ضوابط التفسير
إبراهيم عوض
ما هى الشروط والمواصفات التى ينبغى توفرها فى من يتصدى لتفسير القرآن؟ فى الإجابة على ذلك السؤال نبدأ بالإشارة إلى ما قاله الزركشى، فى الفصل الخاص بــ"حاجة المفسر الى الفهم والتبحر في العلوم" من كتابه: "البرهان فى علوم القرآن"، من أن فهم القرآن يحتاج إلى معرفة كل العلوم لأن بحر القرآن زاخر عميق، وإن كان قد عاد فخص بالذكر أربع ركائز تضبط الاستفادة من تلك العلوم التى لا تتناهى، قائلا‏:‏ "لطالب التفسير مآخذ كثيرة‏‏ أمهاتها أربعة‏.‏ الأول‏:‏ النقل عن النبي ، وهذا هو الطراز الـمُعْلَم. لكن يجب الحذر من الضعيف منه والموضوع، فإنه كثير... الثاني‏:‏ الأخذ بقول الصحابي، فإن تفسيره عندهم بمنزلة المرفوع إلى النبي ... الثالث‏:‏ الأخذ بمطلق اللغة، فإن القرآن نزل بلسان عربي... الرابع‏:‏ التفسير بالمقتضَى من معنى الكلام والمقتضَب من قوة الشرع، وهذا هو الذي دعا به النبي لابن عباس حيث قال‏:‏ اللهم فَقِّهْه في الدين وعَلِّمْه التأويل، والذي عناه عليٌّ بقوله‏:‏ إلا فهمًا يؤتاه الرجل في القرآن‏.‏ ومن هنا اختلف الصحابة في معنى الآية، فأخذ كلٌّ برأيه على منتهى نظره‏.‏ ولا يجوز تفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل. قال تعالى: "ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم". وقال: "وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون". وقال: "لتبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم". أضاف البيان إليه‏".
وفى "الإتقان فى علوم القرآن" للسيوطى: "قال العلماء‏:‏ من أراد تفسير الكتاب العزيز طلبه أولاً من القرآن، فما أُجْمِل منه في مكان فقد فُسِّر في موضع آخر، وما اختُصِر في مكان فقد بُسِط في موضع آخر منه‏... فإن أعياه ذلك طلبه من السنّة، فإنها شارحة للقرآن وموضّحة له‏.‏ وقد قال الشافعي ‏:‏ كل ما حكم به رسول الله فهو مما فهمه من القرآن. قال تعالى: "إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله" في آياتٍ أُخَر. وقال ‏:‏ "ألا إني أوتيتُ القرآن ومثله معه"‏، عَنَى السُّنّة. فإن لم يجده من السُّنّة رجع إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله، ولما اختُصّوا به من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح‏. وقد روى الحاكم في "المستدرك" أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزل، له حكم المرفوع‏.‏ وقال الإمام أبوطالب الطبري في أوائل تفسيره:... اعلم أن من شرطه صحة الاعتقاد أولا لزوم سنة الدين، فإن من كان مغموصًا عليه في دينه لا يؤتمن على الدنيا، فكيف على الدين؟ ثم لا يؤتمن في الدين على الإخبار عن عالم، فكيف يؤتمن في الإخبار عن أسرار الله تعالى؟ ولأنه لا يؤمَن إن كان متَّهمًا بالإلحاد أن يبغي الفتنة ويَغُرّ الناس بليّه وخداعه... ويجب أن يكون اعتماده على النقل عن النبي وعن أصحابه ومن عاصرهم ويتجنب الـمُحْدَثات. وإذا تعارضت أقوالهم وأمكن الجمع بينها فعلى نحو أن يتكلم على "الصراط المستقيم"، وأقوالهم فيه ترجع إلى شيء واحد، فيدخل منها ما يدخل في الجمع، فلا تنافي بين القرآن وطريق الأنبياء، فطريق السُّنّة وطريق النبي وطريق أبي بكر وعمر، فأيّ هذه الأقوال أفرده كان محسنًا‏.‏ وإن تعارضت رد الأمر إلى ما ثبت فيه السمع. فإن لم يجد سمعًا، وكان للاستدلال طريق إلى تقوية أحدهما، رجَّح ما قَوِيَ الاستدلال فيه كاختلافهم في معنى حروف الهجاء: يرجّح قول من قال إنها قَسَم‏. ‏وإن تعارضت الأدلة في المراد علم أنه قد اشتبه عليه فيؤمن بمراد الله تعالى ولا يتهجم على تعيينه وينزّله منزلة المجمل قبل تفصيله، والمتشابه قبل تبيينه‏".‏
