بسم الله الرحمن الرحيم
في هذه المقالة حاولتُ أن أبرِز أهم الموضوعات التي تحدّث عنها الطبري -- في مقدمته، مختصِرة الكلام فيها ومجمِلة، قاصدة إظهار رأي الطبري -- في أهم هذه الموضوعات والمسائل التي تطرق لها، مع ترتيب وتفنيد للموضوعات، دون تعليق عليها أو استدراك.

أولًا: الموضوعات الكبرى التي تحدّث عنها الطبري -- في مقدمته:
الطبري -رحمة الله عليه- قبل الشروع في التفسير تكلم عن عدة موضوعات وأمور كبرى مهمة؛ منها:
1- أنّ كل معاني كلام الله في كتابه = متفق مع لغة العرب وأسلوبهم؛ ولا يختلف كلامُ الله مع كلامِ العرب أبدًا.
2- أنّ كل كلمات القرآن عربية أصالة.
3- أنّ القرآن نزل على بعض ألسنة العرب؛ لا على ألسن العرب كلهم -والألسن عند الطبري هي: اللغات-.
4- أنّ الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن = لها معنى مختلف عن الأبواب السبعة التي نزل منها القرآن.
5- أنّ محتوى القرآن الإجمالي ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ آيات في الأحكام - وآيات في المتشابهات - وآيات تدل على معان.
6- أنّه لا يجوز الاجتهاد في قسم (الأحكام) بلا دليل نبوي؛ لأنه لا يُعْلَم إلا من قِبَل النبي --، ولا يجوز الخوض في قسم (المتشابهات) لأنه لا يُعْلَم إلا من قِبَل الله .
7- أنّه يجوز الاجتهاد في قسم (المعاني) لأنه يُعْلم من قِبَل اللسان العربي.
8- أنّه غير صحيح أن القول في التفسير لا يجوز مطلقًا.
9- أنّ مراتب المفسرين، ومراتب الأقوال في التفسير = متفاوتة؛ ليست على مستوى واحد.
ثانيًا: بعض المسائل التي تفرعت من الموضوعات الكبرى السابقة:
المسائل التي سأذكرها ليست كل المسائل التي تكلم عنها الطبري؛ لكنها أكثرها وأهمها، وسأذكرها بطريقة سؤال وجواب؛ ليتركز الكلام وينحصر الجواب:
(1) ما هو منهج الطبري -- العام الذي أفصح عنه وأبانه في مقدمة جامعه؟
يقول فيما معناه:
- سأشرح كلام السلف في التفسير وأبينه.
- سأبيِّن ما أعرفه من اتفاق واختلاف السلف في مسائل التفسير.
- سأوجِّه وأعلِّل وأدلِّل لكل قول من الأقوال التي سأذكرها
- سأختار القول الصحيح والأرجح الذي أراه.
(2) هل يوجد في كلام الله معنى مخالف للمعنى الذي يفهمه العرب؟
لا؛ بل كل كلام الله في كتابه = متفق مع لغة العرب وأسلوبهم، ولا يختلف كلامُ الله مع كلامِ العرب أبدًا؛ لأن القرآن نزل يخاطب العرب، وغير جائز أن يخاطِب الله عباده بما لا يفهمونه، والذي يفهمونه هو: اللغة العربية.
(3) القرآن أتى بأساليب العرب في كلامهم؛ ماهي الأساليب العربية الواردة في القرآن؟
- الإيجاز والاختصار.
- الاجتزاء بالإخفاء من الإظهار.
- الاجتزاء بالقلة من الإكثار.
- الإطالة والإكثار.
- الترداد والتكرار.
- إظهار المعاني دون إسرار.
- الإسرار عن المعاني دون إظهار.
- الخبر عن الخاص في المراد بالعام الظاهر.
- الخبر عن العام في المراد بالخاص الظاهر.
- الخبر عن الكناية والمراد منه المصرّح.
