ضبط الحركات الأصلية والفرعية والتنوين (2)
الأستاذ فتحي بودفلة
جامعة الجزائر (1)
f.boudefla@univ-alger.dz
فهرس مسائل المحاضرة ومباحثها
ثانيا: علامة التنوين
تعريفه:
الدلالة اللغوية:
المفهوم المصطلحي:
علامته:
في نقط أبي الأسود الدؤلي:
في شكل الخليل بن أحمد:
توجيهات متعلقة بضبط التنوين:
لماذا جعلوا علامة التنوين الساكن حركةً ؟
لماذا لم يجعلوا علامة التنوين سكونا أو نونا:
موضعه:
التنوين المفتوح
وضع علامة التنوين فوق الألف، وتعرية الحرف من حركته:
وضع علامة التنوين فوق الحرف المحرك، وتعرية الألف، أو الياء من أيّ علامة:
وضع علامة الحركة فوق الحرف المتحرك، والعلامة الثانية فوق الألف:
وضع علامة الحركة فوق الحرف المتحرك، وعلامة التنوين فوق الألف:
ألف العوض المرسومة ياء:
اختلافهم في قوله تعالى: وما ءاتيتم من رباً [الروم 38]
التفريق بين المنون بالفتح إذا جاءت بعده حروف الحلق، أو لا..
ضبط التنوين المفتوح في الهمز المحذوف الصورة...
ضبط هاء التأنيث المنونة بالفتح...
حكم نون التوكيد الخفيفة المرسومة ألفا، وكذا تنوين إذا...
تتابع وتركيب التنوين وحال الحرف الذي يليه:
تركيب التنوين:
تتابع التنوين
الإدغام الكامل
الإدغام الناقص
الإخفاء
القلب
صفة حركتي التنوين إذا وليهما ساكن
مذهب النحاة في ضبط التنوين وما يليه
نصّ المحاضرة:
ثانيا: علامة التنوين
جرت عادة نقاط المصاحف وعلماء الضبط اتباع أحكام الحركات الأصلية بأحكام ضبط التنوين، اقتداء بأبي الأسود الدؤلي في قصته المشهورة.[1]

  1. تعريفه:


  • الدلالة اللغوية:

التّنوين بصيغة (التَّفعيل) مصدر الفعل نوَن بصيغة (فَعَّلَ) ، معناه وَضَعَ أو زاد نونا، كتابة أو لفظا، وصيغة (فّعَّلَ) لها دلالات عدّة، لعلّ من أهمّها وأوضحها في الفعل (نَوَّن) ما يلي:
نسبة الشيء إلى أصل الفعل، والتعدية، والتكثير، والصيرورة... وكلّ ذلك موجود في التنوين، من حيث نسبته إلى أصله وهو النون،[2] ومن حيث تعدية الفعل إلى مفعولٍ هو وضع النون في آخر الأسماء، ومن حيث تكثير بنية الكلمة بإضافة النون الساكنة...إلخ ثمّ صار هذا الفعل وهذا المصدر علما على الظاهرة الصوتية، التي تعطي للكلام تنغيما خاصا وجرسا صوتيا لطيفا، كما تعطي للكلام قيّم دلالية كثيرة كالتنكير والتكثير أو التقليل، والتعظيم أو التحقير ... إلخ

  • المفهوم المصطلحي:

التنوين نون ساكنة، زائدة، تلحق آخر الاسم، لفظا لا خطّاً، ووصلا لا وقفا.[3]
قال الأستاذ إبراهيم المارغني موجّها سبب اختصاص التنوين بهذا الاسم وهذا الرسم والضبط، رغم كونه في اللفظ نونا ساكنة كسائر النونات الساكنة : " ...ولما كانت هذه النون لا تأتي إلا بعد تمام الكلمة، وكان غيرها لا يأتي كذلك بل يأتي في أول الكلمة، أو وسطها أو متمما لها، فرق بينهما في التعبير فقيل لما هو من نفس الكلمة نون على الأصل، وعبر عن هذه بالتنوين تنبيها على ذلك، ولما حصل الفرق بينهما في التعبير جاء الخط تابعا لذلك..."[4]
قال أبو عمرو الداني مبيّنا حقيقة التنوين في الاصطلاح : "... التنوين حرف من الحروف وهو ساكن في الخلقة ومخرجه من الخيشوم ولا يقع أبدا إلاّ في أواخر الأسماء خاصة؛ والدليل على أنه حرف من الحروف لزوم الذي يلحق جميع الحروف السواكن له، من التحريك للساكنين في نحو رحيماً النّبي، ومن إلقاء حركة الهمزة عليه في نحو كفواً أحد، ومن الحذف في نحو عزيرٌ ابن الله و أحدٌ الله على قراءة من قرأ ذلك كذلك، ومن الادغام في نحو غفورٌ رَّحيم و يومئذٍ لَّا تنفع و أليمٌ مَّا يود وشبه ذلك، فلولا أنه كسائر السواكن لم يلحقه ما يلحقهن من التغيير بالوجوه المتقدمة، وإنما لزم الاطراف خاصة، من حيث كان مخصوصا بمتابعة حركة الاعراب التي تلزم ذلك الموضع وتختص به وذلك من حيث كان الاعراب داخلا لإفادة المعاني وكان زائدا على الاسم.[5]"