ثم عاد السيوطى فطرح القضية من جديد موردا الآراء المختلفة فيها فقال: "اختلف الناس في تفسير القرآن: هل يجوز لكل أحد الخوض فيه؟ فقال قوم‏:‏ لا يجوز لأحد أن يتعاطى تفسير شيء من القرآن، وإن كان عالمًا أديبًا متسعًا في معرفة الأدلة والفقه والنحو الأخبار والآثار، وليس له إلا أن ينتهي إلى ما رُوِيَ عن النبي في ذلك‏. ومنهم من قال‏:‏ يجوز تفسيره لمن كان جامعًا للعلوم التي يحتاج المفسر إليها، وهي خمسة عشر علمًا‏. أحدها‏:‏ اللغة لأن بها يعرف شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها بحسب الوضع‏‏.‏.. ولا يكفي في حقه معرفة اليسير منها، فقد يكون اللفظ مشتركًا، وهو يعلم أحد المعنيين، والمراد الآخر‏. ‏الثاني‏:‏ النحو لأن المعنى يتغير ويختلف باختلاف الإعراب، فلا بد من اعتباره‏.‏.. الثالث‏:‏ التصريف لأن به تُعْرَف الأبنية والصيغ‏.‏.. الرابع‏:‏ الاشتقاق لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين اختلف باختلافهما، كالمسيح: هل هو من السياحة أو المسح‏؟‏ الخامس والسادس والسابع‏:‏ المعاني والبيان والبديع لأنه يُعْرَف بالأول خواصّ تراكيب الكلام من جهة إفادتها المعنى، وبالثاني خواصّها من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها، وبالثالث وجوه تحسين الكلام. وهذه العلوم الثلاثة هي علوم البلاغة، وهي من أعظم أركان المفسر لأنه لا بد له من مراعاة ما يقتضيه الإعجاز، وإنما يُدْرَك بهذه العلوم‏... الثامن‏:‏ علم القراءات لأن به يعرف كيفية النطق بالقرآن، وبالقراءات يترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض‏.‏ التاسع‏:‏ أصول الدين بما في القرآن من الآية الدالة بظاهرها على ما لا يجوز على الله تعالى، فالأصولي يؤوّل ذلك ويستدل على ما يستحيل وما يجب وما يجوز. العاشر‏:‏ أصول الفقه، إذ به يُعْرَف وجه الاستدلال على الأحكام والاستنباط‏.‏ الحادي عشر‏:‏ أسباب النزول والقصص، إذ بسبب النزول يعرف معنى الآية الـمُنْزَلة فيه بحسب ما أُنْزِلت فيه‏.‏ الثاني عشر‏:‏ الناسخ والمنسوخ ليعلم المحكم من غيره. الثالث عشر‏:‏ الفقه‏.‏ الرابع عشر‏:‏ الأحاديث المبيِّنة لتفسير المجمل والمبهم‏. الخامس عشر‏:‏ علم الموهبة، وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم. وإليه الإشارة بحديث "من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم". قال ابن أبي الدنيا‏:‏ وعلوم القرآن وما يستنبط منه بحر لا ساحل له‏.‏ قال‏:‏ فهذه العلوم التي هي كالآلة للمفسر لا يكون مفسرًا إلا بتحصيلها. فمن فسر بدونها كان مفسرًا بالرأي المنهي عنه، وإذا فسر مع حصولها لم يكن مفسرًا بالرأي المنهي عنه‏.‏ قال‏:‏ والصحابة والتابعون كان عندهم علوم العربية بالطبع لا بالاكتساب، واستفادوا العلوم الأخرى من النبي ‏. قلت‏:‏ ولعلك تستشكل علم الموهبة وتقول‏:‏ هذا شيء ليس في قدرة الإنسان. وليس كما ظننتَ من الإشكال، والطريق في تحصيله ارتكاب الأسباب الموجبة له من العمل والزهد". وقد نقل د. أحمد الشرباصى هذه الشروط كما هى: لم يخرم منها شيئا، ولم يزد عليها شيئا (انظر كتابه: "قصة التفسير"/ 25- 29).
