حاجتنا للتغيير ملحة ، إذ التوبة واجبة من كل ذنب ، وقد أخبر النبي أن كل بني آدم خطاء ، وأن خير الخطائين التوابون ؛ فكل بني آدم يحتاجون إلى الرجوع إلى الله تعالى ، والفرار إليه ؛ ولا يكون هذا إلا بالتغيير من حال إلى حال ، بل من نفس إلى نفس ؛ من نفس أثقلتها آثار الذنوب ، إلى نفس تخففت من ذلك بالتوبة إلى الله تعالى ، فتحوَّل حالها من نفس كانت عاصية مذنبة إلى نفس طائعة تائبة ... من نفس كانت بعيدة عن الله تعالى إلى نفس قريبة منه ... من نفس كانت على درب الغواية إلى نفس صارت على درب الهداية .

وقد تتحول النفس الطائعة إلى نفس أكثر طاعة ، من نفس قريبة من الله تعالى ، إلى نفس أكثر قربًا ، من نفس سلكت طريق الهداية إلى نفس ثبتت في هذه الطريق وتلذذت بالجهاد على هذا الثبات ... إنه تغيير من الحسن إلى الأحسن ثم إلى الأكثر حسنًا ، والله الموفق سبحانه .

والتوبة تغيير النفس والحال ، ومنزلتها - كما يقول ابن القيم - : هي أول المنازل وأوسطها وآخرها ، لا يفارقه العبد ولا يزال فيه إلى الممات ، وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل به واستصحبه معه ونزل به ؛ فالتوبة هي بداية العبد ونهايته ، وحاجته إليها في النهاية ضرورية ؛ كما أن حاجته إليه في البداية كذلك ؛ فقد قال تعالى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ [ النور : 31 ] ، وهذه الآية في سورة مدنية ؛ خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم وجهادهم ، ثم علق الفلاح بالتوبة تعليق المسبب بسببه ، وأتى بأداة ( لعل ) المشعرة بالترجي ، إيذانًا بأنكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح ، فلا يرجو الفلاح إلا التائبون ... جعلنا الله منهم ؛ وقال تعالى : وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ الحجرات : 11 ] ، قسَّم العباد إلى تائب وظالم ، فليس ثَمَّ قسم ثالث البتة ، وأوقع اسم ( الظالم ) على من لم يتب ، ولا أظلم منه لجهله بربه وبحقه ، وبعيب نفسه وآفات عمله [1] .

فأي القسمين تريد أيها الإنسان : أن تكون في قسم التائبين ، أم في قسم الظالمين ؟

من هنا تكون الإجابة على السؤال : لماذا أتغير ؟ والله الموفق والمستعان .

__

[1] انظر مدارج السالكين : 1 / 178 .