  1. علامته:


  • في نقط أبي الأسود الدؤلي:

قال أبو الاسود للرجل الذي أمسك عليه المصحف في قصة بداية ضبط القرآن الكريم بعد أن ذكر علامات الحركات الأصلية ورموزها: "فإن اتبعت شيئا من هذه الحركات غنة فانقطه نقطتين" قال الداني معلقا وشارحا: "ويعني بالغنة التنوين لأنّه غنة من الخيشوم "[6]
فعلامة التنوين نقطتين بالأحمر، الأولى للدلالة على الحركة والثانية للدلالة على التنوين.[7]

  • في شكل الخليل بن أحمد:

وكذلك هو في شكل الخليل، إتباع للحركة بمثلها، فالتنوين المفتوح فتحتان، والمضموم ضمتان، والمكسور كسرتان. وقد تقدم بيان طبيعة كلٍّ من الفتحة والضمة والكسرة.
توجيهات متعلقة بضبط التنوين[8]:

  • لماذا جعلوا علامة التنوين الساكن حركةً ؟

ذكر الداني لذلك وجهين: "أحدهما أنه لما كان مخصوصا بمتابعة الحركات دون السواكن جعلوا علامته في النقط علامتهن إشعارا بذلك التخصيص وإعلاما به."
"والثاني أن الحركة لما لزمت أوائل الكلم ولزم التنوين أواخرهن واجتمعا معا في الثبات في الوصل والحذف في الوقف تأكد ما بين الحركة والتنوين بذلك فجعلت علامته علامتها دلالة على ذلك التأكيد وتنبيها على تناسب ما بينهما في أن كل واحد منهما يثبت بثبات الآخر ويسقط بسقوطه."[9]

  • لماذا لم يجعلوا علامة التنوين سكونا أو نونا:

فقال أبو عمرو الداني: "لم يفعلوا ذلك لما عدمت صورته في الخط لزيادته والسكون والحركة لا يجعلان إلا في حرف ثابت الخط قائم الصورة."[10]
ولم يرسموها نونا حتى لا تلتبس بالنون الأصلية، خاصة وأنّ التنوين من مقاصده بيان الأسماء النكرة والمتصرفة وغيرها من المقاصد النحوية والصرفية، قال أبو عمرو الداني : ".... لم يرسم نونا من حيث كان زائدا في الاسم الذي يلحق آخره فرقا بين ما ينصرف وبين ما لا ينصرف من الاسماء لئلا يشتبه الزائد لمعنى الذي يلحقه التغيير في بعض الاحوال بالأصلي اللازم الذي لا يتغير كقوله وأحسن كما أحسن الله إليك و لا تمنن تستكثر و لا تحزن عليهم وشبه ذلك فلو رسم التنوين نونا وهو زائد يتغير في حال الوقف لاشتبه بالنون الاصلية في هذه المواضع التي لا يلحقها تغيير في وصل ولا وقف ففرق بينهما بالحذف والإثبات ليتميزا بذلك ولأجل الفرق بينهما خولف في التسمية بينهما فقيل للأصلي نون وللزائد تنوين لينفصلا بذلك وتعلم المخالفة بينهما به".[11]

  1. موضعه:[12]


  • التنوين المفتوح:

يتميّز التنوين المفتوح[13] عن المضموم والمكسور بكون الصحابة وضعوا له صورة مخصوصة هي الألف؛ وإنّما فعلوا ذلك لتعلق بعض أحكام قراءته بالوقف، والرسم رُوعيَ فيه أحكام الابتداء والوقف، بخلاف الضبط فإنّما روعي فيه أحكام الوصل والدرج. والتنوين المفتوح يبدل في الوقف ألفا؛ فرسم الصحابة تلك الألف حتى يطابق لفظه رسمه، وقد يرسم عوض الألف ياء على وجه الإمالة، أو بيان أصل الياء.
واختلف نقاط المصاحف في موضع التنوين وصفته في المفتوح، سواء كان ذلك بنقط أبي الأسود الدؤلي أو بشكل الخليل بن أحمد إلى خمسة مذاهب هي:

