بسم الله الرحمن الرحيم


تذخر بطون الكتب بالعديد من الأفكار الذهبية والعبارات المحورية الجديرة برصدها وتدوينها للوقوف على كنوز مفكرينا وكُتابنا العظام، وللانتفاع بالفائدة المرجوة منها، ولذلك حرصت خلال جولتي بين دفوف الكتب أن أرصد هذه الثروات الفكرية والتربوية والتحليلية، وأنقلها بنصها كما وردت فيها أو باختصار طفيف في بعض الأحيان، هذا كي يستفيد منها القاسي والداني، سائلا المولى أن ينفع بها الكبير والصغير، وأن يكتب لكاتبها وجامعها وقارئها الأجر والمثوبة إنه نعم المولى ونعم النصير.

(مرويات الصحابة)
قال الحافظ أبو علي الغساني: ليس يعد مرسل الصحابي مرسلا، فقد كان يأخذ بعضهم عن بعض، ويروي بعضهم عن بعض، وقال: كان لعمر بن الخطاب جار من الأنصار يتناوب معه النزول إلى رسول الله ، ينزل هو يوما والآخر يوما، قال: فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره. وقال البراء: "ما كل ما نحدثكم به عن رسول الله سمعناه من رسول الله صلى الله عليه و سلم ولكن سمعناه وحدثنا أصحابنا وكنا لا نكذب ".
وقال ابن طاهر في كتاب اليواقيت: كان من مذهب الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنه إذا صح عندهم أن رسول الله ذكر حديثا رووه عنه من غير أن تذكر الواسطة بينهم فقد روى أبو هريرة وابن عباس قصة وأنذر عشيرتك الأقربين وهذه القصة كانت بمكة في بدء الإسلام لم يحضرها أبو هريرة ويصغر عنها سن ابن عباس، وروى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وقوف النبي صلى الله عليه و سلم على قليب بدر وابن عمر لم يحضر بدرا. وروى المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قصة الحديبية وسنهما لا يحتمل ذلك لأنهما ولدا بعد الهجرة بسنتين. وروى أنس بن مالك حديث انشقاق القمر وذلك كان قبل الهجرة. وقد أخرج الأئمة هذه الأحاديث وأمثالها في الصحيحين وغيرهما وأجمعوا على الاحتجاج بها.
(التجديد والإبداع)
العلوم الشرعية يعتبر فيها الإبداع، القدرة على العودة للأمر الأول، أي لمنهج النبي -- وأصحابه، أما العلوم المدنية فالإبداع فيها هو التحرر من الماضي، واستحداث الجديد، وهذا هو الفارق الجوهري في بنية العلم ذاته بين العلوم الشرعية والعلوم المدنية، ويذهل عنه كثير من الباحثين العرب، فتراهم للأسف قد قلبوا هذه المعادلة، ففي العلوم المدنية ليس لديهم إلا الاستيراد والتقليد، ولا نرى إبداعات عربية مدنية حقيقية، تخرج بنا عن إطار الماضي وتقص لنا بطاقة الصعود إلى المستقبل، وفي العلوم الشرعية ليس لهم إلا «الإحداث والابتداع» بما يتعارض مع منهج النبي -- وأصحابه. [سلطة الثقافة الغالبة، إبراهيم السكران]

(من ثمرات الأزمات والشدائد)
يقول الشيخ ناصر الأحمد –حفظه الله-:
علمتنا الأزمات أن المثل والقيم لا وزن لها ما لم يرافقها العمل، وأن الأخلاق الفاضلة جميلة ومطلوبة ولكن الأحسن والأجمل أن تصير هذه الأخلاق رجالا وفعالا، وما يحفظه المرء قد يحفظه مئات غيره ولكن التميز في مقدار العمل بما يحفظ ويعلم، فخير القول ما صدقه الفعل، والشدائد ميدان، وفي الميدان يكون المران، وقد قيل: "عند الطعان يتبين الرجال"، والتجربة خير برهان، وصعوبة الملمات والشدائد محك تظهر فيه الصفات والخلائق، وتنكشف فيها القدرات والمواهب، الشدة تظهر العلة، والأمة تتعلم من الملمة، وما وعظ أمراء مثل تجاربه، والناجحون في الحياة هم الذين واجهوا وتعاملوا معها، واعتادوا شرها وخيرها.

(استقرار العادة)
إن استقرار العادة وتكريسها مريح للسيف المستبد الذي يتكئ على المألوف، وللعقل الكسول الذي لا يحب الأسئلة ولا الطرق المتعددة ويفضل تمرير الأمور كما ورثها دون تحويل.[الشيخ سلمان العودة]

( أنفة العلم)
والعلم بطبعه عزيز النفس لا يحفل بمن يتصل به ثم ينقطع ثم يتصل ثم ينقطع، وإنما من عادة العلوم والمعارف كلها أن تشيحَ بوجهها الجميل عن كل زائرٍ لها بين فينة وأخرى، شامخٍ عليها بأنفِه، فهي تمنح من يعطيها فضلات الأوقات فضلات المعارف فحسب، وقد ذكر الشيخ برهان الدين الزرنوجي أن شيخه برهان الدين يقول: (إنما غلبت شركائي بأني لا تقع لي الفترة في التحصيل).
[الصمود زمن الركود العلمي، سليمان بن ناصر العبودي]

(العلم الشرعي)
العلم الشرعي علم الكتاب والسنة، وما كان وسيلة لفهمهما، أفضل ما تنفق في طلبه نفائس الأوقات، وأجدر أن تشد في تحصليه طِوال الرَّحلات، ولا يعدله شيء إذا صلحت النيات، عظيم أثره، جليل قدره، باسقة شجرته، وارفة ظلاله، يانعة ثمرته، طلبه لله عبادة، ومذاكرته تسبيح، أهله هم أهل الخشية والإنابة: إنما يخشى الله من عباده العلماء ورّاث النبي الكريم، الموقِّعون عن ربِّ العالمين. [علي الشايب]

د/ خالد سعد النجار
alnaggar66@hotmail.com