- الخبر عن الصفة والمراد الموصوف.
- الخبر عن الموصوف والمراد الصفة.
- تقديم ما هو في المعنى مؤخر.
- تأخير ما هو في المعنى مقدم.
- الاكتفاء ببعض من بعض.
- الاكتفاء بما يظهر عما يحذف.
- إظهار ما حظه الحذف.
(4) هل في القرآن كلام غير عربي؟
لا؛ كل ما في القرآن عربي.
والآثار الواردة عن السلف في أن في القرآن كلمات مستخدمة في غير العربية، لا تدل على أن هذه الكلمات لا أصل لها في العربية؛ لأن إثبات شيء ليس دليلًا على نفي غيره إذا كان غير مستحيل اجتماع الأمرين معًا، وهنا لا يستحيل أن يكون في القرآن كلمات عربية اشتركت مع غيرها من اللغات الأعجمية في اللفظ والمعنى.
إذن: أقوال السلف المثبِتة لوجود كلمات في القرآن مستعملة في لغات أعجمية، لا تنفي -في الوقت نفسه- أن هذه الكلمات لها أصل في العربية.
(5) القرآن عربي، ولغات العرب كثيرة، فهل نزل القرآن بجميع لغات العرب؟ أم بعضها؟
القرآن نزل ببعض لغات العرب لا بجميعها، والدليل حديث: (أنزل القرآن على سبعة أحرف) ومعلومٌ أن لغات العرب أكثر من سبعة.
(6) ما معنى حديث: (نزل القرآن على سبعة أحرف)؟
أي: نزل القرآن على سبع لغات من لغات العرب،مختلفة الألفاظ متفقة المعاني.
والدليل على ذلك: نصُّ قول النبي --: (... سبعة أحرف كلها شاف كاف؛ ما لم يختم آية عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب؛ كقولك: هلم وتعال) الذي يدل دلالة واضحة على أن اختلاف الأحرف السبعة هو اختلاف في الألفاظ، مع اتفاق في المعاني.
(7) بعضهم يقول: معنى حديث: (نزل القرآن على سبعة أحرف) أي: نزل على سبعة معان؛ لأن بعض السلف قالوا: (نزل القرآن بأمر وزجر وترغيب وترهيب وقصص ومثل) ونحو ذلك من الأقوال؛ فدل على أن معنى الأحرف السبعة: سبعة معان وسبعة أوجه! كيف يُرد على هذا القول؟
1- السلف الذين قالوا: (نزل القرآن بأمر وزجر وترغيب وترهيب وقصص ومثل) ونحو ذلك = لم يدعوا أن حديث: (أنزل القرآن على سبعة أحرف) هي هذه المعاني السبعة التي ذكروها دون غيرها؛ فإثباتهم لوجود هذه المعاني في القرآن = لا ينفي أن تكون الأحرف السبعة الواردة في الحديث سبعة لغات.
2- الصحابة اختلفوا في تلاوة القرآن، ولم يختلفوا في معانيه؛ فتبين بذلك أن الأحرف السبعة هي مجرد اختلاف في الألفاظ، دون اختلاف في المعاني.
3- لو كان تنازع الصحابة في المعاني لا في الألفاظ؛ لكان مستحيلًا أن يصوب النبي -- جميع تلاواتهم! لأن ذلك يفضي إلى تناقض القرآن في أحكامه، ثم كيف يقضي النبي -- في شيء واحد في وقت واحد بحكمين مختلفين!
4- لقد أنكر الصحابة على بعضٍ قراءةَ بعضٍ، مع أن كل الصحابة مقرِّون بأن الله يأمر بما يشاء وينهى عما يشاء، ويعد فيما شاء ويوعد فيما شاء، ويعلمون أن من أنكر معنى واحدًا في القرآن فقد كفر بالقرآن كله؛ فكيف ينكرون على بعضهم أوامر ونواهي وعيد ووعد الله في كتابه؟!