  • وضع علامة التنوين فوق الألف، وتعرية الحرف من حركته: غفوراً، رحيماً، هدىً، قرىً ... نسبه الداني لأبي محمد اليزيدي، ونقاط أهل المصرين البصرة والكوفة، ونقاط أهل المدينة. وهو اختيار الشيخين وعليه جمهور النقاط من المتقدمين والمتأخرين وعليه العمل اليوم في المصاحف.[14]

قال ابن المنادي والعمل في ذلك عند أكثر النقاط نقط الالف المنصوبة بنقطتين إحداهما للنصب والاخرى للتنوين فإذا صاروا الى الوقف صاروا الى الالف [15]
قال الخراز : وإن تقف بألف في النصب هما عليه في أصح الكتب [16]
قال الأستاذ المارغني موجها هذا الوجه: " ...ان الألف الموقوف عليها لما لم توجد في الوصل خيف أن يتوهم زيادتها في الرسم، فوضعت علامة التنوين عليها إشارة إلى أنها مبدلة من التنوين... "[17] ولمـَا كانت الألف عوضا عن التنوين في الوقف؛ جُعِلت علامة التنوين عليه، من باب ملازمة العوض لما عُوِضَ منه. [18] ومن باب اختصاص أواخر الكلم بحركة الإعراب، والتنوين أكثرها للإعراب...
قال الداني معلّلا هذا الوجه:" فأما علة من جعل النقطتين معا على الالف فإنه لما كان التنوين ملازما للحركة متابعا لها غير منفك منها ولا منفصل عنها في حال الوصل ولا منفرد دونها في اللفظ يلزمه ما يلزمها من الثبات في الوصل ويلحقه ما يلحقها من الحذف في الوقف وكان النقط كما قدمناه موضوعا على الوصل دون الوقف بدليل تعريبهم أواخر الكلم وتنوينهم المنون منها وكان ذلك من فعل من ابتدأ بالنقط من السلف الذين مخالفتهم خروج عن الاتباع ودخول في الابتداع وكان الذين عنوا بكتابة المصاحف من الصحابة قد رسموا بعد الحرف المتحرك في جميع ما تقدم ألفا وهي التي تعوض من التنوين في حال الوقف أو ياء تعود الفا فيه ولم يكن بد من إثبات علامته في النقط دلالة على صرف ما ينصرف من الاسماء جعل نقطة على الحرف المعوض منه وهو الالف وعلى الحرف الذي ينقلب الى لفظها وهو الياء وضم اليها النقطة الاخرى التي هي الحركة فحصلتا معا على الالف ففهم بذلك وكيد حالهما وعرف به شدة ارتباطهما وعلم انهما لا يفترقان ولا ينفصلان ولا لفظا ولا نقطا باجتماعهما على حرف واحد وملازمتهما مكانا واحد
وصارت الالف بذلك أولى من الحرف المتحرك من قبل انهما لو جعلتا عليه لبقيت الالف عارية من علامة ما هي عوض منه مع الحاجة الى معرفة ذلك فتصير حينئذ غير دالة على معنى ولا مفيدة شيئا فيبطل ما لأجله رسمت وله اختيرت من بين سائر الحروف وتكون لا معنى لها في رسم ولا لفظ إلا الزيادة لا غير دون إيثار فائدة ولا دلالة على معنى يحتاج ويضطر اليه فلما كانت الالف بخلاف ذلك وكان رسمها إنما هو للدلالة على الوقف والاعلام بأنها مبدلة فيه من التنوين وجب ان تجعل النقطة التي هي علامته عليها ضرورة إذ هي هو وإذا وجب ذلك لم يكن بد من ضم النقطة الثانية إليها فتحصلان معا على الالف إذ لا تفترقان ولا تنفصلان كما بيناه"[19]

  • وضع علامة التنوين فوق الحرف المحرك، وتعرية الألف، أو الياء من أيّ علامة: غفورًا، رحيمًا، هدًى، قرًى...وهو مذهب الخليل وأصحابه. وهو مذهب المشارقة [20]، وقد كان هذا المذهب سائدا عند المغاربة في بداية اعتمادهم شكل الخليل، في زمن الخراز فقد قال في نظمه: وقيل في الحرف الذي من قبل...........حسبما اليوم عليه الشكل.[21] وإلى اشتهار هذا الوجه عند المغاربة المتأخرين عندما اعتمدوا ضبط الخليل، قال الرجراجي معلقا على الوجه الأوّل وجه وضع علامات التنوين على الألف: "وهذا بالنسبة إلى المتقدمين، وأما بالنسبة إلى المتأخرين، فإنّ الوجه الفاشي عندهم هو جعل العلامتين على الحرف الذي من قبل."[22] قال الداني موجّها هذا النقط: "وأما علة من جعل النقطتين معا الحركة والتنوين على الحرف المتحرك فإنه لما كانت إحداهما هي الحركة جعلها على الحرف المتحرك دلالة على تحريكه بها ثم ضم إليها الثانية التي هي التنوين لامتناعهما من الانفصال والافتراق."[23] روى الداني بسنده إلى الخليل قوله في ضبط عليمًا حكيمًا بنقطتين فوق الميم طولا واحدة فوق الاخرى قال ولا أنقط على الألف لأن التنوين يقع على الميم نفسها... قال اليزيدي متعقبا هذه الرواية: "ولكنني أنقط على الألف لأني إذا وقفت قلت عليماً فصار ألفا على الكتاب. [يقصد على الرسم] قال ولو كان على ما قال الخليل لكان ينبغي إذا وقف أن يقول عليم يعني بغير ألف."[24]

