التَّكْرَارُ العِلْميُّ

هُنَاكَ صُنُوفٌ مِنَ المَسَائِلِ العِلْمِيَّةِ لا تَحْتَمِلُ التَّألِيْفَ فِيهَا؛ لِكَوْنِهَا قَدْ دُرِسَتْ وبُحِثَتْ مِنْ قِبَلِ أئِمَّةٍ أعْلامٍ، مِمَّا جَعَلَهَا في دَائِرَةِ الثَّبَاتِ والاسْتِقْرَارِ إلَّا في جَوَانِبَ صَغِيرَةٍ لا تَسَعُ أحَدًا مِنَ المُؤَلِّفِينَ أنْ يَقْضِي كَبِيرَ وَقْتٍ في مُدَارَسَتِهَا؛ إلَّا مَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ نُتَفٍ جَانِبِيَّةٍ، كَمَا سَيَأتِي .
فَمِنْ هُنَا؛ كَانَ الأوْلى بِطَالِبِ العِلْمِ أنْ يَحْفَظَ وَقْتَهُ مِنَ السَّعْي وَرَاءَ التَّألِيفِ في مِثْلِ هَذِهِ المَسَائِلِ المُشْبَعَةِ تَألِيفًا وتَصْنِيفًا في الجُمْلَةِ، وأذْكُرُ مِنْهَا الآنَ :
التَّألِيفُ في بَابِ الأذْكَارِ، هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ التَّألِيفَ في مَسَائِلِ الأذْكَارِ قَدْ أخَذَ طَرِيقَهُ العِلَمْيَّ في تَارِيخِ الأُمَّةِ؛ حَيْثُ تَسَابَقَ كَثِيرٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ قَدِيْمًا وحَدِيْثًا في التَّألِيْفِ في بَابِهِ، فَخُذْ مِنْ مَشَاهِيرِ المُؤَلِّفِينَ مَثَلًا :
«أذْكَارُ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ» لابنِ السُّنِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، و«الأذْكَارُ» لِلنَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، وقَدْ قِيلَ عَنْ كِتَابِ «الأذْكَارِ» : بِعِ الدَّارَ، واشْتَرِ الأذْكَارَ!
ثُمَّ جَاءَ بَعْدَهُم طَوَائِفُ مِنْ أهْلِ العِلْمِ فَصَنَّفُوا كُتُبًا في بَابِ الأذْكَارِ، ولاسِيَّمَا الشَّوْكَانيُّ رَحِمَهُ اللهُ وغَيْرُهُ كَثِيرٌ، ومَعَ هَذَا فَقَدْ وَقَفَتِ الشُّهْرَةُ، وجَرَى الانْتِشَارُ لابنِ السُّنِيِّ والنَّوَوِيِّ، ورُبَّمَا فَاقَ كِتَابُ النَّوَوِيِّ كِتَابَ ابنِ السُّنِيِّ، وهُوَ كَذَلِكَ، وكَمَا قَالَ ابنُ مَالِكٍ فِيمَنْ سَبَقَهُ :
وتَقْتَضِي رِضًا بغَيْرِ سُخْطِ فَائِقَةً ألفِيَّةَ ابْنِ مُعْطِي
وهُوَ بَسَبْقٍ حَائِزٌ تَفْضِيْلَا مُسْتَوْجِبٌ ثَنَائِيَ الجَمِيْلَا
واللهُ يَقْضِي بهِبَاتٍ وافِرَهْ لي ولَهُ في دَرَجَاتِ الآخِرَهْ
وهَكَذَا مَضَتْ عَجَلَةُ التَّألِيْفِ دَوَالَيْكَ مَا بَيْنَ مُخْتَصِرٍ ومُحَقِّقٍ ومُخَرِّجٍ لِكُتُبِ الأذْكَارِ، ولا تَنْسَ تَحْقِيقَاتِ وتَخْرِيجَاتِ الحَافِظِ ابنِ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ على كِتَابِ «الأذْكَارِ» لِلنَّوَوِيِّ، مِنْ خِلالِ كِتَابِهِ العُجَابِ «نَتَائِجُ الأفْكَارِ» .