وواضح أن من رفضوا قيام أحد بتفسير القرآن مهما كان حظه من العلم إلا إذا كان تفسيره نقلا عن رسول الله إنما حجّروا واسعا، وبخاصة أنه لم يُنْقََل عن رسول الله تفسير جميع الآيات القرآنية كما قلنا من قبل، بل بعضها فحسب، وهو تفسير مباشر وموجز عادة. كما أن العصور التالية لعصره شهدت مستجدّات كثيرة لا حصر لها تحتاج إلى أن يُعْمِل أهلُ كل عصر عقولَهم فى تفسير القرآن الكريم، فكيف نفعل؟ أنقف مكتوفى الأيدى نبكى حظنا ولا نصنع شيئا ما دام لم يصلنا عن الرسول فى ذلك شىء؟ ثم إن القرآن إنما أُنْزِل لكل العصور والأمم والبلاد، ومعروف أن كل أمة وكل عصر وكل بلد له أوضاعه التى ينبغى البحث لها عن حكم القرآن فيها مما لم يتناوله رسول الله ولا صحابته. وبالمثل لا يمكن أن تشبع التفاسير القليلة التى وردتنا عن رسول الله وصحابته حاجة العقل الحديث مثلا بكل تطلعاته وما يعرض له من شبهات وتساؤلات، وإن كانت هذه التفاسير تتضمن البذور التى يمكن توليد الإجابات المطلوبة منها.
وفى "مناهل العرفان" للزرقانى يقول ذلك العالم: "قد بين العلماء أنواع العلوم التي يجب توافرها في المفسر فقالوا: هي اللغة والنحو والصرف وعلوم البلاغة وعلم أصول الفقه وعلم التوحيد ومعرفة أسباب النزول والقصص والناسخ والمنسوخ والأحاديث المبينة للمجمل والمبهم وعلم الموهبة، وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم، ولا يناله من في قلبه بدعة أو كبر أو حب دنيا أو ميل إلى المعاصي. قال تعالى: سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق...". وكما يرى القارئ فهى نفس الشروط التى أوردناها من "الإتقان"، ومن ثم فلا جديد فيها، إلا أن الزرقانى سرعان ما يضيف قائلا إن "هذه الشروط التي ذكرناها وهذه العلوم كلها إنما هي لتحقيق أعلى مراتب التفسير، مع إضافة تلك الاعتبارات المهمة المسطورة في الكلمات القيمة الآتية. أما المعاني العامة التي يستشعر منها المرء عظمة مولاه والتي يفهمها الإنسان عند إطلاق اللفظ الكريم فهي قدر يكاد يكون مشتركا بين عامة الناس، وهو المأمور به للتدبر والتذكر لأنه سبحانه سهَّله ويسَّره، وذلك أدنى مراتب التفسير. قال العلامة المرحوم الشيخ محمد عبده ما خلاصته: للتفسير مراتب أدناها أن يبين بالإجمال ما يُشْرِب القلبَ عظمة الله وتنزيهه ويصرف النفس عن الشر ويجذبها إلى الخير. وهذه هي التي قلنا إنها متيسرة لكل أحد: "ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مُدَّكِر". وأما المرتبة العليا فهي لا تتم إلا بأمور: أحدها فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن بحيث يحقق المفسر ذلك من استعمالات أهل اللغة غير مكتف بقول فلان وفهم فلان، فإن كثيرا من الألفاظ كانت تستعمل في زمن التنزيل لمعانٍ ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد. ومن ذلك لفظ "التأويل": اشتهر بمعنى التفسير مطلقا أو على وجه مخصوص، ولكنه جاء في القرآن بمعان أخرى كقوله تعالى: "هل ينظرون إلا تأويله؟ يوم يأتي تأويله يقول الذين نَسُوه من قبل: قد جاءت رسل ربنا بالحق"، فإن المراد به العاقبة وما يَعِد به القرآن من المثوبة والعقوبة، أي ما يؤدي إليه الأمر في وعده ووعيده. فعلى المحقق المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله. والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه وينظر فيه، فربما استُعْمِل بمعان مختلفة كلفظ "الهداية" وغيره، ويحقق كيف يتفق معناه مع جملته من الآية فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه. وقد قالوا: إن القرآن