ضبط علامة التشديد
الأستاذ فتحي بودفلة
جامعة الجزائر (1)
بسم الله الرحمن الرحيم

تعريفها:
المقصود بالتشديد التضعيف، سواء كان أصليا كنحو: رَبِّ، إيَّاك أو بسبب الإدغام كنحو: الرَّحمن، الضَّالِّين، هدىً مِّن رَّبّهم. وهو عبارة عن حرفين أوّلهما ساكن والثاني متحرك.
وهو من الناحية الصوتية: النطق بحرف ساكن بشكل مسموع لفترة أطول من الحرف الساكن القصير.
علاماته:

  1. رأس شين مهملة: هي علامته الخليل بن أحمد الفراهيدي، أخذها من أوّل كلمة (شديد) بإهمالها وترك تعريقتها ، وذلك على عادته ومنهجه في أخذ رموز ضبطه من أسماء الظاهرة التي يرمز لها[1].
  2. دال: تنسب هذه العلامة لأهل الأندلس رووها عن أهل المدينة، ونسبها القلقشندي إلى المتأخرين من علماء الضبط. وأخذت من كلمة (شديد) و(شدَّ) لكن ليس من أوّلها كما صنع الخليل، وإنّما من أكثرها، فقد رأوا أنّ الدال أحقٌّ بأن تكون رمزا لها؛ لأنّها تكوِّن حوالي ثلثي هذه الكلمة، فهي أولى من الشين. وهو اختيار أبي عمرو الداني. قال عليه رحمة الله: " وإنما جعل أهل المدينة علامة التشديد دالا من حيث الدال آخر كلمة شديد فدلوا عليه بآخر حرف من كلمته كما دل عليه النحويون ونقاط المشرق بأول حرف من كلمته وفي كل واحد من الحرفين الشين والدال دلالة عليه غير أن اتباع أهل المدينة اولى والعمل بقولهم ألزم"[2]
  3. مذهب أهل العراق لا يجعلون للتشديد علامة.[3]
  4. مذهب آخر لأهل العراق نسبه إليهم أبو داود، وهو جعل دال منتصبة القوائم للأعلى أبدا في الحرف (أي في ذاته موضوعة على خطّه) ثم تحريكه بحركات الفتح ولكسرة والضم في محالِّها المعروفة، قال : "وقد اخترع قوم متأخرون من العراقيين وجهاً ثالثاً في صورة التشديد خارجاً عمّا اصطلح الناس قديما عليه، غير جائز عند العلماء المحققين بهذا العلم؛ إذ لا وجه له، مع خروجه عن فعل نقط السلف، واستعمال الخلف من أهل المشرق والمغرب، وذلك أنهم جعلوا الشدّة في الحرف المفتوح والمكسور والمضموم دلا قائمة الطرفين قاعدته تحته أبداً، وطرفاه خارجة أعلاه، وأعربوا الحرف بحركته في المكسور والمخفوض، والمضموم والمرفوع، والمفتوح والمنصوب... وهذا الوجه غير معمول به، ولا مرتضى عندنا، ولا معروف عند أهل الأندلس، فاعلمه، وإنما ذكرته لئلا يراه من لا علم له، فيولع به ويستعمله ظنا منه أنه حسن؛ لقلته وغرابته، لِوُلُوع الناس قديما بما لم يعرفوه قبل، فقد جرى لأستاذنا أبي القاسم الأخفش مثل هذا في مصحف رآه على هذا الضرب من التشديد حيث ما وقع، وكان رأى فيه أيضا ضبط التنوين المنصوب بأن جعل على الحرف حركة، وعلى الألف اثنين فصارت ثلاثا، فظنّ أنّ ذلك عن معرفة، وإتقان، حتى أوقفته على علم ذلك، وكان هو السبب لتأليفي كتاب التبيين لعلم التنزيل ونضّر وجهه.[4]" نقلت النّص كاملا بوجه الشاهد وزيادة لما فيه من النكت والفوائد. وقد أشار الداني إلى هذا المذهب وضعّفه كذلك.[5]

اختار الداني النقط بالدال، بينما اختار أبو داود لمن نقط بعلامات أبي الأسود الدؤلي أن يرمز للتشديد بالدال، ولمن نقط بعلامات الخليل أن يرمز للتشديد بالشين.[6]

موضعها:

