في رحاب شيخنا أبي عبد الملك مساعد بن سليمان الطيار

أن يقف الإنسان موقف المادح مما هو محرج للمادح والممدوح في الغالب، ولا يكاد يسلم مادح من البشر من مبالغة وإطراء ومزايدة، خاصة إن كان المادح يدلي إلى الممدوح بنسبة طينية أو دينية إلا من وُفِّق للعدل والإنصاف وقليل ما هم، ولذلك كان الهدي العام في الإسلام والأصل في باب المدح: تضييق المدح والتزكية خاصة حال الحياة، وحسبك قول النبي -وهو أحق الناس بالمدح- لمادحيه: ((يا أيها الناس قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان...)) [رواه أبو داود بسند جيد].
وإني حين أتكلم عن شيخنا أبي عبد الملك د. مساعد الطيار -وفقه الله- لأجدني متجشما أمرا صعبا، مخافة مبالغة وحذار تقصير، وإن مثلي ليقصر عن الإشادة بمثله وما لسان حالي إلا كما قال عمارة اليمني:
ليت الكوكب تدنو لي فأنظمها عقود مدح فما أرضى لك كلمي
وإني لأذكر هنا مما رأيته في شيخنا لا ما سمعته ولسان الحال: وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ [يوسف:81]، وإنني سأحصر على ذكر ما يستفيد منه طالب العلم منهجا معرفيا، أو أدبا علميا، فهذا هو المقصود الأسنى من التراجم والأخبار، وأما الجوانب الشخصية فهذه ليست معيارا للثناء ولا محلا للاقتداء، فإذا اُختلف في أفعال النبي r التي فعلها على سبيل الجبلة كلبسه لباس قومه وأكله من طعام قومه هل يقتدى به فيها أم لا؟ فمن دونه أولى والله أعلم.

  • شيخنا ممن جمع بين شرف العلم وشرف النسب، فأما شرف العلم فإنه ممن اصطفاه الله -فيما نحسب- لعلم الكتاب والتأويل، وأي شرف أشرف وأجل من علم الكتاب وتأويله، وأما شرف النسب فشيخنا من آل بيت النبي r وسليل بيت الشهيد السعيد المجيد، مهاجر الهجرتين، والمصلي إلى القبلتين، والمكرّم بالجناحين، والمتحدث الرسمي للعصبة المؤمنة المهاجرة إلى الحبشة، والقائد الشهيد في مؤتة، جعفر بن أبي طالب الملقب بجعفر الطيار.
  • من أجلّ وأعظم ما استفدته من شيخنا -أعلى الله قدره وذكره- تعظيمه لعقول السلف ونظرهم وأقوالهم، وهذا يظهر جليا في تحريراته وتأصيلاته ومنهجه العلمي، وتلك -لعمر الله- هي السلفية الحق، وكثيرا ما أسرّ لي في نقده لبعض المعاصرين من المشاهير مما تصدوا للتفسير أنه يغفل عن أقوال السلف. ومما يميز الشيخ في سلفيته العلمية والمنهجية ما يلي:


  • منها: أنها سلفية مباشرة وليست بواسطة، فالشيخ يتعامل مع أقوال السلف تعاملا مباشرا ويتناولها تناولا دون واسطة، ومما يجدر ذكره هنا أن آفة كثير من أتباع المدرسة السلفية المعاصرة تعاطي كثير من طلاب العلم مع أقوال السلف وفق مقررات سابقة وقناعات مستقرة، وأن مشكلتهم تكمن في الوصول إلى أقوال السلف بواسطة، والتعامل مع التراث السلفي بنظرات ووساطات متأخرة،وأشهرها تلك النظرات والوساطات لدى المدرسة السلفية المعاصرة نظر ابن تيمية -- للتراث السلفي، وعدم التمييز بين ما يقع منه -- نقلا لمذهب السلف وبين ما يقع منه تخريجا على مذهب السلف واجتهاد في المقايسة والاستنباط.
  • ومنها: تقديم أقوال السلف في كثير من المجالات التي ربما لا يقدمهم فيها كثير من الباحثين، ومن أبرزها الجانب اللغوي، فتقديم أقوال الصحابة والتابعين والسلف عموما في التعاطي اللغوي ضعيف عند كثير من المعاصرين، وأكثر تعويلهم على مقررات من بعدهم أئمة اللغة وما استقرت عليه المعاجم وتناقلته، وقد تجد في تفاسير السلف مادة لغوية لا تجدها عند من بعدهم من أئمة اللغة، والقاعدة أن قول السلف في اللغة مقدم على قول أئمة اللغة المتأخرين، لأنهم أهل اللسان الأول الذي نزل القرآن بلغتهم، وهذا ما عالجه شيخنا –وفقه الله- في كتابه (التفسير اللغوي).
  • ومنها: تعظيم عقول السلف وأقوالهم والاحتفاء بها، والوقوف بقوة ضد منهج المدرسة التفسيرية الحديثة الرافعة للواء (الإعجاز العلمي) و (التفسير العلمي)، بمسلكيها: الانبهاري الانهزامي تجاه حضارة الغرب، والإزرائي التسذيجي تجاه منهج السلف، فكثير من أرباب الإعجاز العلمي مبتلى بتسذيج وتسطيح قول السلف في كثير من تفاسيره، وهذا ما عالجه شيخنا –وفقه الله- في كتابه (الإعجاز العلمي إلى أين؟).
  • ومنها: النظرة الاعتدالية للسلف في نظراتهم وأقوالهم التفسيرية، وعدم قولبة السلف في قالب واحد ، والجري بها مجرى واحدا، فتجده يقرر -فيما فهمته منه- أن السلف تارة يفهمون القرآن على ما يفهمونه من لغتهم، وتارة يفهمون القرآن وفق النقل والآثار، وتارة يستأنسون بالمنقول عن أهل الكتاب وغيرهم في تتميم القصص والأخبار القرآنية ومعرفة مبهماتها.
  • ومنها: محاولته لإجلاء مذهب السلف نقيا بين مدرستي التفسير: الحديثة المجافية للسلف، والسلفية المقولبة للسلف بوالب نمطية أو الناظرة له بمنظار ابن تيمية وغيره.


