البيان بخصوص واو الثمانية في القرآن،

وقوله تعالى:"حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا":1/2

الكثير منا قرع سمعه في خطبة أو نحوها وربما قرأ في كتاب أو في موقع ما اصطلح عليه بواو الثمانية، وغالبا ما يكون الحديث عن هذه الواو في تفسير كلام البارئ سبحانه، فتحمل عليها أو توجه بها عدة آيات من القرآن الحكيم.

فما مدى صحة وجود هذه الواو في لغة العرب وفي القرآن الكريم؟

بحثت في كتب اللغة والمعاجم فلم أجد من ذكرها إلا القلة، منهم: صاحب القاموس المحيط وصاحب درة الغواص في أوهام الخواص القاسم بن علي الحريري، والثعالبي في فقه اللغة وأبو البقاء في الكليات.

أما الخليل الفراهدي صاحب العين وسيبويه صاحب الكتاب وابن منظور صاحب اللسان والأزهري والجوهري وابن فارس والزمخشري وابن سيده وغيرهم، فعلى إمامتهم في لغة العرب لم يتعرضوا لذكرها في معاجمهم.

وهذا ما صرح به الإمام الهمام جلال الدين السيوطي تعالى بقوله:" ولم يذكر هذه الواو أحد من أئمة العربية."[1].
بل ذهب بعض هؤلاء الأئمة إلى إنكارها والرد على من نسبها إلى العرب كالإمام اللغوي الفارسي والعلامة ابن هشام صاحب اللبيب وغيرهم.
يقول ابن هشام تعالى:"واو الثمانية: ذهب قوم إلى إثبات هذه الواو، منهم ابن خالويه، والحريري، وجماعة من ضعفة النحويين. قالوا: من خصائص كلام العرب إلحاق الواو في الثامن من العدد، فيقولون: واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية، إشعاراً بأن السبعة عندهم عدد كامل... وأنكر الفارسي واو الثمانية، لما ذكرها ابن خالويه في باب المناظرة[2]."[3].
وقال في مغني اللبيب:""واو الثمانية ذكرها جماعة من الأدباء كالحريري ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه ومن المفسرين كالثعلبي وزعموا أن العرب إذا عدوا قالوا ستة سبعة وثمانية إيذانا بأن السبعة عدد تام وأن ما بعدها عدد مستأنف"[4].

فنسب ابن هشام تعالى القول بواو الثمانية إلى ثلاثة أصناف من الناس:
أدباء كالحريري وضعفة النحويين كابن خالويه وبعض المفسرين كالثعلبي.
ومعلوم أن مثل هؤلاء لا يعتمد عليهم في أمر لغوي كهذا، فالأدباء شغلهم وموضوعهم الأدب، وضعفة النحويين لا يصح تقديم قولهم على ما قرره أئمة اللغة والنحو، والثعلبي ليس من أئمة التفسير المعتمد على أقوالهم في باب التفسير، ففي تفسيره من الغرائب والعجائب الشيء الكثير، وهو كما قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية تعالى:" والثعلبي هو نفسه كان فيه خير ودين وكان حاطب ليل ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع."[5].

وممن ضعّف القول بوجودها العلامة اللغوي ابن سيده، حيث قال في معرض كلامه عن قوله تعالى:"التائبون العابدون":"ودعوى الزيادة، أو واو الثمانية ضعيف."[6].
يقول العلامة الزركشي تعالى:" ولم يثبت المحققون واو الثمانية"[7].

وممن أنكر وجودها بعده الإمام السيوطي تعالى إذ يقول:" واو الثمانية ذكرها جماعة كالحريري وابن خالويه والثعلبي وزعموا أن العرب إذا عدوا يدخلون الواو بعد السبعة إيذانا بأنها عدد تام وأن ما بعده مستأنف وجعلوا من ذلك قوله سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم إلى قوله سبعة وثامنهم كلبهم، وقوله التائبون العابدون إلى قوله والناهون عن المنكر لأنه الوصف الثامن وقوله مسلمات إلى قوله وأبكارا والصواب عدم ثبوتها وأنها في الجميع للعطف."[8].