وقد اقتصر الخراز في نظمه على هذين المذهبين، ولم يشر للمذاهب الأخرى في ضبط التنوين والتي سيأتي ذكرها تباعا، وذلك لضعفها عنده كما صرّح الأستاذ المارغني.[25]

  • وضع علامة الحركة فوق الحرف المتحرك، والعلامة الثانية فوق الألف: غفورَاَ، رحيمَاَ، هدَىَ، قرَىَ... قال الداني موجها هذا النقط: "وأما علة من جعل إحدى النقطتين على الحرف المتحرك والثانية على الالف فإنه لما كانت إحداهما هي الحركة جعلها على الحرف المحرك بها ولما كانت الثانية هي التنوين جعلها على الحرف المبدل منه وهو الالف تأدية لهذا المعنى وإعلاما به."[26]
  • وضع علامة الحركة فوق الحرف المتحرك، وعلامة التنوين فوق الألف: غفورَاً، رحيمَاً، هدَىً، قرَىً ... قال الداني عن المذهبين الأخيرين: "وذهب إلى هذين الوجهين قوم من متأخري النقاط ولا إمام لهم فيما علمناه."[27] قال الداني موجّها هذا النقط: "وأما علة من جعل ثلاث نقط على الحرف المتحرك ونقطتين على الالف فإنه لما كانت إحدى النقطتين حركة الحرف المتحرك جعلها عليه كما تجعل سائر الحركات على الحروف المتحركة بهن ثم أعادها مع التنوين لارتباطه بها وملازمته إياها وامتناع كل واحد منهما من الانفصال عن صاحبه أعني التنوين عن الحركة والحركة عن التنوين تأكيدا ودلالة على هذا المعنى فتحقق له بذلك وجهان أحدهما إيفاء المتحرك حقه من حركته والثاني تأدية تأكيد ما بين الحركة والتنوين من المصاحبة والملازمة"[28]

بيّن أبو عمرو الداني فساد المذاهب الثلاثة، من جهة كون تعرية الألف من التنوين تعطيل له، وخروج عن مقصد الصحابة من إثباته، كما أنّ التفريق بين الحركتين مناقض ومخالف لما بين التنوين والحركة من الارتباط والملازمة والاتصال والاشتراك في الاثبات والحذف الذي يقتضي الجمع بينهما، وفي الوجه الثالث اجتمعت على الحرف علامتان علامة فوقه وأخرى فوق الألف، ولا ينبغي للحرف أن نجمع له علامتين من جنس واحد. هذا إضافة إلى كون المذاهب الثلاثة خالف أصحابها منهج السلف .[29]