  • توضع علامة الشدّة على مذهب الخليل فوق الحرف.[7]
  • بينما توضع على مذهب أهل الأندلس فوقه، قوائمها متجهة إلى الأعلى حالةَ الفتح، أو أمامه قوائمها متجهة إلى الأسفل حالة الضم. أو أسفله قوائمها متجهة إلى الأسفل حالة الكسر[8].
  • ووضع الشدّة أسفل الحرف عند بعض المتأخرين، إنما هو مذهب إملائي، وقد أنكره الداني في المحكم حيث قال: "فأمّا ما يستعمله ناس من النُّقاط من جعل الشدّة في الحرف المفتوح والمكسور قائمة الطرفين تحته أيدا ...وتعريبهم الحرف بحركته... فخطأ لا وجه له مع خروجه عن فعل نقاط السلف واستعمال عامة الخلف من أهل المشرق والمغرب."[9]

الجمع بين علامتي التشديد والحركة:
على مذهب الخليل لا بدّ من الجمع بين العلامتين، لأنّهما يدلان على ظاهرتين مختلفتين لا يغني رمز أحداهما عن الأخرى.[10]
اختلف علماء الضبط في الجمع بين علامتي التحريك والشدّ على مذهب أهل الأندلس إلى ثلاثة أقوال:

  1. الاكتفاء بعلامة الشدّ (الدال)؛ للاستغناء بها عن التحريك وهو اختيار أبي داود [أصول الضبط 53] ورجّحه شارح المورد الإمام التنسي في الطراز والأستاذ المحقق أحمد شرشال من جهة كون الضبط زيادة على رسم الإمام بني على أصل الضرورة والإيجاز، قال الإمام التنسي: "إذْ هو أوفق للأصل؛ لأنّ هذه الأشياء لم تكن في المصحف القديم، وإنما أحدثت للبيان، فما كان البيان بدون استغني عنه."[11]
  2. الجمع بين علامة التحريك والشدّ؛ لمزيد بيان، ذكر المارغني أنّه اختيار بعض المتأخرين. وهو ظاهر اختيار الداني كما سيأتي بيانه، ووجّهه الإمام التنسي بكونه متعيِّن من أجل التفريق بين الممال والمفتوح قال : "وقد يحتج لترجيح هذا القول على الذي قبله بما إذا كان الحرف المشدّد مختلفا فيه بالفتح والإمالة، نحو الدّارِ فإنّه لا يتميّز ضبطه لأحد المذهبين عن الآخر إلاّ باجتماع الشدّ مع إحدى العلامتين، إمّا الفتحة أو نقطة التعويض."[12]
  3. التفريق بين أطراف الكلمات فيجمع فيها بين الشدّ والشكل، وبين حشوها فيكتفى فيها بالشدّ؛ وإنّما فرقوا بين الأطراف والحشو، من جهة وقع اللبس في الطرف بسبب تغير حركاته وتعلقها بالإعراب والبيان... وهذا القول حسّنه أبو عمرو الداني. وعلّل الإمام التنسي هذا المذهب بتوجيه آخر وهو كون أطراف المفردات محلّا للتنوين والشدّ وإن دلّ على الحركة لا يدلّ على التنوين فاحتيج إليه في الأطراف من أجل ذلك.[13]