يفسر بعضه بعضا، وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ موافقته لما سبق له من القول واتفاقه مع جملة المعنى وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته. ثانيها الأساليب، فينبغي أن يكون عنده من علمها ما يفهم به هذه الأساليب الرفيعة، وذلك يحصل بممارسة الكلام البليغ ومزاولته مع التفطن لنكته ومحاسنه والوقوف على مراد المتكلم منه. نعم إننا لا نتسامى إلى فهم مراد الله تعالى كله على وجه الكمال والتمام، ولكن يمكننا فهم ما نهتدي به بقدر الطاقة. ويُحْتَاج في هذه إلى علم الإعراب وعلم الأساليب (المعاني والبيان). ولكن مجرد العلم بهذه الفنون وفهم مسائلها وحفظ أحكامها لا يفيد المطلوب. تَرَوْن في كتب العربية أن العرب كانوا مسدَّدين في النطق، يتكلمون بما يوافق القواعد قبل أن توضع. أتحسبون أن ذلك كان طبيعيا لهم؟ كلا، وإنما هي ملكة مكتسبة بالسماع والمحاكاة. لذلك صار أبناء العرب أشد عجمة من العجم عندما اختلطوا بهم، ولو كان طبيعيا ذاتيا لهم لما فقدوه في مدة خمسين سنة من بعد الهجرة. ثالثها علم أحوال البشر، فقد أنزل الله هذا الكتاب وجعله آخر الكتب وبيّن فيه ما لم يبينه في غيره، وبين فيه كثيرا من أحوال الخلق وطبائعه وسننه الإلهية في البشر وقص علينا أحسن القصص عن الأمم وسِيَرها الموافقة لسنته فيه، فلا بد للنظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم وأدوارهم ومناشئ اختلاف أحوالهم من قوة وضعف وعز وذل وعلم وجهل وإيمان وكفر، ومن العلم بأحوال العالم الكبير علويّه وسفليّه. ويحتاج في هذا إلى فنون كثيرة من أهمها التاريخ بأنواعه. أجمل القرآن الكلام عن الأمم وعن السنن الإلهية وعن آياته في السموات والأرض وفي الآفاق والأنفس، وهو إجمال صادر عمن أحاط بكل شيء علما، وأمرنا بالنظر والتفكر والسير في الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذي يزيدنا ارتقاء وكمالا. ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة في ظاهره لكنا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده لا بما حواه من علم وحكمة. رابعها العلم بوجه هداية البشر كلهم من القرآن، فيجب على المفسر القائم بهذا الفرض الكِفَائي أن يعلم ما كان عليه الناس في عصر النبوة من العرب وغيرهم لأن القرآن ينادي بأن الناس كلهم كانوا في شقاء وضلال، وأن النبي بُعِث به لهدايتهم وإسعادهم. وكيف يفهم المفسر ما قبحته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة أو ما يقرب منها إذا لم يكن عارفا بأحوالهم وما كانوا عليه؟ يُرْوَى عن عمر أنه قال: إن أجهل الناس بأحوال الجاهلية هو الذي يخشى ان ينقض عُرَى الإسلام عروة عروة. أهـ بالمعنى. والمراد أن من نشأ في الإسلام ولم يعرف حال الناس قبله يجهل تأثير هدايته وعناية الله بجعله مغيرا لأحوال البشر ومخرجا لهم من الظلمات إلى النور. ومن جهل هذا يظن أن الإسلام أمرٌ عاديٌّ كما ترى بعض الذين يتربَّوْن في النظافة والنعيم يَعُدّون التشديد في الأمر بالنظافة والسواك من قبيل اللغو لأنه من ضروريات الحياة عندهم. ولو اختبروا غيرهم من طبقات الناس لعرفوا الحكمة في تلك الأوامر وتأثير تلك الآداب من أين جاء. خامسها العلم بسيرة النبي وأصحابه وما كانوا عليه من علم وعمل وتصرف في الشؤون دنيويها وأخرويها". وقد نقل الزرقانى كلام الشيخ محمد عبده الآنف الذكر من تفسير المنار، لكن مع شىء من التصرف. وواضح ما أضافه الشيخ من العلوم التى لم يُنَصّ على ذكرها لا فى "البرهان" ولا فى "الإتقان" كالتاريخ والأسلوب السليم لهداية البشر.
