يقول تعالي "وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) الأعراف
تعددت أقوال المفسرين في المقصود بأصحاب الأعراف والقول المشهور حتى لا يكاد يعرف غيره أنهم قوم قد استوت حسناتهم مع سيئاتهم , معلقون بين الجنة والنار ينتظرون البت في مصيرهم وهذا القول لا يمكن قبوله حتى لو اشتهر بين الناس لأنه بعيد جدا عن دلالة الآيات وسياق النص الذي تحدث عنهم ولا ادري ما سبب شهرته بهذا الشكل .
ودعونا نتأمل الآيات , فأصحاب الأعراف سميت باسمهم سورة كاملة في القرآن الكريم من السبع الطوال ، ومن خلال الآيات التي تحدثت عنهم فهم رجال علي سور مرتفع بين الجنة والنار وسموا أصحاب الأعراف لأنهم في مكان مرتفع بحيث يرون الفريقين أصحاب الجنة وأصحاب النار كما يخاطبون كلا الفريقين فهم يحيون أصحاب الجنة بتحية الملائكة فالملائكة ,ينادون أصحاب الجنة بقولهم سلام عليكم يقول تعالي "وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) الزمر.كما يخاطبون أصحاب النار خطاب تلاوم, وتوبيخ وتقريع " مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ " وهو خطاب يتشابه مع خطاب خزنة النار لأهل النار ثم يخاطبون أصحاب الجنة "ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا انتم تحزنون " يعرفون كلا الفرقين بسيماهم ويعرفونهم جيدا ويذكرون لهم أقوالا ومواقف يذكرونهم بها " أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ" فهذا المكان المرتفع والمكانة الرفيعة الذين يشرفون به علي أهل الجنة وأهل النار لا يمكن ان يكون لقوم قصرت بهم أعمالهم و استوت حسناتهم مع سيئاتهم ينتظرون البت في مصيرهم وأميل الي أنهم الأنبياء الذين اقامهم الله حجة علي عبادة فهم شهداء علي اقوامهم وايضا هم ورثة الانبياء من العلماء والدعاة والمصلحين الذين هم حجة الله علي عباده بعد الانبياء وقد بين ذلك القران في موضع آخر بقوله: (ومن أظلم ممن إفترى على الله كذباً أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين) هود 18. ولو تأملنا في كلام الأشهاد في هذا الموضع لوجدناه يتطابق مع كلام أصحاب الأعراف فأصحاب الأعراف يقولون " أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة " ويقول الأشهاد أهؤلاء الذين كذبوا علي ربهم "
وقد عرضت سورة الأعراف هذا المشهد من يوم القيامة لبيان ان يوم القيامة ليس فقط يوم جزاء توفي كل نفس بما كسبت بل هو أيضا يسمي يوم الفتح ويسمي يوم الفصل لما يحدث فيه من حسم الخصومة الفصل فيما بين المختلفين " ففيه تحسم فيه الخصومة بين فريقي الصراع أهل الحق وأهل الباطل وتسوي فيه القضايا العالقة بينهما يقول تعالي "إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93) يونس . ومن كانوا حجة الله علي عباده وشهدوا الملاحم الشائكة في الصراع بين الحق والباطل سيكون لهم دورهم في هذا اليوم اذ يتوجهون بالتحية لمن استجابوا لهم وساروا معهم في ركب الإيمان كما يتوجهون بالتقريع والتوبيخ لمن ناصبوهم العداء وافتروا عليهم الكذب اذ يعرفون كلا بسيماهم وهذا من تمام ميزان العدل الذي سينصب يوم القيامة كما هو استكمال لدور الشهادة علي الامم وقد وقف الرسول صلي الله عليه وسلم يوم بدر مخاطبا صناديد الكفر بعد ان تجندلوا في قليب بدر يناديهم بأسمائهم يقول لهم لقد وجدت ما وعدني ربي حقا فهل وجدتم ما عدكم ربكم حقا ما فعله النبي صلي الله عليه وسلم جزء مما سيحدث يوم القيامة مع من جعلهم الله حجة علي أقوامهم من الأنبياء والدعاة والمصلحين والشهداء وهم اصحاب الاعراف والله اعلم