  • ينبغي أن نشير إلى أنّهم اختلفوا في الألف المنونة بالفتح إذا رسمت في المصاحف ياء، هل هي ألف العوض عن التنوين، أم المنقلبة عن ياء، فذهب المازني إلى كونها ألف العوض؛ وحجته أنّ الرسم يراعى فيه الوقف والألف الموقوف عليها هي ألف العوض لا الألف المنقلبة عن ياء، وذهب الكسائي إلى أنّها المنقلبة عن ياء؛ وحجته عدول الصحابة عن رسمها ألفا إلى رسمها ياء، بينما ذهب سيبويه إلى التفصيل في المسألة فما كان التنوين فيه منصوبا نحو سَمِعْنا فتىً فهي فيه ألف العوض، وما كان التنوين فيه لغير النصب كانت الألف فيه المنقلبة عن ياء وذلك في نحو: ما هذا إلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً، وفي قُرىً مُحَصَّنَةٍ.[30]
  • أورد التنسي في الطراز كلمة لم يوردها غيره وهي وما ءاتيتم من رباً [الروم 38] يجوز في رسمها الوجهان بالألف فقط، وبالواو والألف الزائد بعدها، قال عليه رحمة الله: "ومن أراد كتبه بالواو على الشاذ، فالقياس أن يجري فيه جميع ما في المكتوب بالياء من الأقوال؛ إذ لا فرق بيتهما والله أعلم."[31]
  • فرّق بعضهم بين المنون بالفتح إذا وليه حرف من حروف الحلق فيضبطه نقطتين فوق الألف، وإن وليه غيرها عرّاه من الضبط وترك نقطه. رواه أبو عبد الرحمن بن اليزيدي عن أهل الكوفة وبعض النقاط.[32]، قال أبو حاتم السجستاني: "...وربما تركوا [النقط] في النصب لأن الألف تدل على النصب فخففوا على الإيجاز، إلا أنهم ينونون عند الحروف الستة"[33]. ضعّفّ الداني هذا الوجه، وذكر أنّه مخالف لجمهور النقاط الذين لم يفرقوا بين أنواع التنوين الثلاثة ولا بين ما جاء بعده حرف حلق أو غيره، ثم قال: "وهو المعمول به عند النقاط وكذلك هو في المصاحف العتق وهو أوثق وأحسن ولم نر شيئا من المصاحف يختلف في نقطه عن ذلك وهو الوجه وبه العمل ."[34]
  • ضبط التنوين المفتوح في الهمز المحذوف من الرسم: في نحو: ماء وسماء ، وسبب انفراده بأحكام خاصة ترك الصحابة ، رسم صورته كراهة اجتماع الأمثال.[35] وفي ضبطها ثلاثة أوجه تتفرع إلى إحدى عشر وجها:


  • وضع علامة التنوين على الهمزة سواء رسمت نقطة صفراء أو رأس عين. نحوغثاءً و جفاءً ... وهذا هو مذهب جمهور النقاط وعليه العمل، وإنما قدموا هذا الوجه؛ من جهة كون الضبط مراعىً فيه الوصل.[36]
  • إلحاق ألف حمراء قبل السوداء، وبينهما علامة الهمز، فتصير الألف السوداء بمثابة ألف العوض، ويلحقها حينئذ جميع أوجه ضبطها المتقدمة وهي أربعة، والخامسة إذا فرّقنا بين حروف الحلق وغيرها. وهو وجه مرجوح من جهة كون هذه اللفظة وردت معرفة ونكرة مرفوعة منصوبة ومكسورة... وفي جميع أحوالها رسمت في المصحف بألف واحدة؛ والألف المشتركة بين جميع أحوالها هي ألف المدّ، لا ألف العوض أو صورة الهمز.[37]
  • إلحاق ألف حمراء بعد الألف السوداء، وبينهما علامة الهمزة، فتصير الحمراء صورة ألف العوض، وتلحقها أوجه الضبط السابقة الذكر. ورجحّ الداني هذا الوجه في حالة الإلحاق؛ لأنّ الألف الحمراء ...هي المعوضة من التنوين وهي المحذوفة من الرسم لوقوعها في موضع الحذف والتغيير وهو الطرف فكانت بالحذف اولى من التي هي في وسط الكلمة [38] ولا يخفى على العارف بأصول الضبط ضعف هذا الوجه من جهة اعتماد أصحابه على وجه الوقف.


  • ضبط هاء التأنيث المنونة بالفتح: في نحو: خليفة، ورحمة، وكلمة، وجنة دانية... فإنّها تضبط بوضع علامة التنوين فوق الهاء وجها واحدا؛ وذلك لامتناع الوقف بالعوض فيه، ولمخالفة ذلك لرسم الإمام؛ فلا يوقف عليها إلا بالهاء الساكنة وجها واحدا.[39]
  • يلحق بالتنوين المفتوح، نون التوكيد الخفيفة الساكنة التي رسمت في المصحف ألفا، في ليكوناً، ولنسفعاً، وكذا التنوين الذي يلحق إذاً حرف الجواب والجزاء، في نحو وإذاً لا يلبثون، وإذاً لأذقناك... فرغم كون نونها ليست تنوينا، ولكنّها أخذت حكمه في الرسم والضبط، من حيث شابهته في اللفظ بها وقفا ووصلا...[40]


  1. تتابع وتركيب التنوين وحال الحرف الذي يليه:

اختلاف الضبط في هذا الفرع له مظهران: الأوّل بين تركيب التنوين وتتابعه؛ فتركيب التنوين هو جعل علامتيه إحداهما فوق الأخرى، سواء كانتا نقطتين على مذهب أبي الأسود الدؤلي أو على شكل الخليل بن أحمد الفراهيدي، وتتابعهما هو جعل إحداهما أمام الأخرى، وقد عبّر قديما الخليل عن التركيب بالطول، وعن التتابع بالعرض.[41] ويختلف وضع التنوين بهذين الاعتبارين باختلاف حكمه من حيث الإظهار والإدغام وما يتبعهما...
المظهر الثاني لاختلاف نقاط المصاحف متعلق بتشديد الحرف الذي يلي التنوين وتخفيفه، أمّا حركة هذا الحرف فلا ينبغي تركها في حال من الأحوال.[42]