والواقع أننا كلما ازددنا علما وتعمقنا فى ميادين المعرفة كنا أقدر على مواجهة النص، أىّ نص، وأقمن بالنجاح فى هذه المواجهة مما لو لم نزدد علما ونتعمق فى ميادين المعرفة. فما بالنا لو كان هذا النص هو القرآن، الذى نزل من عند الله العليم الخبير المحيط بكل ما فى الكون على رحابته التى لا تتناهى، والذى يتناول كل القضايا ويتعرض لأمور الحياة على اختلاف مجالاتها؟ إن ما ذكره العلماء الذين نقلنا عنهم ما نقلنا من العلوم التى يحتاجها المفسر إنما هو عينة فقط من تلك العلوم، وإلا فإن فهم القرآن الفهم العميق والأقرب إلى السلامة يعتمد على ما لا يُحْصَى من العلوم. ولا شك أنه كلما جد علم كان الإلمام به، إن لم يكن التعمق فيه، أمرا مطلوبا، بل واجبا. وعلى هذا لا يكفى ما ذكره العلماء من علوم لازمة للمفسر، بل يضاف إليها النقد الأدبى والفنون التشكيلية والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع والنفس والفلسفة ومقارنة الأديان والإحصاء والاقتصاد والسياسة والجيولوجيا والفلك والكيمياء والطبيعة والطب والفضاء والذرة...إلخ إن كان لدنيا العلم من آخِرٍ تنتهى عنده، وهيهات! ولقد أحسن د. محمد حسين الذهبى حين قال فى كتيّبه: "علم التفسير" بعد أن نقل ما أورده السيوطى من تلك العلوم مما نقلناه آنفا: "وقد زاد بعضهم علم أحوال البشر، وبعضهم علمى التاريخ وتقويم البلدان، وبعضهم نقص مما ذكرناه. وأيا ما يكن الأمر فكل علم يتوقف عليه تفسير شىء من كتاب الله تعالى بجب على المفسر معرفته، وإلا كان غير مستوفٍ شروطَ المفسر" (دار المعارف/ سلسلة "كتابك"/ العدد 9/ 1977م/ 55).
والواقع أن الإنسان مهما تذرع لمهمة التفسير بكل ما هنالك من علم ومعارف فلا مناص له من الوقوع فى الخطإ ولو على سبيل السهو، حتى لو كانت المسألة التى يتناولها فى التفسير مسألة بسيطة غير معقدة. وهذا أمر طبيعى، فكلنا بشر، والبشر بفطرتهم يصيبون ويخطئون، ويكمل بعضهم بعضا: بالتصحيح والاستدراك والتنبيه والإضافة...إلخ. ومثالا على ذلك يكفى أن أشير إلى أن الشوكانى، وهو عالم ومفسر له وزنه واحترامه، قد سها فى استشهاده بالشعر على بعض ألفاظ القرآن الكريم، فاستشهد مثلا بالفعل: "جعل" فى قول الشاعر:
وقد جعلتُ أرى الإثنين أربعةً والأربع اثنين لـمّا هَدَّنِى الكِبَرُ
على "جَعَل" فى قوله عز شأنه: "الذى جعل لكم الأرضَ فِرَاشًا والسماءَ بِنَاء" (البقرة/ 22)، وهذا نص ما قال: "وجعل هنا بمعنى "صَيَّرَ" لتعدّيه إلى المفعولين، ومنه قول الشاعر:
وقد جعلت أرى الإثنين أربعةً والأربع اثنين لما هدَّني الكبر
رغم أنه من الوضوح بمكان مكين أن "جَعَل" هنا غير "جَعَل" هناك: فهى فى الآية فعل يتعدى إلى مفعولين اثنين، ومعناه: "صَيَّر"، أما فى الشاهد الشعرى فهى فعل لازم غير متعدٍّ: لا إلى مفعولين ولا إلى مفعول واحد، ولا تعنى "صَيَّر" بل "بدأ". ومعنى البيت أن الشاعر بعد أن طعن فى السن وضعف بصره بدأ يرى الأشياء مضاعفة. ولقد شرح القرطبى الفعل فى هذا الشاهد على أنه زائد، ولا أدرى كيف. وأغلب الظن أن الشوكانى قد وهم فانقرأت الجملة فى ذهنه هكذا: "ولقد جعلت الاثنين أربعة"، وإلا فإن مثله لا يجهل أن ما قاله لا وجه له.