(8) كيف كانت صورة الأحرف السبعة؟
كانت الكلمة القرآنية الواحدة في القرآن -في بعض المواضع- لها سبع مرادفات؛ مختلفة في اللفظ، متفقة في المعنى.
وهذا لم يعد موجودًا اليوم؛ ولكن الذي يدل على أن ذلك كان موجودًا: الخبر الذي روي عن النبي --: (أنزل القرآن على سبعة أحرف).
(9) لماذا لا تكون الأحرف السبعة هي: لغات سبع؛ لكنها متفرقة في القرآن، لا أن تكون لغات سبع في الكلمة الواحد في القرآن؟
لأنه لو كان كذلك؛ لما كان هناك اختلاف بين الصحابة في التلاوة أصلًا؛ وقد ثبت أنه حصل اختلاف وتنازع بينهم في الكلمة الواحدة في القرآن، معتصويب النبي -- لجميعهم.
(10) أين الأحرف السبعة اليوم؟ لماذا لا نرى لها وجودًا مع أن النبي -- أقرأهنّ أصحابَه وأمر بالقراءة بهنّ؟
الأمة أُمرت بحفظ القرآن، وخُيرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت؛ فرأت أئمة الأمة وأجمعوا لعلة من العلل = قراءته بحرف واحد فقط، ورفض القراءة بالأحرف الستة الباقية؛ خوفًا منها على اختلاف الأمة الذي قد يؤدي إلى الردَّة.
(11) هل يجوز لأئمة الأمة أن تترك حرفًا من الحروف التي أثبتها رسول الله -- من بعد وفاته؟
نعم يجوز؛ لأن الأمر بالقراءة بالأحرف السبعة كان أمر إباحة ورخصة، ولم يكن أمر إيجاب وفرض، وأئمة الأمة بحكمة وبُعد نظر أجمعوا على ترك هذه الأحرف؛ حفاظًا على الدين، لا عبثًا.
(12) ما هي اللغات السبع التي نزل بها القرآن؟
لا حاجة لمعرفتها ما دام أننا لا نقرأ بها اليوم، ولكن قيل: خمسة منها لعَجُز هوازن، واثنين منها لقريش وخزاعة.
(13) ما معنى حديث: (ونزل القرآن من سبعة أبواب وعلى سبعة أحرف)؟ هل الأبواب هي الأحرف السبعة نفسها؟

لا؛ ليست هي الأحرف السبعة، وإنما هي الأوجه والمعاني التي احتوت عليها القرآن؛ مثل: الأمر والنهي، والحلال والحرام، والمحكم والمتشابه ... إلخ.
أما الأحرف السبعة؛ فهي: اللغات السبع التي نزل بها القرآن.
(14) ما معنى حديث: (كان الكتاب الأول نزل على حرف واحد، ونزل القرآن على سبعة أحرف)؟
أي: أن كل كتاب من الكتب السماوية السابقة للقرآن نزل بلسان واحد فقط، بينما القرآن نزل على سبعة ألسن.
ويستنبط من هذا: أن من ترجم الكتب السابقة؛ فهو مفسر لها لا تالٍ لما أنزله الله.
أما من قرأ بأحد الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن؛ فهو تالٍ لما أنزله الله لا مفسر؛ إلا إذا خرج عن الأحرف السبعة بمعان جديدة قاصدًا الترجمة؛ فهو مفسر لا تال.
(15) ما معنى حديث: (إن الكتاب الأول نزل من باب واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب)؟
يعني: كل كتاب من الكتب السماوية السابقة نزل من باب واحد أو بابين فقظ من أبواب المعاني؛ فمثلًا:
زبور داوود --كان تذكير ومواعظ.
وإنجيل عيسى -- كان تمجيد ومحامد وحض على الصفح والإعراض.
