قال محمد الأنصاري في الباب 35 من رسالة السائل والمجيب :

المجلس الثالث بمدينة مجريط أعادها الله للإسلام. كان هذا المجلس في شارع قصر الملك، ونحن ننتظر خروجه.
اجتمع إلي [فيه] جماعة من الأساقفة والشمامسة ، فقالوا: "إنا سائلوك عن شيء وطالبون جوابك عليه، وهو أنَّـا نعلم أنك تتعاطى شيئاً من علوم شريعتك، وقد اطَّـلعت أيضاً على شريعتنا، وينبغي أن يكون قد ظهر لك الحق، فلم لا تدخل في دين المسيح والعهد الصريح؟ وأنت تعلم فضل المسيح ودينكم يُـثَـبِّته ويقره، وأنتم تقولون إنه "رسول الله وكلمته، ألقاها إلى مريم وروح منه" ، وهذا الكلام يؤذن باتفاقكم معنا إذ قال فيه: "وروح منه"، ونحن نقول: "باسم الآب والإبن وروح القدس"، ثم نقول إلهاً واحداً، فما جوابك عن هذا؟".
قلت: "عَيِّنوا [لي] واحداً منكم للكلام عنكم كي أجيبه".
فأشاروا إلى واحد منهم، فقال: "تكلم!".
قلت: أما قولكم إني قد اطَّلعت على الحق، فلعمري إنه لكذلك، ولقد ظهر لي من اضطراب أحوالكم ما لم يكن في علمي، ولا أن واحداً من ولد آدم يقول بمثل قولكم، وسأبين لك ذلك إن شاء الله بعد أن أبين لك ما ذكرت من نص كتابنا.
اعلم أن كل ما وَرَدَ من إضافة [روح] المسيح إلى الله إنما هي إضافة تشريف وتكريم، كما يقال في المسجد بيت الله، ولا شك أن البيوت كلها لله، وإنما خُصَّص المسجد بإضافته إلى الله لشرفه بين البقاع، وأنتم تتعاطون هذا الكلام صباحاً ومساءً، فإضافتكم جل الأمور إلى الله لا إضافة حقيقية، كما زلت بكم القدم في اعتقادها، إذ هو غير الحلول، وربنا يتعالى عن ذلك، فهذا معنى ما ذكرت من نص كتابنا.
وأما ما قُلتَ أنه يظهر لي من حق دينكم، فقد اتضح لي من ذلك ما لا أحتاج معه إلى شاهد غيره على بطلانه وتناقضه، وذلك من الإنجيل الذي بين أيديكم، وهو أنكم تقولون من جهة أنه الله ، ومن جهة أخرى أنه ابن الله .
وهذه القولة الشنعاء لا تستند إلى أصل في دينكم، ولا نُصَّ عليها في كتاب من الكتب التي بين أيديكم بوجه ولا بحال ، بل المنصوص الذي في إنجيلكم على لسان المسيح هو خلاف ما تعتقدون من كل وجه، إذ فيه تكذيبكم على كل حال.
فأول ذلك من رواية يحيى ، أن المسيح لما رأى تكذيب اليهود إياه وإذايتهم له، قال لأصحابه: "اخرجوا بنا إلى بلاد جلجال لعلهم يقبلون مني ما جئت به، لأنه لم يُـقبَل قط نبي بأرضه" . فقد صرَّح ونصَّ أنه نبي غير مقبول منه، فهلاَّ قال: "لم يُقبَل قط إله" كما قال: "لم يٌـقبَل نبي".
وفي فصل آخر منه، لما ذهب إلى مدينة سام ووجد العجوز تبكي على قبر ابنها وقد اشتدّ حزنها [عليه] ، فدعا الله وأحياه لها حتى كلَّمه هو وكلَّمته العجوز، فقالت العجوز وجميع من حضر "إن النبي لنبي كريم" ، فهلاَّ قالوا: "إله" أو هلاَّ ردَّ عليهم فيما قالوه، بل لو علِم بنو إسرائيل منه دعوى الإلهية لقتلوه لحينه، وزادوا في التشنيع عليه، إذ كانوا أحرص الناس على استنقاصه والنَّيـْل منه بقصد تكذيبه، وكانوا يحفظون عليه كل ما يَلفظ، ولو لَفظ بشيء مما تزعمون لكان ذلك قُرة أعينهم، لأنهم كانوا يلتمسون مثـل [ذلك] ليغروا به جهالهم، ولو سمعوا ذلك منه لابتهجوا بذكره تشنيعاً عليه، ولسطَّروه إلى آخر الدهر. ولم يُحفَظ قط عنهم أنهم أنكروا عليه إلا دعوى النبوءة، وهم قومه ورهطه ومباشروه.
