمر ومعاذ وزيد وابن عباس..
ولقد كان أمراؤه من أبناء الملوك مثل باذان بن ساسان من ولد بهرام جور، أمره رسول الله علي أهل اليمن كلها بعد موت كسرى، وهو أول من أسلم من ملوك العجم، وإن ملوك الأطراف قد أسلموا ودانوا له فقد أسلم النجاشي ملك الحبشة، وبعث رسول الله العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي العبدي ملك البحرين فأسلم وصدق، وبعث جرير بن عبد الله البجلي إلى ذي الكلاع الحميري، وذي عمرو يدعوهما إلى الإسلام فأسلما، وتوفى رسول الله وجرير عندهم، وبعث عمرو بن العاص إلى جَيفر وعبد ابني الجُلندي ملون عمان فأسلما، وبعث فروة بن عمرو الجذامي يدعوه إلى الإسلام، وكان فروة عاملا لقيصر على (معان) فأسلم، وكتب إلى النبي بإسلامه، فكيف يجتمع مثل هذا العدد لولا أن تكون النبوة؟ وفيهم العدد الذي صلح لإقامة دولة وسياسة أمة وقيادة جيوش ورياضة أقوياء وضعفاء.
ألم يؤلف في سيرته الألوف من الكتب، من عصر الريالة وحتى يومنا هذا، وبجميع اللغات، وفي جميع الأقطار، ويكتب عن سيرته الذين يؤمنون به ويحبونه ويعظمونه، والذين لا يؤمنون به ولا برسالته، وإن ما صنف بالأوردية وحدها في السيرة يبلغ ألفا إن لم يزد، والذي صنفه الأوربيون بالمئات، وما تزال المطابع تدفع بالعشرات كل سنة.
أليس ذكره خمس مرات في الآذان، ينادى باسمه الشريف ملء الجو، وذكره في كل صلاة من الفريضة والسنة والنافلة، يهمس باسمه الكريم ملء النفس! وهل الحكمة من ذلك إلا الفرض على المسلمين أن لا ينقطعوا من نبيهم ولا يوما واحدا من التاريخ، ولا جزءا واحدا من اليوم.
هذا هو المثل الأعلى للبشرية، به ختمت النبوة، وهو الماحي الذي يمحو الله به الكفر، أثنى الله عليه ليكون قدوة للعالمين لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [التوبة:128]
فهل تستطيع وريقات أن تحيط بكل هذه الحياة المليئة، وكل هذا الهدي، وكل هذه الدروس والتربية والتخطيط، وكل هذه الفضيلة التي تمثلت بشرا قد يكتب عن شخصيته أو عبقريته، ويكون فيها نقائص كثيرة، وقد لا توفي حقها، فكيف نوفي صاحب الرسالة حقه؟
وهو خير البشر على الإطلاق، وإن خصلة لتدل وحدها على أنه نبي مرسل، فما كتب ويكتب إن هو إلا أقل الواجب على المسلمين تجاه نبيهم، وإن هي إلا محبة لصاحب هذه الرسالة ندخرها ليوم الحساب، والحمد لله الذي حفظ كتابه، ووفق الأمة لحفظ سيرة وسنة نبينا .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. [وقفات تربوية في فقه السيرة، محمد العبدة، دار الصفوة، ص 233-238]

جمع وترتيب
د/ خالد سعد النجار
alnaggar66@hotmail.com