  • ومن أجل ما استفدته من شيخنا -وفقه الله- الشجاعة العلمية في البحث، والجرأة على إثارة التساؤل، والنقد العلمي، وعدم الوقوف عند كثير ما يُدعى فيه الإجماع والإحكام، ويُحسب في المستقر والثابت علميا، ويُعد من المحكمات والمسلمات، وهو في الحقيقة مما يُسمى بـ (القول الواحد الذي يُغلى فيه)، أو (الخلاف المسكوت عنه)، ثم ما ينتج ذلك من البغي والتشغيب والظلم والإيذاء لمخالفه ومنتقده بل من يثير تساؤلا حياله، ويالله كم لقي شيخنا من هذا ! وكذلك عدم استعظام تقريرات المتأخرين والمشاهير الذي قامت عليهم المدراس العلمية المتأخرة وصارت أقوالهم لديهم ضربة لازب، وقولا يُصدر عنه.
  • ومن أجل ما استفدته من شيخنا -وفقه الله- التحرير العلمي، والنَفَس البحثي الجاد، والنظر البعيد، وقراءة ما وراء السطور، والبحث والتقليب وإعادة النظر، فإن أكثر أهل العلم نقلة ومُسلِّمون وقلة هم أهل التحرير ومنهم شيخنا فيما نحسبه، ولئن قيل: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك، فإني أقول –فيما أحسب-: إذا جاءك التحرير عن مساعد فحسبك.
  • ومن أجل ما استفدته من شيخنا -وفقه الله- الشخصية العلمية المتخصصة المتكاملة، فشيخنا -وفقه الله- ممن له اطلاع واسع ونظر كلي لكل ما يتعلق بفنه ومشارك فيه، فتجده يعالج القرآن وعلومه من جهة الحديث والآثار كما في بحثه في كتاب التفسير من صحيح البخاري، ومن جهة الأصول كما في بحثه في مبحث الكتاب من الموافقات، وتاريخيا كما في بحوثه في تاريخ القرآن والتفسير، كما أن شيخنا من الشخصيات العلمية الحية المطلعة في كل جديد يتعلق بتخصصها، وهذا يلفتك إلى كثير ممن يُحسبون في المتخصصين في فنونهم لا يلمون بما يتعلق بتخصصهم مما هو داخل في العلوم الأخرى، وأيضا تتوقف معلوماتهم عند آخر بحث ترقية.
  • ومن أجل ما استفدته من شيخنا -وفقه الله- احترامه للتخصص، فهو في علمه الذي يتعلق بالقرآن وعلومه بحر متلاطم، ولا يكاد يجاريه فيه أحد، وإذا نوقش في غيره أبدى رأيه بهدوء بل ربما سأل للاستفادة، بل لا يستحي أن يخبر في الفقه وغيره من الاستفادة من غيره وربما تقليده له، وأذكر أنني سافرت معه بين مكة وجدة وأدركتنا الصلاة فسألته عن القصر بين مكة وجدة فكأنه أحال على فتوى غيره أو اعتذر عن الفتوى، ولكنه لم يبد لي فيها رأيا له.
  • ومن أجل ما استفدته من شيخنا -وفقه الله- التواضع ولي معه في هذا مواقف شخصية لا أحب أن أذكرها، وليس شيخنا مما تتعبده المظاهر والهيئات فهو في غالب حاله في لقاءاته لا يلبس العباءة ولا يحتفي بها، كما أنه يُدعى لكثير من الدروس واللقاءات فلا يكاد يعتذر عنها رغم بعد المسافة وقلة الحضور لكون أغلب دروسه تخصصية نخبوية، ومنها سهولة الوصول إليه والتواصل معه والتحاور، وحضوره العلمي المتاح سواء عبر الأجهزة الحديثة أو اللقاءات الشخصية.
  • ومن أجل ما استفدته من شيخنا -وفقه الله- جوده بالعلم وبذله له، ومساعدته لطلاب العلم، وربما يقف بعد محاضراته ودروسه ولقاءاته طويلا للجواب والمناقشة، وكذلك فرحه بالسؤال والنقاش والمباحثة، وكثيرا ما يقطع درسه إذا رفع طالب يده أو أثار سائل إشكالا أو ألقى أحد سؤالا.
  • ومن أجل ما استفدته من شيخنا -وفقه الله- السهولة واللين، والابتسامة الهادئة وسعة الصدر للنقد، وعدم التجاوب مع الاستفزاز، وقد شهدت هذا كثير في مؤتمرات ودروس ولقاءات عامة وخاصة، وربما أساء ناقده الأدب واستطال وبغى، ومن ذلك أن الشيخ سئل عن تفسير أحد المعاصرين ممن انقسم في حاله فأشاد وأثنى وذكر الإيجابيات والسلبيات، وكأن أحد الحاضرين من المحسوبين على التيار المناوئ لتلك الشخصية المسؤول عنها لم يعجبه الثناء فتداخل وشغب والشيخ هادئ مبتسم يناقشه بهدوء، ثم أفحمه بكلام فحواه: أن الشيخ ذكر في هذا التفسير للشخصية المعاصرة ما ذكرته في تفاسير كثيرة للمعتزلة والرافضة والإباضية وممن يصرح بعداوته لأهل السنة وانتقاده كالزمخشري، فماذا لم يستثرك ذلك؟ فسكت ولم يحر جوابا.
  • ومن أجل ما استفدته عن شيخنا -وفقه الله- النظرة المعتدلة والمنصفة والمحررة في كثير من القضايا العلمية التي هي مثار تصنيف وتشغيب من أنصاف المتعلمين والمبالغين كالإسرائيليات والمجاز ونحوها، وكذلك في الخلافات والسجالات العلمية التي تقع في الساحة بين الفينة والأخرى، وقد سألته غير مرة عن كثير من تلك السجالات فيتكلم بكل أدب وإنصاف.
  • ومن أجل ما استفدته عن شيخنا -وفقه الله- أنه صاحب أدب نفسي وعلمي، وصاحب ذوق رفيع، وصاحب رقي وحسن مظهر ومخبر، مترفع عن خوارم المروءات ومسقطات العدالة وما يشين أهل العلم، وأيضا هو صاحب حياء حتى في اللوم فمرة أوصلته إلى مكة وكان في عجلة لإدراك درس له فتأخرت عليه فقال لي: لو كان فلان مكاني -وذكر شيخا فاضلا من أصدقائه يمتاز بالصراحة والصرامة والجدية والإنجاز- لقال لك كذا وكذا ، يعني من الزجر والعتاب.

