مع الأمر بإفشاء السلام فقد ورد ذم من يبخل بالسلام بوصفه ( أبخل الناس ) ، فقد روى أحمد وعبد بن حميد والحاكم عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ : إِنَّ لِفُلَانٍ فِي حَائِطِي عَذْقًا ، وَإِنَّهُ قَدْ آذَانِي وَشَقَّ عَلَيَّ مَكَانُ عَذْقِهِ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ فَقَالَ : " بِعْنِي عَذْقَكَ الَّذِي فِي حَائِطِ فُلَانٍ " قَالَ : لَا ، قَالَ : فَهَبْهُ لِي ، قَالَ : " لَا " قَالَ : " فَبِعْنِيهِ بِعَذْقٍ فِي الْجَنَّةِ " قَالَ : " لَا " فَقَالَ النَّبِيُّ : " مَا رَأَيْتُ الَّذِي هُوَ أَبْخَلُ مِنْكَ إِلَّا الَّذِي يَبْخَلُ بِالسَّلَامِ " . وروى ابن أبي شيبة والبخاري في ( الأدب ) عن أبي هريرة قال : إن أبخل الناس الذي يبخل بالسلام ؛ ورواه ابن أبي شيبة عن عمر .
قال المناوي - : ( أبخل الناس ) أي أمنعهم للفضل وأشحهم بالبذل ؛ ( من بخل بالسلام ) على من لقيه من المؤمنين ممن يعرفهم وممن لا يعرفهم ، فإنه خفيف المؤنة عظيم المثوبة ، فلا يهمله إلا من بخل بالقربات ، وشح بالمثوبات ، وتهاون بمراسم الشريعة ؛ أُطلق عليه اسم البخل لكونه منع ما أمر به الشارع من بذل السلام ، وجعله ( أبخل ) لكون من بخل بالمال معذور في الجملة ، لأنه محبوب للنفوس عديل للروح بحسب الطبع والغريزة ، ففي بذله قهر للنفس ؛ وأما السلام فليس فيه بذل مال ، فمخالف الأمر في بذله لمن لقيه قد بخل بمجرد النطق ، فهو أبخل من كل بخيل.