إن من أسمى ألوان التربية المؤثرة : التربية بالقدوة ؛ فليكن الوالدان قدوةَ خيرٍ لأبنائهما ، وليحرص كل منهما على أن لا يرى منه ولده إلا خير العمل ، ولا يسمعون منه إلا أحسن الكلام ؛ وأن لا يلحظون عليه مخالفة فيقلدوه فيها ، وقد قال الشاعر :
مَشَى الطاووسُ يوماً في اختيالِ .... فَقَلَّدَ شَكْلَ مِشْيَتِهِ بنوهُ
فقال عَلامَ تَخْتَالُونَ؟ قالوا .... بَدَأْتَ بِهِ ونحنُ مُقَلِّدُوهُ
فخَالِفْ سَيْرَكَ الْمُعَوجَّ واعدلْ .... فإنَّا إنْ عَدَلْتَ مُعَدِلُوهُ
أَمَا تَدْرِي أبَانا كلُ فرعٍ .... يُجَاري بالخطا مَنْ أَدَّبُوهُ
ويَنْشَأُ ناشِئُ الفتيانِ مِنَّا .... على ما كانَ عوَّدهُ أبوهُ
إن الولد يقلد أباه في كل ما يراه منه أو يسمعه ؛ خاصة في سني عمره التي تتبع سن الرضاعة ، فهو في مرحلة عمرية يحاكي فيها من يراه ، فيقلده فيما يرى منه من أفعال ، وهكذا يبدأ هذا معه في أول سن الإدراك ، ويستمر إلى مرحلة التمييز وبعدها ، فيترسخ في ذهنه تلك الأعمال أو الأقوال التي رآها وسمعها .. فلذلك يجب أن لا يرى ولدك منك إلا كل خير ، ولا يسمع إلا كل طيب ، لتنمو نفسه على هذا الخير ، وينمو فكره على هذا الطيب ؛ ومن الحكمة من صلاة الرجل النافلة في بيته ، أن يراه أهل البيت فيقتدون به ؛ ففي صحيح مسلم عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " إِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ ، فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا " ؛ وكم رأينا صغيرًا في أول سن الإدراك يحاكي أباه وهو يصلي ، فيكون ذلك أول تعلقه بالصلاة .

فمن الأدب الذي لابد وأن يتقنه الآباء أن يأخذ الطفل عنهما من سلوكهما وخلقهما وممارستهما في الحياة ؛ فإن ذلك أعمق ما يترسخ في عقلية الطفل وكيانه ؛ وهذا أرقى أنواع التربية .