بينما القرآن نزل من سبعة أبواب من أبواب المعاني -أمر ونهي، وتحليل وتحريم، ومحكم ومتشابه، وأمثال- شملت الأبواب التي نزلت بها الكتب السابقة كلها وزادت.
(16) ما معنى حديث: (إن لكل حرف منها حدًا، وإن لكل حد من ذلك مُطَّلَعًا، وإن لكل حرف منها ظهرًا وبطنًا)؟
يعني: لكل وجه من أوجه القرآن السبعة التي في معاني القرآن = حدًا حده الله؛ لايجوز لأحد أن يتجاوزه.
وإن لكل حد من حدوده التي حدها مقدارًا من ثواب الله وعقابه في الآخرة.
وإن لكل وجه من أوجهه السبعة ظاهر في التلاوة، وباطن من التأويل.
(17) ما هي محتويات القرآن؟ وكيف نتعامل مع كل محتوى؟
محتويات القرآن ثلاثة أقسام، وكل قسم له طريقة في التعامل:
1- آيات في الأحكام ( أوامر ونواهي ومقادير وهيئات).
[وهذا القسم لا يؤخذ توضيحه إلا من النبي --].
2- آيات في المتشابهات (آجال آتية وأوقات آتية وكيفيات مغيَّبة).
[وهذا القسم لا يمكن توضيحه؛ لأنه لا يعلمه أحد غير الله].
3- آيات تدل على معان (ألفاظ ومسميات وأوصاف).
[وهذا القسم يؤخذ توضيحه من أهل اللسان العربي].
(18) ما حكم من اجتهد في القسم الذي لا يُعلم إلا من قِبَل النبي -- بلا دليل؛ لكنه أصاب الحق؟
لا يجوز ذلك؛ قال تعالى: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) وقال النبي --: (من قال في القرآن برأيه فأصاب؛ فقد أخطأ)!
فحتى لو أصاب عين الصواب فهو مخطئ في فعله بقيله برأيه! لأن إصابته للصواب ليست إصابة موقن؛ وإنما هي إصابة خارص وظان.
والقائل في أحكام دين الله بالظن والرأي = قائل على الله بما لا يعلم!
(19) ما حكم من اجتهد في القسم الذي يمكن معرفته من قِبَل أهل اللسان؟
جائز؛ ويدل على ذلك الآثار القولية والعملية الواردة عن السلف في اجتهادهم في التفسير.
وكذلك قوله تعالى: (كتاب أنزلناه مبارك ليدبروا آياته) يدل على أنه يجب فهم وفقه معاني القرآن، ثم تدبرها والاعتبار بها.
(20) كيف نرد على من زعم أنه لا يجوز الاجتهاد في التفسير مطلقًا بدليل أن بعض السلف أحجموا عن التفسير؟
إحجام بعض السلف عن الكلام في التفسير لا يعني أنه لا يجوز الاجتهاد؛ وإنما هو إحجام خوف وحذر ألا يبلغوا الصواب فيه.
(21) ما هي أقوى الأقوال في التفسير؟
1- القول الذي عليه دليل من سنة رسول الله --؛ وهي ثلاث مراتب:
- دليل صريح ثابت مستفيض.
- دليل صريح ثابت غير مستفيض.
- دليل مستنبط ومأخوذ من خبر ثابت غير صريح.
2- القول الذي عليه سلف وعلماء الأمة.
[إذا تعارض القول الذي عليه السلف مع قول الخلف يُقدم قول السلف على قول الخلف].
3- القول الذي عليه دليل من لغة العرب؛ وهي مرتبتان:
- دليل لغوي مستفيض معروف استعماله في أشعار العرب ومنطقها.
- دليل لغوي نادر قليل استعماله في أشعار العرب ومنطقها.


ختامًا: أشير إلى أن هذه المقدمة شرحها الدكتور: مساعد الطيار -حفظه الله- صوتًا وكتابة بشكل موسّع لمن أحب التوسع.
هذا وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.