تعليق على قول الحافظ ابن حجر في قوله تعالى:" وما أرسلناك إلا
كافة للناس":
يقول الحافظ ابن حجر تعالى:"التورية في القرآن قوله تعالى وما أرسلناك إلا كافة للناس فإن كافة بمعنى مانع أي تكفهم عن الكفر والمعصية والهاء للمبالغة وهذا معنى بعيد والمعنى القريب المتبادر أن المراد جامعة بمعنى جميعا لكن منع من حمله على ذلك أن التأكيد يتراخى عن المؤكد فكما لا تقول رأيت جميعا الناس لا تقول رأيت كافة الناس."اهـــ.

والتورية أو ما يسمى بالإيهام من أنواع البديع في القرآن الكريم، وهو أن يؤتى بلفظ له معنيان أحدهما قريب والآخر بعيد فيورى بالقريب عن البعيد الذي هو مراد المتكلم.
وقد أوقفني كلام الحافظ لمخالفته لقول الجمهور، فمعظم المفسرين على تفسير الآية على ظاهرها وهي أن النبي أرسل للناس كافة أي أجميعين.

يقول إمام المفسرين أبو جعفر الطبري تعالى:"يقول تعالى ذكره: وما أرسلناك يا محمد إلى هؤلاء المشركين بالله من قومك خاصة، ولكنا أرسلناك كافة للناس أجمعين؛ العرب منهم والعجم، والأحمر والأسود، بشيرًا من أطاعك، ونذيرًا من كذبك( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) أن الله أرسلك كذلك إلى جميع البشر.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ ) قال: أرسل الله محمدًا إلى العرب والعجم، فأكرمُهُم على الله أطوعهم له.-الطبري:20/405-.

ومما جاء في تفسير ابن كثير تعالى:" يقول تعالى لعبده ورسوله محمد، صلوات الله وسلامه عليه : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ : أي: إلا إلى جميع الخلق من المكلفين، كقوله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف: 158]، تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: 1]
قال محمد بن كعب في قوله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ يعني: إلى الناس عامة. –ابن كثير:6/518-.

لكن بعد قليل من البحث وجدت أن تفسير الحافظ ابن حجر قد سبقه إليه غيره، منهم العز بن عبد السلام -578 هـ / 660 هـ -، والقاضي البيضاوي-675ه- رحمهما الله تعالى.
يقول العز في تفسيره:"كافة للناس " كافا لهم عن الشرك والهاء للمبالغة أو أرسلناك إلى الجميع تضمهم ومنه كف الثوب لضم طرفيه ، أو ما أرسلناك إلا إلى كافتهم أي جميعهم '-تفسير العز بن عبد السلام:1/933-.
ويقول القاضي البيضاوي : وما أرسلناك إلا كافة للناس إلا رسالة عامة لهم من الكف إنها إذا عمتهم قد كفتهم أن يخرج منها أحد ... أو إلا جامعا لهم في الإبلاغ فهي حال من الكاف والتاء للمبالغة ولا يجوز جعلها حالا من الناس على المختار –تفسير البيضاوي:401-.

وهذا الذي ذكره القاضي البيضاوي في عدم جواز جعل كافة حالا من الناس-وعلى عبارة الحافظ: لكن منع من حمله على ذلك أن التأكيد يتراخى عن المؤكد- لا يسلم فقد رده كثير من علماء اللغة، منهم أبو حيان الأندلسي وغيره ممن تقدموه.
جاء في السراج المنير:" وما أرسلناك أي : بعظمتنا إلا كافة للناس أي : إرسالاً عاماً شاملاً لكل ما شمله إيجادنا فكأنه حال من الناس قدم للاهتمام ، وقول البيضاوي : ولا يجوز جعلها حالاً من الناس أي : لأن تقديم حال المجرور عليه كتقديم المجرور على الجار رده أبو حيان بقوله : هذا ما ذهب إليه الجمهور وذهب أبو علي وابن كيسان وابن برهان وابن ملكون إلى جوازه وهو الصحيح انتهى. وهذا هو الذي ينبغي اعتماده ويؤيده قوله "كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" –السراج المنير:3/250-.

وقال الزمخشري في "الكشاف" ، في تفسير قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ، "إلا رسالة عامّة لهم محيطة بهم؛ لأنهم إذا شملتهم، فإنها قد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم".
وقال الزجاج: "المعنى: أرسلناك جامعًا للناس في الإنذار والإبلاغ فجعله حالاً من الكاف، وحق التاء على هذا أن تكون للمبالغة كتاء الراوية والعلامة([1]).

ولعل أقرب تأويل للآية:
- وما أرسلناك إلا رسالة كافة أي عامة للناس، فنقدر محذوف دل عليه السياق وهو لفظ "رسالة"، وهذا كما سلف أحد قولي القاضي البيضاوي في الآية، وهو قول الزمخشري.
أو إجراءها على التفسير المشهور وهو أنه أرسل للناس كافة عربهم وعجمهم، على جواز تقديم الحال على صاحبه كما حققه غير واحد.

وهذان التفسيران يعودان في الحقيقة إلى تفسير واحد.

والله أعلم وأحكم ونسبة العلم إليه سبحانه أسلم.








([1] ) وقد تعقب الإمام أبو حيان كلا القولين أي قول الزمخشري والزجاج في البحر، فلينظر.