  • تركيب التنوين:

إذا ولي التنوين حروفُ الحلق الستة، تركب حركتاه، بحيث تجعل إحداهما فوق الأخرى، ترمز السفلى القريبة من الحرف إلى الحركة، والعليا البعيدة عنه إلى التنوين، هذا حالة وضع العلامات فوق الحرف، وإن وضعت أسفله في الكسر، فإنّ العليا هي الحركة والسفلى هي التنوين. ويعرى الحرف الحلقي الذي يليه من التشديد ويكتفى فيه بالتحريك. مثاله عفواً غَفورا جرُفٍ هَار سميعٌ عَليم.
وإذا نقطت المصحف لورش بنقل حركة الحمز للتنوين، فضبطه على وجه التركيب كذلك، إما إشعارا بالأصل وهو الهمز المحقق، أو لكون تحريك التنوين نوعا من الإظهار والبعد عن الإدغام يستوجب التركيب[43]
وجِّه التركيب بكون التنوين مظهر أمام هذه الأحرف بسبب بعده عنها، فكذلك علامته أبعدت بالتركيب عن الحرف الحلقي الذي يليها إيذانا وإعلاما بذلك البعد، وقال الداني في المحكم: " لما كان حكمه أن يبين عندهن لبعد المسافة التي بينه وبينهن في المخرج أبعدت النقطة التي هي علامته عن حرف الحلق بأن جعلت فوق الحركة ليؤذن بذلك بانقطاعه وانفصاله عنه ويدل به على تخليصه وبيانه
..."[44]
ولبعض نقاط المصاحف وجها آخر، وهو إلحاق نون صغيرة موضع حركة التنوين، قال به أبو محمد المجاصي، وعملت به بعض المصاحف الباكستانية المعاصرة، قال الأستاذ أحمد شرشال: "ولا عمل عليه وأنكره العلماء"[45]

  • تتابع التنوين:

توضع علامتا التنوين متتابعة؛ إحداهما أمام الأخرى في ما بقي من حالاته، أي جميعها إلاّ حالة إظهاره أمام حروف الحلق كما تقدم.[46]
علّل الداني وجه التتابع بكون الأحكام المتعلقة به، وهي الإدغام، والإخفاء، والقلب، إنّما تجب بالقرب من الحروف التي تليها، سواء كان قربا ظاهرا كما هو الشأن مع الإدغام، أو قربا نسبيا كما هو الشأن مع الإخفاء والقلب؛ فناسب وجانس تتابع علامتي التنوين هذا المعنى حيث قربت النقطة أو الحركة الثانية التي هي علامة التنوين من الحرف الذي يليها دلالة على قربه منها الموجب للإدغام والإخفاء والقلب...[47] وقد اختصّ الداني وانفرد بتوجيه التتابع والتراكب في علامتي التنوين، قال عليه رحمة الله: " ولم أر أحدا ممن عني بصناعة النقط في القديم والحديث وجه معنى إجماعهم ولا علل حقيقة مذهبهم في تخصيص حروف الحلق بالتراكب وما عداها بالتتابع وقد سألت عن ذلك غير واحد من شيوخهم وذاكرت به جماعة من علمائهم فكلهم زعم ان ذلك اصطلاح من السلف لزم اتباعهم عليه ولا وجه له ولا علة فيه وأنهم لو اجمعوا على تتابعه عند حروف الحلق وتراكبه عند ما عداها لكان كإجماعهم الاول المعمول به وذلك بخلاف ما قالوه وعلى غير ما ظنوه لما اوضحناه من صحة معنى ما أجمعوا عليه وبالله التوفيق"[48]
الحركة الأولى التي تلي الحرف هي حركته والثانية هي علامة التنوين[49]
وله أوجه نذكرها فيما يأتي:

  • الإدغام الكامل:

مع هجاء (لم نر) عند الجماعة ومع الياء والواو في رواية خلف عن حمزة حالة إدغامها إدغاما خالصا. تضبط علامتي التنوين متتابعتين، ويوضع على الحرف الذي يليه شدّة علامةً على كمال إدغامه. [50] ولا توضع الشدّة في الحرف الذي يلي التنوين إلاّ في هذه الحالة.[51] ووجه التشديد أنّ التنوين أُبدل حرفا من جنس ما بعده ثم أدغم فيه، فرسما حرفا واحدا وضبط بالتشديد على وجه التضعيف، وفيما سوى هذا الحكم يبقى التنوين مباينا للحرف الذي يليه سواء كانت هذه المباينة مطلقة واضحة كما هو الحال مع الإظهار، والقلب، أو قليلة ونسبية مع الإخفاء والإدغام الناقص، لكنّها في جميع واقعة فلم نحتج للتشديد..