ومن الإئمة الذين لم يذكروها رغم باعهم في اللغة علي بن محمد النحوي الهروي 415هـ :
قال تعالى في باب مواضع الواو من كتابه: (الأزهية في علم الحروف): « اعلم أنّ للواو اثني عشر موضعًا »[9]. ثم عددها ولم يذكر منها واو الثمانية.
وواضح من عنوان الكتاب أنّه متخصص في مباحث الحروف وما يختص به كل حرف، والهروي عليه رحمة الله من أئمة النحو ؛ ومع هذا لم يذكر من استعمالات الواو واو الثمانية ...؟؟

وممن قال بها ونصر وجودها الإمام الحريري [51هـ] صاحب المقامات المشهورة، قال تعالى:"ومن خصائص لغة العرب إلحاق الواو في الثامن من العدد ، كما جاء في القرآن : التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ...وتسمى هذه الواو واو الثمانية."[10].

والغريب أن الحريري ومن تبعه اعتبروا أن واو الثمانية من خصائص لغة العرب حيث زعموا أن العرب كانوا يلحقون الواو بالثامن من العدد، ولو كان الأمر كذلك لكان أشهر من أن ينكر ولحوته أشعارهم ودواوينهم ونثرهم.
فلم نجد من استشهد منهم ولو ببيت شعر من أشعار العرب التي يحتج بها في مثل هذه المواضع، فهذه كتب اللغة والنحو طافحة بالأشعار التي يسشتهد بها العلماء على القواعد والمسائل اللغوية أو النحوية المختلفة، فأين الشواهد على ما زعموا من اعتماد العرب ما يسمى بواو الثمانية؟
وأما احتجاجهم ببعض الآيات فمردود من عدة وجوه، وسنكتفي بآية من هذه الآيات وبيان تهافت القول بوجود واو الثمانية فيها[11].
كما أن القول بالاختصاص يقتضي استقراء للغات الأخرى وهذا ما يصعب تحقيقه.
يقول القشيري أبو نصر:"ومثل هذا الكلام تحكم ، ومن أين السبعة نهاية عندهم ثم هو منقوض بقوله تعالى : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ[الحشر : 23] ولم يذكر الاسم الثامن بالواو[12]."[13].
"وقال النسفي[14] في تفسيره المسمى "بالتيسير"[15]: لا أصل لهذا القول عند المحققين فليس في هذا العدد ما يوجب ذلك والاستعمال على الاطراد كذلك قال الله تعالى : الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَـامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ (الحشر : 23) بغير واو وقال تعالى: وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) (القلم) بغير واو في الثامنة."[16].

يقول العلامة ابن القيم تعالى:
" قولهم إن الواو تأتي للثمانية ليس عليه دليل مستقيم وقد ذكروا ذلك في مواضع..."[17].
ومن هذه المواضع قول البارئ سبحانه:"وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا"، وسيأتي تحقيق القول في توجيه الواو في هذه الآية قريبا إن شاء الله تعالى.



[1] همع الهوامع في شرح جمع الجوامع: 3/191.

[2] سيأتي ذكر هذه المناظرة قريبا إن شاء الله تعالى.

[3] الجنى الداني في حروف المعاني.

[4] مغني اللبيب عن كتب الأعاريب:474.

[5] مقدمة في التفسير: 68.

[6] إعراب القرآن:5/331.

[7] البرهان في علوم القرآن:4/439.

[8] الاتقان في علوم القرآن:1/525-526.

[9] الأزهية في علم الحروف:231.

[10] درة الغواص في أوهام الخواص:31.

[11] وهي قوله تعالى:" وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73)" –الزمر-.

[12] وممن نقض القول بواو الثمانية بهذه الآية الكريمة القفال حيث قال:" وهذا ليس بشيء" ثم استدل بالآية، وقد نقل كلامه الإمام الرازي في تفسيره.

[13] الجامع لأحكام القرآن:10/383.

[14] أبو حفص ، نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل ، المولود سنة 461هـ والمتوفى سنة 537هـ، وهو غير النسفي المشهور أبو البركات عبد الله بن أحمد المتوفي سنة 710 ه صاحب مدارك التنزيل وحقائق التأويل.

[15] التيسير في علم التفسير وهناك تفسير آخر له وسمه ب:" الأكمل الأطول في التفسير".

[16] تفسير روح البيان3/393.

([17] ) بدائع الفوئد:3/559.