يبدو والله أعلم أنّ أبا عمرو الداني (444هـ) وإن كان حسّن القول الثالث الذي يفرّق أصحابه بين أطراف الكلمات فيجمعون فيها بين التشديد والتحريك، وبين حشوها حيث يقتصرون على علامة الشدِّ، فإنّ ظاهر اختياره الجمع بين التشديد والتحريك بدليل قوله في آخر مناقشة هذه المسألة: "وان كان سبب ابتداع النقط هو تصحي القراءة والإتيان بها على حقها فسبيل كل حرف أن يوفي حقّه مما يستحقه من الحركة والسكون والتشديد وغير ذلك وبالله التوفيق."[14] فهذا الكلام هو كالتعليل
أين توضع الحركة المصاحبة للشدّ؟
نصّ الداني على أنّ الشدّة عندما نجمع بينها وبين حركة الحرف ينبغي أن تلي الحرف، فإذا كان الحرف مفتوحا وضعت الشدة موالية للحرف والفتحة فوقها هكذا (ــــــــــــــــــــَّــ ــــــــــ ) ، وإذا كان الحرف مضموما وليت الشدة الحرف ووضعت حركة الضم فوقها مثل الفتح تماما، أو بعدها هكذا (ـــــــــّــــــــــــــ ــــــــــُـ) ، وإذا كان الحرف مكسورا وضعت الشدّة فوق الحرف والكسرة تحته على الراجح عند النُّقاط هكذا: (ـــــــــــــّـِــــــــ )، وقيل توضع الكسرة أسفل الشدّة كلاهما فوق الحرف، وهو مذهب أخذ به بعض أهل العربية والإملاء، وضعّفه الشيخ زيتحار في السبيل، والأستاذ أحمد شرشال في تحقيقه لأصول الضبط.[15]
وحديث علماء النقط في بيان موضع الحركة مع التشديد إنما اقتصر على شكل الخليل، قال الإمام التنسي: "زلم يتكلم الناظم ولا غيره من القدماء على محل الحركة من الشدّ على هذا القول[16]، والظاهر أن يكون الشدّ هو الذي يلي الحرف المشدّد من أي جهة كان قياسا على ما قيل فيما إذا كان الشدّ بالشين."[17]
وقد وجّهوا تقديم الشدّة على الحركة في الترتيب بكون الشدّة أقوى من الحركة من جهتين اثنتين، فهي أوّلا تلحق ذوات الحروف وجواهرها، بينما الحركة تلحق عوارضها، والشدّة ثانيا تدلّ على تحريك الحرف وتضعيفه، بينما لا تدلّ الحركة إلاّ على تحريكه...[18]
المصادر والمراجع:

  1. أصول الضبط وكيفيته على جهة الاختصار، أبو داود بن نجاح (496هـ). تحقيق أحمد شرشال. مجمع الملك فهد للمصحف الشريف لمدينة المنورة. 1427هـ.
  2. دليل الحيران على مورد الظمآن، أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن سليمان المارغني التونسي المالكي (1349هـ). دار الحديث- القاهرة (د ت).
  3. السبيل إلى ضبط كلمات التنزيل، أحمد محمد أبو زيتحار. تحقيق ياسر إبراهيم المزروعي. طباعة ونشر وزارة الأوقاف الكويتية. الطبعة الأولى 1430هـ 2009م.
  4. الطراز في شرح ضبط الخراز، أبو عبد الله محمد بن عبد الله التنسي (899هـ)، تحقيق أحمد شرشال. مجمع الملك فهد للمصحف الشريف المدينة المنورة. 1420هـ
  5. المحكم في نقط المصاحف، عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر أبو عمرو الداني (444هـ). تحقيق: عزة حسن. دار الفكر دمشق. الطبعة الثانية 1407هـ
  6. النقط (مطبوع مع كتاب المقنع فى رسم مصاحف الأمصار)، عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر أبو عمرو الداني (444هـ). تحقيق: محمد الصادق قمحاوي. مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة. (د ت).
  7. صبح الأعشى في صناعة الإنشاء، أحمد بن علي بن أحمد الفزاري القلقشندي ثم القاهري (821هـ). دار الكتب العلمية بيروت (د ت).



[1] المحكم 49-50،أصول الضبط 50، الطراز 99، دليل الحيران 364، السبيل 25

[2] المحكم 50،أصول الضبط 52-54، الطراز 101-102، دليل الحيران 366، السبيل 26

[3] النقط 133

[4] أصول الضبط 56-57

[5] المحكم 52

[6] المحكم 50، أصول الضبط 56

[7] النقط 133، أصول الضبط 50-51، دليل الحيران365

[8] النقط 133، أصول الضبط 52، الطراز 102-104، دليل الحيران 366

[9] المحكم 51

[10] النقط 133، المحكم 49، أصول الضبط 50، الطراز 99-100، دليل الحيران 365، السبيل 25

[11] الطراز 105-106، هامش أصول الضبط 53

[12] الطراز 106

[13] المحكم 50، أصول الضبط 52-53،الطراز 105-106-107، دليل الحيران 367، السبيل 26-27

[14] النقط 133- 134

[15] النقط 133، المحكم 49، أصول الضبط 50، دليل الحيران 365،صبح الأعشا للقلقشندي 3/176، السبيل 26

[16] يقصد قول الرمز للشدّ بالدال

[17] لطراز 106

[18] الطراز 100، هامش أصول الضبط 50، دليل الحيران 365