  • الإدغام الناقص: مع الياء والواو


  • تتابع حركتي التنوين، وتعرية الواو والياء من التشديد، والاكتفاء فيهما بالحركة. هذا هو المشهور عند النقاط، لم يذكر الداني في المحكم سواه، وهو مذهب الجمهور، وعليه العمل في المصاحف اليوم.[52]
  • وذكر الداني في النقط وجها آخر هو تشديد الياء والواو قال : "وان أردت أن تشدد الياء والواو خاصة لتدل على إدغام التنوين فيهما وان كان ليس بإدغام صحيح ولا تشديد تامّ كما هو في الراء واللام والميم والنون لامتناع قلب التنوين عندهما حرفاً صحيحاً فلا بأس بذلك" ذكر أبو داود الوجهان. ونسب الخراز في المورد، والتنسي في الطراز هذا الوجه الأخير للنحاة.[53]
  • وذكر التنسي عليه رحمة الله – من الناحية الافتراضية والنظرية المحضة- وجها آخر لم يجر عليه العمل، ولم يقل به أحدٌ، رغم كونه في غاية التحقيق من جهة الاجتهاد والنظر، وهو أن يجمع الناقط بين تركيب حركتي التنوين لا تتابعهما، وتشديد الواو أو الياء في الوقت نفسه، فيكون التشديد علامةً للإدغام، والتركيب علامة لنقصانه.[54] قال الأستاذ أحمد شرشال معلقا على هذا الوجه: "وهذا ممّا انفرد به التنسي، ولم أره لغيره، ولم يرد عليه أيّ اعتراض."[55]


  • الإخفاء: مع أوائل كلم البيت التالي:

صف ذا ثنا كم جاد شخص قد سما * دم طيبـاً زد في تقي ضع ظالما
تتابع حركتي التنوين، وتعرية الحرف الذي يليه من التشديد، والاكتفاء فيه بالحركة. فالتتابع للدلالة على القرب الموجب للإدغام، وتعرية الحرف من التشديد للدلالة على تركه (الإدغام) فهو وصف للإخفاء المعرَّف بكونه حالة بين الإدغام والإظهار.[56]

  • القلب: مع الباء

في ضبطه ونقطه وجهان صحيحان ووجه ضعيف:

  • تتابع حركتي التنوين، وتعرية الباء من التشديد، والاكتفاء فيه بالحركة. اقتصر الداني على هذا الوجه في المحكم.
  • وأضاف في النقط وجها آخر، وهو وضع ميم صغيرة مع الحركة عوضا عن علامة التنوين قال : "وكذلك إن أردت أن تجعل في موضع النقطة التي هي علامة التنوين عند الباء خاصّة ميماً صغرى بالحمرة لتدل على أن حكمه أن ينقلب عندها ميماً فيلفظ بها القارئ كذلك فهو حسن " وصفة هذه الميم عند المغاربة أنّها صغيرة، غير ممطوطة، حمراء، مطموسة الدور. وهذا الوجه الثاني هو اختيار أبي داود في أصول الضبط، واستحسان الداني في النقط، وهو الذي جرى عليه العمل؛ حتى يوافق الضبطُ اللفظَ.[57]

وإلى الوجه الثاني أشار الخراز بقوله:
وعوضن إن شئت ميما صغرى ... منه لباء إذ بذاك يقرى

  • وذهب بعض المشارقة إلى مذهب ثالث مركّب من المذهبين المتقدمين بوضع ميم صغيرة تامة المطّ فارغة الدور فوق الباء. وقد ضُعِّف؛ لأنّه يجمع بين العوض والمعوض[58]


  • صفة حركتي التنوين إذا وليهما ساكن:

ذكر التنسي والأستاذ المارغني أنّ المتقدمين لم ينصوا على حكمه وصفة ضبطه، وأنّ المحقّقين من المتأخرين أخذوا فيه بالتركيب، قياسا على نقط وجه نقل الحركة لورش - وقد تقدم- ،وهو الذي جر به العمل، ومثاله: مَحْظُورًا، انْظُرْ، ورَحِيمًا، النَّبِيُّ، والتركيب ها هنا أوجه من جهة تحركه؛ فهو أقرب إلى الإظهار الذي حكموا له بالتركيب. واستثنوا من ذلك: عَادًا الْأُولَى في سورة النجم، عند من قرأها بالنقل والإدغام لنافع وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب، نقطوه بالإتباع وتشديد اللام؛ اعتدادا منهم بحركة اللام العارضة، فأعطي حكم الإدغام.[59]

  • مذهب النحاة في ضبط التنوين وما يليه:

تركّب حركتي التنوين حالة الإظهار، وتتتابع في باقي الحالات، ويشدّد الحرف الذي يليه حالة الإدغام، ويخفف فيما سوى ذلك من الأحكام. ولا بدّ من تحريك الحرف الذي يلي التنوين كيفما كان الحكم.[60] فأهل النحو والإملاء لا يفرقون بين المدغم ناقصا وكاملا..