وفى تفسير قوله تعالى: "كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ" من الآية الرابعة عشرة فى سورة "الرعد": "لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ" نجد مثلا الطوسى (ت 460هـ) فى "تفسير التبيان الجامع لعلوم القرآن" يقول إن "العرب تضربه مثلاً لمن سعى فيما لا يدركه كالقابض على الماء"، ثم يستشهد على ذلك بالبيتين الشعريين التاليين:
فإني وإياكم وشوقًا إليكمو كقابض ماء لم تسقه أنامله

فأصبحت مما كان بيني وبينها من الود مثل القابض الماء باليد
رغم أن الصورة البيانية فى الآية تختلف عن نظيرتها فى البيتين كما هو بَيِّنٌ جَلِىّ. والعجيب أنه قد أورد التفسير الصحيح لتلك العبارة عن مجاهد والحسن، وكان ينبغى أن ينبهه هذا إلى خطإ الاستشهاد عليها بالبيتين المذكورين، لكنه للأسف لم يتنبه. وهذا ما قاله ذانك المفسران كما نقله هو نفسه عنهما: "قال مجاهد: كباسط كفه إلى الماء مشيرًا اليه من غير تناول الإناء ليبلغ فاه ببسط كفه ودعائه له. وقال الحسن: معناه كباسط كفيه الى الماء، فمات قبل أن يصل اليه". بيد أنه للأسف قد عقَّب على ذلك بقوله: "والعرب تضربه مثلاً لمن سعى فيما لا يدركه كالقابض على الماء"، ثم مرّ فأورد الشاهدين المذكورين.
ومثله فى هذا الإمام الشوكانى، الذى قال: "والآلهة الذين يدعونهم، يعني الكفار، من دون الله عزّ وجلّ لا يستجيبون لهم بشيء مما يطلبونه منهم كائنًا ما كان إلا استجابةً كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه من بعيد، فإنه لا يجيبه لأنه جماد لا يشعر بحاجته إليه، ولا يدري أنه طلب منه أن يبلغ فاه. ولهذا قال: وَمَا هُوَ، أي الماء بِبَالِغِهِ، أي ببالغِ فيه. قال الزَّجّاج: إلاّ كما يستجاب للذي يبسط كفيه إلى الماء يدعو الماء إلى فيه، والماء لا يستجيب. أعلم الله سبحانه أن دعاءهم الأصنام كدعاء العطشان إلى الماء يدعوه إلى بلوغ فمه، وما الماء ببالغه. وقيل: المعنى أنه كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه فلا يحصل في كفه شيء منه. وقد ضربت العرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلاً بالقبض على الماء كما قال الشاعر:
فأصبحت مما كان بيني وبينها من الود مثل القابض الماء باليد
وقال الآخر:
ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابضٍ على الماء، خانته فروج الأصــابع
وقال الفَرّاء: إن المراد بالماء هنا ماء البئر...، وإنه شبهه بمن مد يده إلى البئر بغير رشاء. ضرب الله سبحانه هذا مثلاً لمن يدعو غيره من الأصنام. وَمَا دُعَاء ٱلْكَـٰفِرِينَ إِلاَّ فِى ضَلَـٰلٍ، أي يضلّ عنهم ذلك الدعاء فلا يجدون منه شيئا، ولا ينفعهم بوجه من الوجوه، بل هو ضائع ذاهب".
ومثله أيضا د. محمد سيد طنطاوى، الذى أورد فى تفسير العبارة أقوالا ثلاثة نقلها عن القرطبى، ثم لم يضف شيئا ولم يحاول أن يدلى برأيه فى الأمر، بل نقل كلام القرطبى ومضى. قال: "قال القرطبى: وفى معنى هذا المثل ثلاثة أوجه: أحدها أن الذى يدعو إلها من دون الله كالظمآن الذى يدعو الماء إلى فيه من بعيد يريد تناوله ولا يقدر عليه بلسانه، ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبدا لأن الماء لا يستجيب، وما الماء ببالغ إليه: قاله مجاهد. الثانى أنه كالظمآن الذى يرى خياله فى الماء، وقد بسط كفه فيه ليبلغ فاه وما هو ببالغه، لكذب ظنه وفساد توهمه: قاله ابن عباس. الثالث أنه كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه، فلا يجد فى كفه شيئا منه. وقد ضربت العرب مثلا لمن سعى فيما لا يدركه، بالقبض على الماء كما قال الشاعر:
ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض على الماء، خانته فروج الأصابع".
والمعنى فى الآية واضحٌ جلىٌّ، وهو أن دعاء الكفار للأصنام لا يفيدهم بشىء مثلما لا يفيد العطشانَ أن يمد كفيه نحو الماء دون أن ينزل إلى البئر ويغترف منها ما يطفئ به ظمأه، إذ إن الماء لن يقفز فى الهواء ويستقر فى كفه. ومن ثم فلا صلة بين العبارة والشاهد الشعرى على الإطلاق.