وقَدْ شَرَحَ كِتَابَ النَّوَوِيِّ هَذَا كَثِيرٌ من أهْلِ العِلْمِ؛ فَكَانَ مِنْ أوْسَعِ وأكْبَرِ شُرُوحِهِ، كِتَابُ :
«الفُتُوحَاتُ الرَّبَانِيَّةُ على الأذْكَارِ النَّوَاوِيَّةِ» لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بنِ عَلَيِّ بنِ عَلَّانٍ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ (1057) .
وهَكَذَا؛ مَضَتْ كُتُبُ الأذْكَارِ سَائِرَةً شَامِخَةً لا تَتَجَاوَزُ هَذَيْنِ الكِتَابَيْنِ المَذْكُورَيْنِ آنِفًا؛ حَتَّى جَاءَ الشَّيْخُ الفَاضِلُ سَعِيدُ بنُ وَهْفٍ القَحْطَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، فَألَّفَ كِتَابًا كَبِيرًا في الأذْكَارِ تَحْتَ عِنْوَانِ
«الذِّكْرِ والدُّعَاءِ» في ثَلاثَةِ مُجَلَّدَاتٍ كِبَارٍ، فَلَم يَحْصُلْ لَهُ كَبِيرُ انْتِشَارٍ؛ لأنَّ التَّألِيفِ في الأذْكَارِ قَدْ وَقَفَ فَلَكُهُ على الإمَامَيْنِ : ابنِ السُّنِيِّ والنُّوَوِيِّ!
إلَّا إنَّ الشَّيْخَ ابنَ وهْفٍ القَحْطَانِيَّ رَحِمَهُ اللهُ لَم يَقِفْ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، بَلْ وَفَّقَهُ اللهُ تَعَالى إلى اخْتِصَارِ كِتَابِهِ الكَبِيرِ؛ تَحْتَ عِنْوَانِ
«حِصْنِ المُسْلِمِ»، فَهُنَا تَجَدَّدَ لِلشَّيْخِ القَحْطَانِيِّ تَارِيخًا عِلْمِيًّا جَدِيْدًا؛ حَيْثُ كَتَبَ اللهُ تَعَالى لِهَذَا الكِتَابِ الصَّغِيرِ قَبُولًا ورَوَاجًا لا مَثِيلَ لَهُ عِنْدَ أكْثَرِ كُتُبِ المُعَاصِرِينَ، وذَلِكَ لأمْرَيْنِ :
الأوَّلُ : أنَّهُ خَالَفَ في كِتَابِهِ هَذَا كُتُبَ المُتَقَدِّمِينَ في التَّألِيْفِ؛ حَيْثُ اخْتَصَرَ المُطَوَّلاتِ، الَّتِي هِيَ مِنْ شَأنِ كُتُبِ أهْلِ العِلْمِ الَّذِيْنَ سَبَقُوهُ، وهَذَا الأمْرُ لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ تَفَرُّدُهُ عَنْ غَيْرِهِ، بَلْ هُنَاكَ أمْرٌ آخَرُ، وهُوَ مَا يَأتي .
الثَّانِي : أنَّهُ قَدْ تَوَلَّجَ بَابَ الإخْلاصِ، فَمِنْ هُنَا كَانَ القَبُولُ لَهُ عَنْ سَائِرِ مَنْ شَارَكَهُ مِنَ المُعَاصِرِينَ، هَذَا فِيمَا يَظْهَرُ، ولا نُزَكِّيْهِ على اللهِ تَعَالَى .
فَالأمْرُ الأوَّلُ : تَمَيَّزَ بِالاخْتِصَارِ، وقَدْ قِيلَ : إنَّ الاخْتِصَارَ تَألِيْفٌ جَدِيْدٌ .
والأمْرُ الثَّانِي : تَمَيَّزَ بِفَضْلٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وهُوَ مُشَامَمَةُ الإخْلاصِ، ولا نَقُولُ إلَّا مَا شَهِدْنَا مِنْ ذَا الانْتِشَارِ، ولا نُزَكِّي على اللهِ أحَدًا .
