السلام عليكم ورحمة وبركاته


بسم الله والحمد والصلاة والسلام على رسول الله


سأل أحد الأخوة الأفاضل عن دلالة كلمة "تحبرون" في سورة الزخرف وأيضا كلمة "روضة يحبرون" في سورة الروم.


فتأملت في السورتين فخلصت إلى التالي مستعينا بالله وبه أصول وأجول .


بداية لمعرفة دلالة الآية يجب أن نفهم السياق.


في الآيتين اللتين ذكر فيها كلمة يحبرون/تحبرون جاء ذكر المجرمين واقترن معها كلمتي يبلس/مبلسون.


حتى نفهم لماذا؟
رجعت لمواضع ذكر مبلسون في القران فكانت في :


- الأنعام
-المؤمنون
- الروم
- الزخرف


نعود لكل موضع ونحلل السياق.. لنخلص إلى النتيجة..




قال تعالى في الأنعام


فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ *فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا* أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ *مُبْلِسُونَ* (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45).


ذكر الله جل وعز أن الذين *ظلموا* قطع دابرهم وأنهم صاروا *مبلسين* بالعذاب المباغت بعد أن *فتح عليهم أبواب كل شيء* !!




قال تعالى في المؤمنون


حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا *مُتْرَفِيهِمْ* بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64)
....إلى أن قال : حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ *مُبْلِسُونَ* (77)


هنا يسوق الرب الخبر عن *المترفين* الذين كذبوا وما نتج عن ذلك في تمام هذه الآيات حتى *صاروا مبلسين*




حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا *مُتْرَفِيهِمْ* بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64)
لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65)قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66)مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67)أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68)أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69)
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70)وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72)وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73)وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74)وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75)وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76)حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ *مُبْلِسُون*َ (77)




قال تعالى في الروم


َأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ *كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا* وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9)ثُمَّ كان عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (10)
اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11)
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12).


أما هنا يذكر الله *خبر الأقوام الذين بلغوا بقوتهم وترفهم أنهم عمروا الأرض وأثاروها* فانتهى حالهم بالهلاك ليذكر الله أن المجرمين *يبلسون* عند قيام الساعة.


قال تعالى في بداية الزخرف


وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ *مُتْرَفُوهَا* إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ.


ثم جاء ذكر إبراهيم وقومه قال الله عنهم


بَلْ *مَتَّعْتُ* هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29)


ثم جاء ذكر المشركين بطلب أنه لو نزل القرآن على رجل ذو حسب ونسب وسلطة ومكانة فقال سبحانه :


وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33)وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34)وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا *مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا* وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)


ثم جاء بخبر فرعون وملأه الذين قد آتاهم من النعيم الشيء الكثير فقال على لسان فرعون يتعجب من حال موسى قياسا على ترفه


فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53)


ثم ذكر الله عاقبة كل المجرمين فقال في نهاية السورة :




إِنَّ *الْمُجْرِمِين*َ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74)
لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ *مُبْلِسُونَ* (75)




والآن يتضح دلالة كلمة مبلسون ولماذا صاروا إلى الإبلاس والذي يعني اليأس من كل خير مع عدم القدرة على نطق حجة.


يتبين لنا معنى تحبرون/يحبرون
والذي قد ذكره الله في آيتي الروم والزخرف.


ففي الروم قال :




اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11)وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12)وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (13)وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14)فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15)


ففي الآية رقم ١١ يبين الله أنه يبدأ الخلق ويعيده بمعنى أنه يوجده على نحو جديد وبلا مثال سابق.


إذ أن المجرمين الذين كانوا منعمين في الدنيا قد أبلسوا أي يأسوا من كل خير.


وأن المؤمنين قد أحبروا أي نعموا وتزينوا بكل نعيم وخير.


وكذا في الزخرف
لما قال :


ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70)يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71)وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72)لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (73)




بين الله شدة نعيم أهل الجنة واصفا حالهم


/أولا أنهم هم وأزواجهم-وجود الأزواج أيضا من تمام النعيم-يحبرون أي متزينين وهو من معانيها


/ثانيا أردف الله بعد ذكر حالهم حال آنيتهم وأكوابهم وصحافهم ثم
/ثالثا ذكر الفاكهة...


كله جاء تأكيدا لاستغراقهم في النعيم المطلق.




*فسبحان من أحكم كتابه*










*ملاحظة*
هذه الدلالات لا تقتصر على المعاني المذكورة فكتاب الله لا تنتهي عجائبه ...لكن هو بعض ما فتحه الله علي..
وبالله التوفيق المستعان والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.