[1] دليل الحيران348

[2] حاشية الصبان على شرح الأشموني لألفية ابن مالك 1/45

[3] ينظر تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد 8/3952/3690. شرح كتاب الحدود 281.

[4] دليل الحيران 348، وينظر الطراز 25...

[5] المحكم 57-58

[6] المحكم 58، أصول الضبط 11، الطراز في ضبط الخراز ص23...

[7] ينظر هامش الطرز ص24

[8] المحكم 59

[9] المحكم 59، دليل الحيران 348

[10] المحكم 59

[11] المحكم 59-60، ينظر: أصول الضبط 25

[12] المحكم 60

[13] المقصود بالتنوين المفتوح، الفتح اللفظي لا الإعرابي فيندرج فيه النصب، وكذا الرفع والجرّ في نحو: فيه هدىً وهو مرفوع من حيث الإعراب وإن اعتبر في القراءة والتجويد والضبط مفتوحا ومنصوبا، في قرىً محصَّنَةٍ وهو مجرور في الإعراب ... [ينظر هامش الطراز ص27]

[14] المحكم 60-62، أصول الضبط 21...، الطراز في ضبط الخراز 26...-31،دليل الحيران 348-351

[15] المحكم 63

[16] دليل الحيران 348

[17] دليل الحيران 351

[18] ينظر الطراز 31

[19] المحكم 61-62

[20] هامش أصول الضبط 21

[21] المحكم 60، أصول الضبط 21، دليل الحيران 351

[22] هامش الطراز 36 محيلا على حلة الأعيان ورقة 42

[23] المحكم 62

[24] المحكم 63

[25] دليل الحيران 351

[26] المحكم 62-63، أصول الضبط 21، الطراز في ضبط الخراز 40، دليل الحيران 351

[27] المحكم 61، أصول الضبط 21، الطراز 34-35-40، دليل الحيران 351

[28] المحكم 63

[29] ينظر المحكم 63

[30] الطراز في ضبط الخراز 36، دليل الحيران 350

[31] الطراز 37

[32] المحكم 64

[33] المصاحف لابن أبي داود ص 332-333

[34] المحكم 64-65

[35] المحكم 65، أصول الضبط 24، دليل الحيران 349-350

[36] أصول الضبط 24-25، الطراز في ضبط الخراز 32، دليل الحيران349-350

[37] أصول الضبط 26، ضبط الخراز 33

[38] ينظر المحكم 66، أصول الضبط 25،، ضبط الخراز 33، دليل الحيران 349

[39] المحكم 66، أصول الضبط 27

[40] المحكم67، أصول الضبط 28-29، الطراز في ضبط الخراز 41،-42، دليل الحيران 352

[41] المحكم 72

[42] الطراز 55

[43] الطراز 49-50

[44] النقط131، المحكم 68-69، أصول الضبط 13-14، الطراز في ضبط الخراز 48، دليل الحيران352-353

[45] هامش أصول الضبط 14

[46] المحكم 71، أصول الضبط 18، الطراز 49، دليل الحيران352

[47] ينظر: المحكم 72، الطراز 48-49، دليل الحيران353

[48] المحكم 72

[49] هامش أصول الضبط 24

[50] المحكم 69 ، النقط 131، أصول الضبط 11-18، الطراز في ضبط الخراز 53، دليل الحيران354

[51] دليل الحيران 354.

[52] المحكم 70، النقط 131، الطراز 56-57

[53] النقط 132، أصول الضبط 11-12، الطراز في ضبط الخراز 58، دليل الحيران 355

[54] الطراز في ضبط الخراز 58، هامش أصول الضبط 12

[55] هامش الطراز 58

[56] المحكم 70، النقط 131، أصول الضبط 18

[57] المحكم 70، النقط 131-132، أصول الضبط12-13، الطراز 62-63، دليل الحيران 356

[58] السبيل إلى ضبط كلمات التنزيل، أحمد محمد أبو زيتحار، تحقيق ياسر إبراهيم المزروعي نشر وزارة الأوقاف الكويتية قطاع المساجد. الطبعة الأولى 1430هـ 2009م . ص45

[59] ينظر: الطراز 51، دليل الحيران 353، هامش أصول الضبط 14

[60] دليل الحيران 355