* * *
فَإذَا عُلِمَ مَا هُنَا؛ كَانَ الأوْلَى بِطَالِبِ العِلْمِ أنْ يَقِفَ بِوَقْتِهِ وقَلَمِهِ فِيمَا هُوَ أهَمُّ وأنْفَعُ، لا أنْ يُعَاوِدَ التَّكْرَارَ، ويُسَارِقَ الاجْتِرَارَ في مُصَنَّفَاتِ المَسَائِلِ العِلْمِيَّةِ الَّتِي قَدْ أُشْبِعَتْ وحُرِّرَتْ، ولاسِيَّمَا في كُتُبِ الأذْكَارِ!
ويَظْهَرُ هَذَا التَّكْرَارُ المُمِلُّ؛ يَوْمَ تَزُوْرُ بَعْضَ المَكْتَبَاتِ ومَا حُشِرَ فِيْهَا مِنْ كُتُبٍ كَثِيرَةٍ عَنِ الأذْكَارِ، قَدْ كَتَبَهَا أصْحَابُهَا مُشَارَكَةً مِنْهُم في تَقْرِيبِ الأذْكَارِ تَحْتَ عَنَاوِينَ جَذَّابَةٍ، ورُبَّمَا تَحْتَ طَبَعَاتٍ فَاخِرَةٍ، ورُبَّمَا تَحْتَ طَرِيْقَةٍ مُبْتَكَرَةٍ في البَحْثِ عَنِ الأذْكَارِ!
ولا أُبَالِغُ إذَا قُلْتُ : إنَّ الوَاحِدَ مِنَّا إذَا أرَادَ أنْ يَجْمَعَ مَا أُلَّفَ عَنِ الأذْكَارِ عِنْدَ أهْلِ عَصْرِنَا، لاسِيَّمَا في العِقْدَيْنِ الأخِيرَيْنِ لَوَجَدَ عَجَبًا عُجَابًا، مَا يَدْفَعُ بِالنَّاصِحِ أنْ يَرْفَعَ عَقِيرَتَهُ بِكُلِّ شَفَقَةٍ؛ قَائِلًا : السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ، فَإنَّهَا مَكْرُورَةٌ، واللهُ تَعَالَى أعْلَمُ!
وإنَّا وإيَّاهُم لا نَشُكُّ؛ أنَّ لِكُلٍّ مِنْهُم أجْرًا بِقَدْرِ صِدْقِهِ وإخْلاصِهِ، لَكِنَّ الأوْلَى بِهِم أنْ يَحْفَظُوا أوْقَاتَهُم وأقْلامَهُم لِمَا هُوَ أوْلَى وأنْفَعُ .
ومِنْ تِيكَ المُؤْسِفَاتِ أيْضًا؛ أنَّ نَفَرًا لَيْسُوا مِنْ طُلَّابِ العِلْمِ قَدْ تَسَوَّرُوا مِحْرَابَ التَّألِيْفِ في الأذْكَارِ، وهُم بَعْدُ لَم يَرْسَخُوا في العِلْمِ الشَّرْعِيِّ، بَلْ مِنْ بَقَايَا الأسَفِ أيْضًا أنَّ بَعْضَهُم لَيْسُوا مِنَ العِلْمِ في شَيْءٍ، بَلْ لَم تَتَرَاوَحْ أرْجُلُهُم إلى مَجَالِسِ العِلْمِ أصْلًا!
وقَدْ بَاتَ عِنْدَ الكَافَّةِ مِنْ أهْلِ العَقْلِ والحِجَى : أنَّ التَّألِيْفَ ذُو مَسَالِكَ عَوِيصَةٍ وطُرُقٍ وَعِرَةٍ لا يُحْسِنُ وَطْأهَا إلَّا بَقَايَا مِنْ رِجَالِ العِلْمِ الفُحُوْلِ، أمَّا غَيْرُهُم فَحَرِيٌّ بِهِم أنْ يَحْفَظُوا مَاءَ الوُجُوهِ!
وهُنَاكَ غَيْرُ مَا ذُكِرَ مِنْ كُتُبِ : فَضَائِلِ الصِّيَامِ، وأحْكَامِ الحَجِّ والعُمْرَةِ، وغَيْرِهَا مِمَّا صَابَهَا وَابِلٌ مِنَ التَّكْرَارِ العِلْمِيِّ!
* * *
فضيلة
الشيخ الدكتور
ذياب بن سعد الغامدي
صيانة الكتاب [ 2 / 700 ]