وفي فصل من الإنجيل أيضاً أن بني إسرائيل اجتمعوا إليه يطلبون منه معجزة قائلين : "حتى متى يطول دعواك، أظهِر لنا معجزة تدل على صدقك وإلا أرِحنا من نفسك". فقال: "إن القبيلة الفاجرة تطلب مني معجزة، ولست بمعطيها لهم أبداً ".
وفي فصل منه أيضاً: "لما جاءت أم السَبْدَيْ بولديها إلى المسيح، فقالت: "أيها المعلم الصالح! جئتك بابني هذين كي تجعل أحدهما عن يمينك والآخر عن يسارك فقال لها: لا تقولي أيها المعلم الصالح! فإنما الصالح الله، وليس جعل ابنيك يميناً ويساراً إلي، إنما ذلك إلى الله ربي ومولاي" .
أما أنه معشر المكابرين، قد أقر بأن السعادة والشقاوة بيد الله، وأن له ربا ومولى، وكذلك المرأة المذكورة لم تقل: "يا رب!" وإنما قالت: "أيها المعلم الصالح!".
وفي فصل آخر من الإنجيل أيضاً، يقول المسيح فيه للحواريين: "معشر الحواريين! لا تسلكوا في سائر الأجناس، واقتصروا على الغنم الرابضة من بيت إسرائيل، فإنما بعثت لبني إسرائيل خاصة " .
فهذا إقرار المسيح في غير ما نصٍّ من الإنجيل كثيرة، تركتُ ذكرها خوف الإطالة، فأتوني بنص واحد أنه قال إنه إله، وأنَّى لكم بما لم يُحفَظ عنه قط، وحاشا لجلاله من ذلك.
ومن الدلائل المكذِّبة لكم وأنتم لا تشعرون، ما اتفق عليه علماؤكم من قصة الصَّـلب [أن المسيح] قال عندما أراد اليهود صلبه: "إلهي! إن نفسي قد جزعت من الموت" .
وأن أمه مريم قالت هذا بزعمكم ونقلكم، وهو: "يا رب! إن كان يمكن أن يذوق الموت غير ابني في هذا المقام، فخلِّصه لي " . فإن كان ذلك، فلِم لَم تقل: "يا رب! خلص ولدك أو خلص نفسك"؟
ومن أعجب التخاليط والأغاليط قولكم في الحلول والاتحاد أنه قَصد أن تصلبه اليهود ليخلصهم من النار، ثم أنتم متـفقون معشر المُهَوَّسِين أنه هرب واختفى حين طلبه بنو إسرائيل ليقتلوه ، وأنهم طلبوه ودلهم عليه يهوذا الإشْكَرِيُوتُ بثلاثين درهماً كما في زعمكم .
أنظر إلى هذا التناقض الصريح، إذ لو كان [قصد] بالإلتحام قتل اليهود إياه- كما تزعمون- لم يفر ولم يخف عند وقوع ذلك حتى يُخفي نفسه، أو يدل عليه غيره، والفرار من الموت والاختفاء [من شِيَم] البشر الضعفاء، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
فيا ليت شعري! بأي تأويل وخيم تأولون هذه النصوص الصريحة. نعم، لقد انقطع تأويلكم "وضل عنكم ما كنتم تزعمون" .
فلما [بَلَغْتُ] إلى هذا الحد، رأيت الأسقف كأنه أُلْقِمَ حَجَراً، وكَثُرَ لَغَطُ أصحابه قائلين: "ما قلتَ صحيح، إنه لم يُنَص على ذلك في الإنجيل، ولكن أساقفتنا فهموه من تأويلات وقرائن أحوال".
قلت لهم : "إن مَن يترك نص نَبِيِّهِ في أصل الاعتقاد الذي هو ركن الدين، ويعدل عنه إلى الضلال المبين بتأويلات لا تقوم على ساق من فسادها لأسخف وأجهل من أن يُخاطَب، أو أن يكون من زمرة العقلاء".
ثم راموا ضروباً من الأجوبة كلها حائدة عن الجواب، فقلت لهم: "إنكم لم تجيبوا, ولن تجيبوا، فما لي وللخوض معكم في غير شيء".
ثم انفصلت منهم [وقد امتلئوا] غيظاً وحِنْقاً، وشرعوا في إعابة دين الإسلام، وقد أردت الانصراف، فقلت: "اخسئوا صاغرين، فإن من يقول في معبوده من الشتائم- ظانّاً أنه يعظمه- ما قلتم من باب الأولى والأحرى يعيب دين غيره ، ثم سِـرْتُ وتركتهم.