قال تعالي "قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29) ق
ليس معني القرين هنا هو كما يتناوله السحرة والمشعوذون والجهال من أن لكل رجل أخت من الجن قرين ولكل امرأة أخ من الجن قرين له يقومون بالتعامل معه من تحضيره إلي آخر هذه الخرافات التي يروجها السحرة والمشعوذون للضحك علي العامة والبسطاء وابتزازهم
ونحاول هنا ان نسلط الضوء علي معني القرين كما عرضه القران لا كما يعرضه المشعوذون وأهل الجهالة ففي سورة الزخرف تبين لنا أن الله قيض أي هيئ لمن يعمي ويغفل عن ذكر الله شيطانا يكون له قرين قال تعالي " ومَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) الزخرف ,وعلينا أن نلاحظ أن الشياطين في بيان القران المقصود بهم شياطين الإنس والجن وليس الشيطان قاصرا علي الجن فقط فلقد حذر القران من شياطين الإنس والجن علي السواء قال تعالي " وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)الأنعام ,وجاء القرين في القران جمعا وإفرادا فقال تعالي " وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) فصلت
والقرين أو القرناء هي حالة متقدمة من إغواء وإضلال الشيطان للإنسان إذ يكون قريبا جدا من الإنسان بعد أن كان يمارس ضلاله في الدائرة العامة بالوسوسة وتزيين المنكر ففي الحالة العامة تكون فرصة الإنسان لتجنب هذا الضلال سهلة إذ يكفي كلما وسوس له الشيطان أن يستعيذ بالله منه , ويكفي كلما مسه طائف من الشيطان أن يذكر الله فسرعان ما يعود إلي الصواب لكن إن استمر في الغفلة وأصبح عدم الذكر او الغفلة حالة عمي دائم عبر عنه القران باللفظ " يعش " فالعشي حالة عدم إبصار دائمة في هذه الحالة يأخذ الشيطان منه موقعا متقدما أكثر من الوسوسة العامة والتزيين العام للمنكرات فيصبح كالمستشارا المخصوص له , وهي حالة الملازمة والاقتران في كل الأحوال حتى يوصف بأنه قرين, أي ملازم طوال الوقت وفي كل الأحوال والآية تحدثنا عن المواجهة بين الإنسان وبين الشيطان الذي اتخذه الإنسان بنفسه قرينا ملازما له .
وهذه المواجهة يمكن أن نفهمها في ضوء ما ذكره القران من المواجهات العديدة التي ستحدث يوم القيامة بين فرق الضلال بعضهم البعض فهناك مواجهة بين الأتباع والمتبوعين يتبرأ بعضهم من بعض عرضتها سورة البقرة قال تعالي " إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) البقرة ,وهناك مواجهة بين الذين استكبروا وبين الذين استضعفوا عرضتها سورة سبأ قال تعالي " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33) سبأ ,وهناك مواجهة عامة بين الشيطان الأكبر بعد انتهاء الحساب واستقرار أهل النار في النار فيقف الشيطان علي منبر في جهنم يخطب في أتباعه ينفي مسئوليته في إضلالهم ويلقي باللائمة عليهم عرضتها سورة إبراهيم قال " وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) إبراهيم ,وفي سورة فصلت يتمني الكفار أن ينتقموا ممن أضلوهم " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29) فصلت ,وفي هذه السورة تعرض هذه المواجهة بين الإنسان وبين قرينه من الشيطان والشيطان هنا قد يكون واحدا أو جمعا من الجن أو الإنس وقد اسلم الانسان له نفسه في الدنيا فحاق بالخسران المبين , في هذه الآية يلقي القرين باللائمة علي الإنسان وانه هو الذي جعله قرين ووطد علاقته به ابتداء بان كان منغمسا بإرادته في مستنقع الضلالة" " قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ " والعظة من الآية أن الإنسان بغفلته وطغيانه هو من يصنع القرين من الشيطان وهو الذي يوطد العلاقة بينه وبين الشياطين حتى أصبحوا قرناء له ملازمين له , وكان يمكن أن يتجنب هذا بان لا تطول غفلته فكلما اقترف ذنبا تاب من قريب وكلما غفل عن ذكر الله عاد بسرعة فلا تطول حالة الغفلة و لا يطول زمن سيره في طريق الضلال فيتحكم فيه الشيطان ويصبح قرينا له ويصبح من الصعب التخلص من سلطة الشيطان كما كانت في الأحوال العادية بل يحتاج إلي ما يشبه الانقلاب في حياته فيحتاج إلي أحداث ضخمة في حياته من البأساء والضراء تجعله يقلب حياته رأسا علي عقب وقد لا تجدي هذه أيضا اذ تكون القلوب قد قست وتحجرت واستعصت علي أي نوع من الهداية والآية تنبهنا إلي أن نأخذ حذرنا منذ البداية فالصغيرة من الذنب لن تستمر صغيرة بل ستكبر وطاعة الشيطان في بعض الامر توشك ان تكون في كل الامر بل يوشك ان يكون الشيطان قرينا وصاحبا وملازما نسال الله العافية وان يأخذ بأيدينا أولا بأول إلي طريق الهداية