تأمل هذه التجربة الفريدة لابن الجوزي - - حيث قال في ( صيد الخاطر ) : من رُزق قلبًا طيبًا ، ولذة مناجاة ، فليراع حاله ،وليحترز من التغيير ؛ وإنما تدوم له حاله بدوام التقوى ؛ وكنت قد رزقت قلبًا طيبًا ، ومناجاةُ خَلْوَةٍ ، فأحضرنيب عض أرباب المناصب إلى طعامه فما أمكن خلافه ؛ فتناولت وأكلت منه ، فلقيت الشدائد ، ورأيت العقوبة في الحال ، واستمرت مدة ، وغضبتُ على قلبي ، وفقدت كل ما كنت أجده .
فقلت : واعجبًا ، لقد كنت في هذا كالمكره ! فتفكرت ، وإذا به قد يمكن مداراة الأمر بلقيمات يسيرة ، إنما التأويل جعل تناول هذا الطعام بشهوة أكثر مما يدفع بالمداراة .
فقالت النفس : ومن أين لي أن عين هذا الطعام حرام ؟
فقالت اليقظة : وأين الورع عن الشبهات ؟
فلما تناولت بالتأويل لقمة ، واستجلبتها بالطبع ، لقيت الأمرين بفقد القلب ، فاعتبروا يا أولي الأبصار .ا.هـ .
فيا لها من موعظة عملية بليغة : طعام فيه شبهة أكله - - بتأويل ، فتغيَّرعليه ما كان يشعر به من حال طيبة ؛ فكيف بمن يأكل الحرام الذي لا شبهة فيه ؟!! ولذا قال - : فاعتبروا يا أولي الأبصار .
واعلم - وفقك الله - أنه لايحس بضربه مُبَنَّج ، وإنما يَعرِفُ الزيادة من النقصان المحاسبُ لنفسه ؛ ومتى رأيت تكديرًا في حال فاذكر نعمةً ما شكرتها ، أو زلةً قد فعلت ، و احذر من زوال النعم ، ومفاجأة النقم ، و لا تغتر ببساط الحلم ، فربما عجل انقباضه ؛ وقد قال الله : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ؛ وكان أبو علي الروذباري يقول : من الاغترار أن تسيء ، فيحسن إليك ، فتترك التوبة ، توهمًا أنك تُسامح في العقوبات .