هذا غيض من فيض، وقطر من بحر، ولبنة في بناء، وقطرة في إناء، مما استفدته من شيخنا أبي عبد الملك مساعد الطيار وفقه الله وسدده خطاه وأعلى ذكره وقدره.
وأخيرا .. لست من خواص الشيخ ولا من مقربيه ولا ممن له حظوة عند الشيخ، بل قد يقرأ -حفظه الله- هذا الكلام ولا يذكر من هذا شيئا بل قد لا يتذكر كاتبه، وإنما أنا محب وطالب تتلمذ على دروسه ولقاءاته، وامتن الله عليه بكثير من اللقاءات والمجالس مع الشيخ، وإنما أقول حتى لا يُظن بي أنني استكثر بهذا أو انتسب إليه انتساب المصاحب والملازم، فالمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله، وقد رأيت من واجب الشيخ على محبيه وتلامذته ذكر مآثره ومناقبه.
وختاما .. هذا ما أحسبه وأظنه ويظهر لي في شيخنا وفقه الله، وأسأل الله أن يثبته وإيانا على الحق ويجزيه خير ما جزى شيخنا عن طلابه، واعتذر له عن هذا الكلمات التي لم استأذنه في نشرها، والله أعلم.


وكتبه: عبد الرحيم بن سعيد الإسحاقي