حكم متابعة الإمام في وصل الشفع بالوتر

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله الأمين.
أما بعد؛ فهذان تنبيهان لهما تعلق بصلاة التراويح، أحببت ذكرهما، لاسيما ونحن في شهر رمضان المبارك.
أقول: إن لصلاة التراويح صفاتٍ كثيرةً، منها ما هو مشروع، ومنها ما هو ممنوع، ومنها ما جمع بين السنة والبدعة، وهو ما يسمى عند الفقهاء والأصوليين: بالبدعة الإضافية!
وأيًّا كان الأمر، فإن التنبيهين هنا واقعان على صفة صلاة التراويح ذات الركعات الثلاث، وهذه الصفة لها أيضا: صفتان: متفرقة ومتصلة.
وأقصد بالمتفرقة منها: التي يُسلمُ منها بعد ركعتين، ثم يُوترُ بعدها بركعة واحدة.
أما المتصلة: فهي التي تُصلّى بثلاث ركعات متصلات، لا يجلس فيها إلا في التشهد الأخير، ثم يُسلمُ منها!
وكلا الصورتين جائزة شرعا.
والصلاة المتصلة بسلام واحد، هي المقصودة بالتنبيهين هنا!
وقبل الشروع في بيان التنبيهين، كان علينا أن نذكر بعض الأمور المهمة:
الأول: على المسلم أن يفرق بين العبادات ذات النية المطلقة، وبين الصلاة ذات النية المقيِّدة!
فالمقيدة منها، مثل: نية صلاة الفريضة، والسنن الرواتب، وركعة الوتر، ونحوها.
والمطلقة منها، مثل: نية صلاة ما بعد طلوع الشمس وغروبها، وصلاة الليل، ونحوها، لقوله ﷺ:
"صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة" أحمد.
الثاني: لا يجوز للمصلي أن يقلب النية المطلقة إلى المقيدة، أي: إذا صلى قيام الليل مثنى مثنى، ثم بدأ وهو في الصلاة أن يقلب نيته إلى صلاة الفجر، فهذا لا يجوز ولا يصح منه، بخلاف قلب نية الصلاة المقيدة إلى صلاة مطلقة.
وكذا لا يجوز قلب نية مقيدة إلى مقيدة، كمن قلب سنة الفجر إلى فريضة الفجر، وفي هذه الصور وغيرها بحوث كثيرة ليس هذا محل بحثها.
الثالث: أن الوتر: هو الفذ الفرد الواحد الذي لا شفع له ولا ثاني، وهذا المعنى مما أجمع عليه أهل العلم بعامة دون خلاف بينهم!
الرابع: أن الوتر مقصود لذاته، "لأن الله وتر يحب الوتر" أحمد؛ لذا فإنه يحتاج إلى نية مقيدة مقصودة، يوضحه الآتي:
أنّ من صلّى بالليل عشر أو عشرين ركعة، ولم يوتر فيها، لا يقال عنه: أوتر أجماعا!
وأنّ من اقتصر على ركعة واحدة بالليل، فيصدق عليه أنه أوتر؛ بخلاف لو اقتصر على ركعتي الشفع!
الخامس: أنّ الشفع تصلح له نية واحدة، سواء صلاها اثنتين فقط أو عشر ركعات أو أكثر، أما الوتر فيحتاج الى نية مقيدة مستقلة، لكونه مقصودة لذاته، كما مر معنا.
السادس: أنّ قول بعض الصحابة بأن النبي ﷺ: أوتر بثلاث أو أوتر بخمس ونحوه، فهذا من باب تسمية الشيء بأخص صفاته وأهمها، كقوله ﷺ: "الحج عرفة" أحمد، وقوله: "أعنِّي على نفسك بكثرة السجود" مسلم، وقد أجمع أهل العلم: أنّ المسلم لو اقتصر في حجه على الوقوف بعرفة لم يصح حجه، وكذا لو اقتصر في صلاته على السجود لا تصح صلاته!
ولهذا قالوا: هذه الأحاديث ونحوها لا ظاهر لها، لكونها خرجت من باب التغليب والتجوز، لا في حقيقة الأمر!
ويدل على ذلك: أنّ المسلم لو نوى أن يُوتر بإحدى عشرة ركعة، أو بثلاث ركعات، غير أنه لم يوتر فيها، فلا يقال عنه: إنه أوتر أجماعا، لأن النية شيء، وحقيقة الأمر شيء آخر، فلابد من نية وعمل، وقد قال النبي ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" متفق عليه.
وهذا ما نص عليه النبي ﷺ بقوله:
"صلاة الليل مثنى مثنى، تسلم في كل ركعتين، فإذا خفت الصبح؛ فصَلِّ رَكْعَةً تُوتِرُ لَكَ مَا قَبْلَهَا" أحمد، والشاهد منه: أنه ﷺ جعل الوترَ حقيقةً شرعيةً مقصودةً لذاته، كما أنه أضاف اسم الوتر لما سواه من الصلوات من باب التغليب، كما هو ظاهر الحديث.
ومن خلال ما مضى ذكره، أحببت أن أذكر نفسي وإخواني المسلمين بهذين التنبيهين، كما يلي:
التنبيه الأول: على الإمام إذا أراد أن يوصل الشفعَ بالوتر: أن يُخبر المأمومين بأنه سيوصل الشفعَ بالوتر، كي يستحضر المأموم نيةَ الوتر.
التنبيه الثاني: إذا لم يُنبّه الإمامُ على وَصله الشفع بالوتر، وقد دخل المأموم معه في الصلاة بنية الشفع، كما ظاهر حال كثير من الأئمة والمأمورين هذه الأيام: فللمأموم والحالة هذه: أن يتابع إمامه، حتى إذا سلم الإمام، قام المأموم إلى الرابعة، كي يشفع صلاته، ثم يسلم منها، ثم يصلي بعدها ركعة واحدة بنية الوتر، لكونها صلاة مقصودة، تحتاج إلى نية مقيدة، كما مر معنا.
ثم اعلم أخي المسلم: أنّ كل ما ذكرته هنا من أحكام فقهية وتفريعات أصولية: عبارة عن تخريجات لهذه المسألة بطريق الاجتهاد، ومسلك التنبيه، كي يحتاط المسلم في صلاته!
أما من تابع إمامه في الابتداء والانتهاء دون أخذ بما ذكرناه هنا: فصلاته صحيحة، لكن الأولى بالمسلم أن يحتاط في صلاته بما هو أكمل للعبادة، وأقرب للدليل، وأظهر للتعليل، والله تعالى أعلم.

وكتبه
الشيخ د/ ذياب بن سعد آل حمدان الغامدي.
( ١ / رمضان / ١٤٤٠ )